ما أسباب تأجيل صفقة تبادل الأسرى بين الحكومة اليمنية والحوثيين؟
الرأي الثالث
كانت صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي تبدو، حتى الساعات الأخيرة، أقرب إلى التنفيذ بعد أشهر من المفاوضات برعاية الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، غير أن العملية تعثرت فجأة، ليتبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن التأجيل، بينما بقي الوسطاء الأمميون والدوليون ملتزمين الصمت.
وتُعد الصفقة، التي وُقعت في العاصمة الأردنية عمّان في مايو الماضي، أكبر اتفاق لتبادل الأسرى منذ اندلاع الحرب، إذ تشمل قرابة 1750 أسيراً ومحتجزاً مرتبطين بالنزاع، وتمثل أول خطوة عملية لتنفيذ تفاهمات "مسقط 2" القائمة على الإفراج التدريجي عن المحتجزين.
وبينما تقول الحكومة اليمنية إن الحوثيين أوقفوا تنفيذ الصفقة في اللحظات الأخيرة، تؤكد الجماعة أنها كانت جاهزة للتنفيذ، وأن الحكومة لم تستكمل التزاماتها.
وفي ظل غياب تعليق رسمي من مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، يزداد الغموض حول مستقبل الاتفاق، وما إذا كان التأجيل مؤقتاً أم بداية لتعثر جديد في أحد أكثر الملفات الإنسانية حساسية.
اتهامات متبادلة
أعلنت الحكومة اليمنية أن جماعة الحوثي أجهضت تنفيذ صفقة التبادل، التي كان مقرراً تنفيذها السبت 11 يوليو عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وقال رئيس الفريق الحكومي المفاوض في ملف الأسرى والمختطفين، هادي هيج، إن الحكومة تلقت بلاغاً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب المبعوث الأممي يفيد برفض الحوثيين تنفيذ الصفقة في موعدها وتأجيلها إلى أجل غير محدد، رغم استكمال الحكومة جميع الإجراءات المطلوبة.
واتهم هيج الحوثيين باستغلال ملف الأسرى لأغراض سياسية وعسكرية واقتصادية، محملاً الجماعة مسؤولية تعطيل الجهود الإنسانية ومعاناة الأسرى وذويهم.
في المقابل، رفض رئيس لجنة شؤون الأسرى التابعة للحوثيين عبدالقادر المرتضى هذه الاتهامات، وقال إن الحكومة هي من أخرت تنفيذ الاتفاق، عبر "المماطلة" في تنفيذ التزاماتها، ورفض إضافة بقية الأسرى الموجودين لديها إلى الصفقة، مؤكداً أن جماعته أبلغت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر جاهزيتها الكاملة للتنفيذ في الموعد المحدد.
وهكذا، يقدم كل طرف رواية مغايرة لأسباب التأجيل، بينما لم يصدر حتى الآن أي توضيح رسمي من مكتب المبعوث الأممي يحدد الجهة التي عطلت تنفيذ الاتفاق أو طبيعة الخلافات التي حالت دون إتمامه.
عقدة قحطان
شكّل ملف القيادي في حزب الإصلاح محمد قحطان أحد أبرز تعقيدات الصفقة، إذ نص اتفاق عمّان على تشكيل لجنة مشتركة من الحكومة والحوثيين، بمشاركة أسرته واللجنة الدولية للصليب الأحمر، للتحقق من مصيره قبل تنفيذ عملية التبادل.
وخلال الأيام الماضية، تداولت مصادر غير رسمية معلومات عن قيام لجنة مشتركة بمعاينة جثمان قالت جماعة الحوثي إنه يعود إلى قحطان، مع أخذ عينات لفحصها خارج اليمن للتحقق من الهوية وأسباب الوفاة.
لكن المتحدث باسم حزب الإصلاح، عدنان العديني، أعلن لاحقاً أن أعمال اللجنة انتهت "دون العثور على محمد قحطان"
مؤكداً أن السؤال بشأن مصيره لا يزال قائماً، وأن أي نقاش آخر يجب أن يسبقه كشف واضح وموثق عن مكان وجوده أو الإفراج عنه، وحتى إعداد هذا التقرير، لم يصدر تعليق رسمي من جماعة الحوثي بشأن نتائج أعمال اللجنة.
ويُعد ملف قحطان، المعتقل لدى الحوثيين منذ عام 2015، أحد أكثر الملفات تعقيداً في جميع جولات التفاوض السابقة، إذ ظل اسمه حاضراً في كل الاتفاقات التي استندت إلى مبدأ "الكل مقابل الكل".
اعتراضات جنوبية
بالتزامن مع التحضيرات لتنفيذ الصفقة، برزت اعتراضات من المجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل)، الذي أعلن رفضه إدراج أشخاص قال إنهم مدانون أو متهمون بقضايا إرهابية ضمن عملية التبادل.
واعتبر المجلس أن الإفراج عن هذه الأسماء يمثل مساساً بحقوق ضحايا الإرهاب واستهدافاً للمنجزات الأمنية، محملاً الحكومة مسؤولية أي خطوة من هذا النوع، داعياً إلى التراجع عنها.
كما طالب المجتمعين الإقليمي والدولي بعدم تحويل "المتهمين بالإرهاب" إلى أوراق تفاوض سياسية.
وسبق ذلك تنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في عدن، رفضاً لإدراج أشخاص يصفهم المحتجون بأنهم متورطون في عمليات اغتيال ضمن قوائم التبادل.
خلفية الاتفاق
كان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أعلن في 8 مايو الماضي توصل الحكومة اليمنية والحوثيين إلى اتفاق للإفراج عن أكثر من 1600 محتجز، بعد 14 أسبوعاً من المفاوضات في العاصمة الأردنية عمّان، واعتبره أكبر اتفاق من نوعه منذ اندلاع الحرب.
واستند الاتفاق إلى جولة "مسقط 2" التي عقدت في ديسمبر 2025، ونص على مواصلة عمليات الإفراج، وإجراء زيارات متبادلة إلى أماكن الاحتجاز، بما يعزز الثقة بين الطرفين.
ورغم الإعلان الأممي عن الإفراج عن أكثر من 1600 محتجز، ظلت الأرقام محل تباين بين الطرفين؛ إذ تحدثت الحكومة والتحالف العربي عن قرابة نحو 1750 محتجزاً، بينما أعلنت جماعة الحوثي أن الاتفاق يشمل قرابة 1680 شخصاً.
الخطوات المقبلة
حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على موعد جديد لتنفيذ الصفقة، كما لم يصدر مكتب المبعوث الأممي أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر بياناً يوضح أسباب التأجيل أو الخطوات التالية.
في المقابل، تتوقع مصادر متابعة أن تستمر الاتصالات بين الوسطاء والطرفين لإزالة العقبات واستئناف التنفيذ، خصوصاً أن الاتفاق يمثل أحد أهم الملفات الإنسانية في اليمن، بعد سنوات من تعثر تنفيذ اتفاق ستوكهولم الموقع عام 2018.
كما ربطت مصادر غير رسمية بين تأجيل تنفيذ الصفقة ومساعٍ حوثية لتأمين عودة وفدها الموجود في إيران عبر رحلة جوية إلى مطار صنعاء، إلا أن أياً من الأطراف المعنية لم يؤكد هذه المعلومات أو ينفها حتى الآن.
ويمثل تعثر الصفقة انتكاسة جديدة لملف ظل من أكثر القضايا الإنسانية تعقيداً في النزاع اليمني، إذ تنتظر آلاف العائلات تنفيذ الاتفاق على أمل إنهاء سنوات طويلة من الفراق،
بينما يبقى مصير الصفقة رهناً بقدرة الوسطاء على تقريب وجهات النظر ومعالجة نقاط الخلاف التي برزت قبيل ساعات من تنفيذها.
وأرجع المحلل السياسي اليمني الدكتور عادل المسني، إيقاف الحوثيين لصفقة تبادل الأسرى لأسباب تتعلق بالتغير الإقليمي.
وقال المسني ، إن الضربات الأمريكية الأخيرة على إيران أصابت معنوياتهم في مقتل وأحدثت تحولًا في الموقف.
واستطرد قائلاً:
- كان التفاوض يجري في ظل معنويات عالية للحوثيين، استناداً إلى سردية الصمود والانتصار الإقليمي، وتطلعهم لاستثمار ذلك في تحقيق مكاسب باليمن، كما تجلى في خطابهم التصعيدي وحضورهم للطاولة الإيرانية.
- التطورات الأخيرة بددت ذلك كله، وكسرت سردية إيران وأظهرتها في هيئة العاجز المهزوم، وقد انعكس هذا التحول على الموقف الشرعي اليمني الذي تشدد في مواجهة الانتهاك الإيراني للسيادة ورفض تكراره.
- يبدو أن الحراك الإقليمي يتجه نحو خفض التصعيد في المنطقة، وسيكون لنجاحه أو إخفاقه انعكاس مباشر على المشهد اليمني.
- أصبح الفصل بين الملفات أمراً عسيراً، في ظل ما تشهده الساحة من تعقيد وتشابك غير مسبوق.
- تنصرف الرهانات إلى الجهود الإقليمية في إبعاد شبة التوتر وإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات والتوصل لتسوية بشأن تبادل الأسرى والعودة لوفد الحوثي.