Logo

جماعة الحوثي تلجأ إلى التصعيد ..ماذا تريد إيران ؟

الرأي الثالث 

بينما تتجه الأنظار إلى المفاوضات الجارية بشأن إعادة فتح مضيق هرمز وإحياء مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، اختارت جماعة الحوثي التصعيد العسكري، عبر استهداف مواقع للقوات اليمنية، في توقيت يثير تساؤلات تتجاوز حدود الساحة اليمنية إلى المشهد الإقليمي بأكمله.

هذا الاستهداف الذي رأى فيه بعض المراقبين بأنه " غريب " خاصة وأن الأطراف المنخرطة في مفاوضات حساسة تميل عادة إلى خفض مستوى التوتر، لا إلى توسيع ساحات المواجهة.

لكن ما يجري في اليمن يبدو مختلفاً؛ إذ تتزامن مؤشرات الانفراج في ملف هرمز مع عودة الجبهة اليمنية إلى الاشتعال، بما يطرح سؤالاً محورياً: 

هل يمثل هذا التصعيد قراراً يمنياً خالصاً، أم أنه جزء من الحسابات الإقليمية المرتبطة بالمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة؟

منذ سنوات، يُنظر إلى جماعة الحوثي باعتبارها أحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة، إلى جانب أطراف أخرى ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة.

وقد أقرت طهران مراراً بدعمها السياسي للحوثيين، فيما تتهمها الولايات المتحدة ودول عربية بتقديم أشكال مختلفة من الدعم العسكري والتقني، وهو ما تنفيه إيران.

وبغض النظر عن طبيعة هذا الدعم، فإن مسار الأحداث خلال السنوات الماضية أظهر أن تحركات الحوثيين غالباً ما تتقاطع مع الإيقاع الإقليمي، خصوصاً في المحطات التي تشهد توترات أو مفاوضات بين إيران والغرب.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التصعيد الأخير باعتباره محاولة للإبقاء على أوراق الضغط الإيرانية حاضرة على الطاولة، حتى مع استمرار المسار التفاوضي بشأن مضيق هرمز.

رسالة ضغط لا إعلان حرب

من غير المرجح أن يكون التصعيد الحوثي مؤشراً إلى رغبة في فتح حرب شاملة، بقدر ما قد يمثل رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن النفوذ الإيراني لا يقتصر على مضيق هرمز، بل يمتد أيضاً إلى البحر الأحمر وباب المندب، وهما من أهم الممرات البحرية في العالم.

فإذا كان هرمز يمثل بوابة الخليج، فإن باب المندب يمثل شريان التجارة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب في أحدهما ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

لذلك، فإن امتلاك القدرة على التأثير في هذين الممرين يمنح طهران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ورقة ضغط إضافية خلال أي مفاوضات مع واشنطن.

رغم ذلك، فإن البيئة الاستراتيجية التي يتحرك فيها الحوثيون اليوم تختلف كثيراً عن السنوات الماضية.

فالجيش اليمني أعاد خلال الفترة الأخيرة ترتيب بنيته العسكرية، وشهد توسعاً في برامج التدريب والتسليح، مع إنشاء تشكيلات جديدة وتعزيز التنسيق مع التحالف العربي.

كما أن التحركات العسكرية الأخيرة تشير إلى استعداد متزايد لشن عمليات أوسع ضد الجماعة، مستفيداً من تغير البيئة الإقليمية والدولية.

في المقابل، تبدو دول المنطقة أكثر ميلاً إلى إنهاء التهديد الذي تمثله جماعة الحوثي للملاحة الدولية،

 فالهجمات التي استهدفت السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر وباب المندب خلال الأعوام الماضية لم تعد تُنظر إليها باعتبارها أزمة يمنية داخلية، بل تحولت إلى قضية تمس الأمن الاقتصادي العالمي.

ولهذا، فإن أي تصعيد جديد قد يمنح خصوم الجماعة مبرراً سياسياً وعسكرياً أوسع للتحرك ضدها، خصوصاً مع تنامي التعاون البحري الدولي، وإطلاق مبادرات أمنية جديدة لحماية خطوط الملاحة.

قد يبدو من الناحية التكتيكية أن إبقاء الجبهة اليمنية مشتعلة يمنح إيران ورقة إضافية خلال المفاوضات، لكنه في المقابل يرفع مستوى المخاطر على الحوثيين أنفسهم.

فكلما اتسعت العمليات العسكرية، زادت احتمالات تعرض الجماعة لضغوط عسكرية وسياسية قد تؤثر في قدرتها على الاحتفاظ بمناطق سيطرتها.

كما أن استمرار تهديد الملاحة الدولية قد يدفع إلى بناء تحالفات أوسع وأكثر حزماً، وهو ما قد يغيّر موازين القوى في البحر الأحمر واليمن.

بالمحصلة، قد يكون التصعيد الحوثي الأخير محاولة للحفاظ على أوراق النفوذ الإقليمي في لحظة تفاوضية حساسة، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة على الجماعة نفسها. فالمشهد الإقليمي لم يعد كما كان قبل سنوات؛

 إذ تتزايد المؤشرات على وجود إرادة إقليمية ودولية لتقليص مصادر التهديد للملاحة الدولية، بينما تبدو القوات الحكومية اليمنية أكثر استعداداً لخوض مواجهة طويلة.
 
وتشهد جبهات القتال ومناطق التماس مع قوات الحكومة اليمنية تصعيداً متكرراً خلال الأشهر الأخيرة، بالتزامن مع هجمات متزايدة بالطائرات المسيّرة والصواريخ يشنها الحوثيون على مواقع عسكرية وأهداف داخل مناطق سيطرة الحكومة، في ظل تعثر مساعي التهدئة واستمرار المواجهات في عدد من الجبهات. 

والسؤال الآن، هل تستطيع جبهة اليمن أن تمنح طهران ورقة تفاوض إضافية، أم أنها قد تتحول إلى الجبهة التي تستنزف أحد أهم حلفائها في المنطقة؟