الزيدي في طهران وسط التصعيد الإقليمي.. هل يحمل رسائل أميركية؟
الرأي الثالث - وكالات
وصل رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، اليوم الخميس، إلى العاصمة الإيرانية طهران في أول زيارة رسمية له منذ انتخابه في مايو/ أيار الماضي، وسط ظروف بالغة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران،
وبعد موجة الاعتراضات التي أثارتها زيارة الزيدي للولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لدى الأوساط المحافظة في إيران التي وجهت اتهامات وانتقادات ثقيلة له.
الحكومة الإيرانية حاولت تدارك الموقف، فاستبق الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وصول ضيفه العراقي أمس الأربعاء، ليؤكد أن هذه الزيارة تمثل "منعطفاً" لتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
وأدلى بزشكيان بهذا التصريح خلال الاجتماع الخاص بملف العلاقات الاقتصادية بين إيران والعراق في إطار اللجنة المشتركة للتعاون الاقتصادي، برئاسته وحضور وزير الخارجية عباس عراقجي، ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، ومسؤولين من الأجهزة المعنية، وممثلين عن القطاع الخاص.
وأكد بزشكيان أن علاقات إيران والعراق "ممتازة وعميقة، وتقوم على روابط تاريخية وثقافية ودينية ومصالح مشتركة"
مشيراً إلى أن هذه الزيارة يمكن أن تكون نقطة تحول في الارتقاء بالتعاون الشامل وفتح فصل جديد من العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
وشدد على ضرورة الاستفادة القصوى من الفرص المتاحة خلال الزيارة، مصرحاً بأن على جميع الأجهزة التنفيذية، بالتنسيق الكامل، تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الاتفاقات وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري والبنى التحتية، لكي تكون نتائج هذه الزيارة "ملموسة ومستدامة" في الارتقاء بمستوى علاقات البلدين.
محاولة للتوازن في العلاقات الخارجية
بخصوص أجندة زيارة رئيس الوزراء العراقي لطهران، يرى رئيس تحرير موقع "الدبلوماسية الإيرانية" علي موسوي خلخالي، أنها "تأتي في المقام الأول في سياق محاولة عراقية لخلق توازن في العلاقات الدولية للعراق بين إيران والولايات المتحدة، ولا سيما أنها تأتي بعد زيارة أجراها الزيدي لواشنطن الأسبوع الماضي".
وفي ما يتعلق بمدى إمكانية أن يكون الزيدي حاملاً لرسالة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أشار موسوي خلخالي إلى أن هذا الاحتمال وارد نظراً لحساسية الظروف الراهنة، حيث تعمل قنوات متعددة على نقل الرسائل، والعراق يُعد إحدى هذه القنوات.
ومع ذلك، استبعد المحلل الإيراني أن ينجح الجانب العراقي في لعب دور "اللوبي"، معللاً ذلك بأن الزيدي لا يتمتع بنفوذ كبير، سواء في إيران أو في أميركا، واستبعد أن يمتلك العراق "وزناً سياسياً كافياً" ليؤدي دور الوسيط بين طهران وواشنطن.
وفيما جرى أخيراً تداول أنباء عن تقديم العراق مقترحاً بعقد اجتماع بين الجانبين، الإيراني والأميركي، في بغداد، وأن الإدارة الأميركية لم ترفض المقترح، إلا أن موسوي خلخالي رجح أن يقتصر الأمر على تبادل الرسائل لا أكثر.
وفي السياق نفسه، أكد مصدر إيراني مطلع أن طهران لم تلمس إشارات بعد عودة رئيس الوزراء العراقي من زيارة واشنطن إلى أنه يحمل رسالة من ترامب،
قائلاً: "لو كان الزيدي حاملاً لرسالة أميركية مهمة، لما كان هذا الفاصل الزمني بين زيارته لواشنطن وطهران، ولم تتخللهما محطات إقليمية أخرى".
وأوضح أن الرسائل الأميركية عبر الوسطاء وأطراف أخرى "لم تتوقف، لكن السلوك الأميركي العدواني أبلغ من تلك الرسائل"
مضيفاً أن المشكلة اليوم "ليست في غياب قنوات تواصل أو رسائل، حيث كلاهما موجودان، بل المشكلة في النهج والسياسة الأميركيين والتناقض البيّن بين الرسائل والسلوك".
وتوقع موسوي خلخالي أن يُبحَث خلال الزيارة توقيع اتفاقيات تجارية واقتصادية، وتحديداً في مجالي الغاز والكهرباء.
وأوضح أن العراق يواجه حالياً أزمة كهرباء خانقة مع ارتفاع درجات الحرارة، قائلاً إن الأزمة تفاقمت بعد الضغوط الشديدة التي مارستها إدارة ترامب على بغداد لوقف استيراد الكهرباء والنفط والغاز من إيران.
ولفت إلى أن الغاز المستورد من إيران يُستخدم في محطات توليد الكهرباء العراقية، ومع تراجع هذه الإمدادات في ظل حرارة الصيف الشديدة، بات الوضع في العراق "حرجاً للغاية".
وتابع قائلاً إن الزيدي يأمل حدوث تطورات بشأن الأموال الإيرانية المحتجزة في العراق، التي اضطرت بغداد، تحت ضغوط أميركية، إلى تجميدها أو تعليق تحويلها إلى إيران
مشيراً إلى أن هذا الملف ليس جديداً، وسيشكل محوراً للنقاش حول سبل استغلال هذه الموارد المالية.
هجوم يسبق الزيارة
كان مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، قد هاجم الجمعة الماضي بشدة رئيس الوزراء العراقي على خلفية زيارته للولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي.
وقال ولايتي في مقال نشرته وكالة "تسنيم" الإيرانية المحافظة، إن الزيدي، الذي وصفه بـ"رئيس الوزراء الشاب وقليل الخبرة"، قام بزيارة "مؤسفة وفي غير محلها" للولايات المتحدة.
وجدد ولايتي توصيفه للزيارة بأنها "وصمة عار كبيرة"، معللاً ذلك بأنها جرت بعد اغتيال "أحد أكبر رجال الدين المؤثرين"،
في إشارة إلى المرشد الراحل علي خامنئي. واعتبر أن إجراء الزيارة في هذا التوقيت تحديداً، واللقاء مع ترامب الذي نعته بـ"الشيطان الخبيث"، يثير إشكالاً كبيراً بحد ذاته.
بعد ذلك، أجرى عراقجي مباحثات هاتفية السبت مع نظيره العراقي فؤاد حسين، سعى خلالها إلى احتواء التداعيات السياسية للانتقادات اللاذعة التي وجهها ولايتي ضد رئيس الوزراء العراقي، واصفاً إياها بأنها "تصريحات شخصية وغير رسمية".
زيارة ثنائية
وحول أهداف زيارة رئيس الوزراء العراقي لطهران، يرى الدبلوماسي الإيراني محسن باك آيين، أنها تأتي في إطار "العلاقات الجيدة والروابط المشتركة بين إيران والعراق".
وبحسب باك آيين، الذي شغل منصب سفير إيران السابق في جمهورية أذربيجان، فإن زيارة رئيس الوزراء العراقي تأتي في إطار علاقات البلدين والحديث عن الموضوعات الثنائية والإقليمية.
وتابع الدبلوماسي الإيراني، قائلاً إن الزيدي منذ توليه رئاسة الوزراء يسعى لإظهار نهج اقتصادي يهدف إلى تنمية العراق ورسم رؤية عملية لمقاومة الاقتصاد وتطويره للمستقبل.
وأضاف في السياق ذاته، أنه رغم أن سفر الزيدي إلى إيران يندرج ضمن إطار تعزيز العلاقات الثنائية في مجالات مختلفة
إلا أن أبعادها الاقتصادية تبدو بارزة، ويمكن القول إن تعزيز التعاون الاقتصادي بمحورية التجارة والطاقة والسياحة يعد من أولويات هذه الزيارة.
ولفت باك آيين إلى أنه ستكون الملفات الأمنية، وتحديداً نشاط الجماعات الكردية المناهضة في إقليم كردستان العراق، على جدول أعمال الطرفين. واستبعد باك آيين أن يكون الزيدي حاملاً لرسالة أميركية
موضحاً أنه إذا كانت أميركا تقصد إيصال رسالة، فهي تمتلك "قنوات محددة مثل قطر ووسطاء آخرين ولا تحتاج بالضرورة لسلوك طريق بغداد".
ومع ذلك، يرجح أن تكون الإدارة الأميركية قد رحبت برغبة العراق في الوساطة من باب إظهار الود، لكن من المستبعد أن يكون هذا الموضوع جدياً.
وأضاف أن أميركا عادة لا تتعامل بصدق مع دول المنطقة، وخصوصاً جيران إيران، وهي ترحب بالوساطة بناءً على رغبة تلك الدول.
وأعرب عن اعتقاده أن زيادة عدد الوسطاء لا يحل المشكلة، بل يجب أولاً وجود إرادة قوية في أميركا للالتزام بتعهداتها وتجنب إشعال الحروب.
وأوضح باك آيين أن قطر وباكستان أدّتا الوساطة بجدية حتى الآن، لافتاً إلى أنه مع الأخذ بعين الاعتبار اعتماد أكثر من 90 في المئة من دخل الحكومة العراقية على صادرات النفط عبر مضيق هرمز،
فمن المؤكد أنه سيجري الحديث عن كيفية حل الخلافات بين أميركا وإيران، لكن هذا لا يعني أن الأمر يندرج ضمن "الوساطة".
يأتي الزيدي إلى طهران بعد أن أجرى جولة إقليمية عقب زيارته واشنطن، وكانت سورية إحدى محطاتها.
وجاءت الزيارة لدمشق في وقت تريد فيه أميركا إدخال هذا البلد في حرب ضد "حزب الله" اللبناني، ومن هنا ليس واضحاً ما إذا كان سفر رئيس الوزراء العراقي إلى سورية له ارتباط بهذا الملف،
وهل كان يحمل رسالة من طهران لثني دمشق عن الانضمام إلى حملة الحرب ضد حليفها اللبناني أو لا.
وفي هذا الصدد، قال مصدر إيراني مطلع إن طهران أرسلت عبر قنوات متعددة، منها العراق، رسائل تحذيرية إلى دمشق بشأن التدخل ضد حزب الله، لكنه لم يحدد ما إذا كان الزيدي قد نقل رسالة طهران بهذا الشأن إلى دمشق أو لا.