Logo

السلوك الإيراني لاشتعال أزمة اليمن مرة أخرى: توسيع التنافس الإقليمي

الرأي الثالث 

في خضم المواجهات الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، عاد اليمن أيضاً إلى واجهة الاهتمام في المنطقة، وإلى صلب التوتر بين طهران والرياض.
 
وجاء ذلك بعدما شرعت إيران في محاولة كسر الحصار المفروض على حليفها اليمني (الحوثيين) في صنعاء، فأرسلت في الثالث من يوليو/ تموز الحالي أول طائرة ركاب لها إلى صنعاء، لتتمكن من الهبوط في العاصمة اليمنية متجاهلة تحذيرات المقاتلات السعودية.
 
وكانت هذه الرحلة التابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية، وهي الأولى من نوعها منذ عشر سنوات، بعد فرض التحالف حصاراً على صنعاء، تقل عدد من مسؤولي سلطة الحوثيين إلى طهران للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي.

 ثم عادت إيران، الاثنين الماضي، وأرسلت طائرة أخرى إلى صنعاء للمرة الثانية، إلا أن هجمات على المطار حالت هذه المرة دون هبوطها، لتنزل الطائرة الإيرانية في مطار الحديدة.

تتجاوز هذه الخطوة الإيرانية، في الظروف الراهنة، كونها مجرد رحلات اعتيادية، إذ تحمل رسائل ودلالات خاصة في الفضاء السياسي الإقليمي 

ويبدو أنها تعكس قدراً من الجرأة والاندفاع اللذين برزا في السلوك الإيراني ومقاربته الإقليمية في نتيجة للحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة عليها.

في السياق، واجهت إيران اتهامات بالتدخل في اليمن، وأنها أصبحت طرفاً في الصراع، فضلاً عن اتهامات أخرى لحليفها اليمني بأنه يعمل بأوامر إيرانية، 

وهو ما دفع المندوب الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني، صباح اليوم الأربعاء، إلى الرد في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، ورئيس مجلس الأمن الدوري، سفير جمهورية الكونغو الديمقراطية زينون موكونغو نغاي، 

حيث نفى صحة الاتهامات الموجهة إلى جماعة الحوثي بأنها تعمل نيابة عن إيران، قائلاً إن "هذه الادعاءات لا أساس لها إطلاقاً"، ومعتبراً أن جماعة الحوثي "تمثل شريحة كبيرة من الشعب اليمني، وتتخذ قراراتها بشكل مستقل، ووفقاً لما تراه من مصالح لليمنيين".
 
وأضاف إيرواني أن محاولات تصوير تحركات جماعة الحوثي على أنها تنفذ بأوامر إيرانية، تُعدّ، بحسب الرسالة، "مضللة وذات دوافع سياسية ولا تستند إلى أي دليل". 

كذلك أدان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي في بيان، قبل أمس الاثنين، الهجوم على مطار صنعاء الدولي، واعتبره "انتهاكاً صارخاً" للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، و"مساً بالسيادة الوطنية لليمن ووحدة أراضيه"، حسب قوله. 

ورأى بقائي أن هذا الإجراء "يتعارض مع الجهود الرامية إلى إرساء السلام والاستقرار، ويخالف اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2022 والتفاهمات اللاحقة الرامية إلى الحيلولة دون تصعيد التوتر"، وعبّر عن استعداد إيران لتقديم "أي مساعدة" من أجل دفع المسار السياسي وتنفيذ خريطة الطريق، بهدف التوصل إلى سلام واستقرار دائمين في اليمن.
 
أبعد من مواجهة السعودية

وفي السياق، يقول الخبير الإيراني مير جواد مير غلوي بيات، إن "مسألة كسر الحصار عن اليمن ينبغي أن تُقرأ في إطار استراتيجية "وحدة الساحات" التي يعتمدها محور المقاومة".

 ويعتبر أن من أبرز الانتقادات الموجهة داخل إيران إلى التفاهم الأخير مع الولايات المتحدة أنه تجاهل جماعة الحوثي بوصفها أحد الأضلاع المهمة في هذا المحور. 

ويوضح أن "اتفاق بكين بين طهران والرياض لتطبيع العلاقات في 2023، رغم أنه أتاح بعض الانفراجات لحكومة صنعاء وأسهم في تثبيت وقف إطلاق النار، لم يعالج عملياً مشكلة عدم الاعتراف بجماعة الحوثي في المحافل الدولية، ولا تواصلها البحري والجوي مع العالم، وهو ما أدى إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية شديدة على هذه الجماعة"، وفق تعبيره. 

ويضيف مير غلوي بيات أن التطورات الإقليمية والدولية خلال نحو عامين، إلى جانب تنامي قوة صنعاء في النزاع الداخلي اليمني، وتراجع موقع السعودية، غيّرت موازين القوى إلى الحد الذي لم يعد معه استمرار معادلة اتفاق بكين، التي تميل لمصلحة الرياض وعلى حساب صنعاء، "أمراً مقبولاً". 

ويقول إن "القوى السياسية في صنعاء والناس بعد عقد من الحصار، كانوا ينتظرون من طهران أن تدرج مسألة رفع الحصار البحري والجوي والبري عن صنعاء ضمن شروط أي اتفاق مع الولايات المتحدة". 

ويشير إلى أنه "في ضوء ذلك، ولا سيما بعد أن لم تُظهر جماعة الحوثي الأداء المتوقع خلال الحرب الأخيرة على إيران، أدركت طهران أن من الضروري إقامة نظام جديد يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب". 

ويضيف الخبير الإيراني أنه "بعد أن تنصلت الولايات المتحدة من بنود التفاهم، خلصت طهران هذه المرة إلى أن النظام الإقليمي الجديد لن يقوم من دون ممارسة القوة واتخاذ خطوات عملية، ولذلك أقدمت، لطمأنة جماعة الحوثي، على تلك الخطوة الرمزية المتمثلة بكسر الحصار الجوي عن اليمن".

ويدعو مير غلوي بيات إلى قراءة محاولة إيران كسر الحصار عن صنعاء ضمن سياق معادلات قال إن "محور المقاومة" يسعى إلى تأسيسها في المنطقة، منها خطوة إيران في لبنان والهجوم على إسرائيل رداً على استهداف بيروت خلال شهر يونيو/ حزيران الماضي، ومحاولة كسر الحصار عن اليمن، 

قائلاً إن "هذه التحركات تظهر أن طهران لم تعد تنظر إلى مسألة جماعة الحوثي والسعودية باعتبارها قضية ثنائية بينها وبين الرياض، بل تراها ضمن معادلة أوسع لإقامة نظام جديد في المنطقة وإضعاف الولايات المتحدة وحلفائها".
 
ويضيف الخبير الإيراني أن "طهران تريد اليوم أن تُظهر أنها في الجولة الجديدة من المواجهة مصممة إلى حد اعتبار اتفاق بكين مع الرياض منتهياً،

 ويعتبر أن هذه الخطوة يمكن أن تُقرأ أيضاً بوصفها "إنذاراً جدياً" للسعودية والولايات المتحدة، بل ولجميع دول العالم، مفاده أنه إذا لم يتراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أهدافه، مثل الحصار واستهداف البنى التحتية الإيرانية، فلن يكون هناك هذه المرة باب المندب والبحر الأحمر باعتباره طريقاً بديلاً آمناً لنحو 20 مليون برميل من النفط الخام التي تعبر مضيق هرمز بعد إغلاقه.
 
توسيع التنافس الإقليمي

من جانبه، يرى الخبير الإيراني صلاح الدين خديو، أن محاولة إيران كسر الحصار الجوي على المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين يمكن النظر إليها بوصفها "اختباراً جديداً" في مواجهة السعودية، ويقول إن ذلك قد يؤثر في التوازنات الإقليمية الهشة.

 ويبدو أن طهران، حسب خديو، انطلاقاً من تقدير مفاده أنها باتت بعد الحرب التي استمرت أربعين يوماً في موقع سياسي واستراتيجي أكثر ملاءمة، وأنها تمتلك أوراق ضغط، من بينها مضيق هرمز، تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها إلى ما هو أبعد من الخليج، وإلى إقامة توازن جديد في المنطقة.

ويضيف خديو أن هدفاً آخر يتمثل في إنشاء جسر جوي لتعزيز القدرات العسكرية للحوثيين، ونقل التنافس الاستراتيجي من مضيق هرمز إلى باب المندب، وهو ممر يُعد، مثل هرمز، واحداً من أهم شرايين التجارة العالمية.

 غير أن الهجوم على مطار صنعاء، وفق الخبير الإيراني، يمكن اعتباره رداً مباشراً على هذا التحدي، متوقعاً أن تؤدي الضربات المتبادلة إلى إشعال حرب اليمن من جديد. 

ويضيف خديو أن "ما يفاقم تبعات الاشتباك الجديد في اليمن، تردي العلاقات بين إيران والعديد من الدول العربية المطلة على الخليج، التي تعيش راهناً أكثر أوضاعها هشاشة خلال العقود الأخيرة" 

 مؤكداً أن "العامل الذي حال حتى الآن دون وقوع مواجهة مباشرة أكثر من أي شيء آخر هو الخوف المشترك من كلفة حرب شاملة".

ويرى خديو، أن "اشتعال أزمة اليمن مرة أخرى، تزامناً مع تصاعد التنافس على السيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية، من هرمز إلى باب المندب، ينذر بدخول المنطقة مرحلة جديدة من المواجهة العسكرية".

صابر غل عنبري