خيارات الحكومة اليمنية للرد على هجمات الحوثيين على مأرب وحضرموت
الرأي الثالث
شكّل الهجوم الذي شنته جماعة الحوثيين، أمس الخميس، على معسكرات تابعة لقوات الحكومة اليمنية في مأرب وحضرموت نقطة تحول جديدة في مسار التصعيد العسكري، بعدما نقلت المواجهة من استهداف الملاحة في البحر الأحمر والمنشآت الحيوية السعودية، إلى استهداف معسكرات لقوات اليمنية.
وكشف مصدر عسكري لوكالة فرانس برس، اليوم الجمعة، أنّ ما لا يقل عن 38 جندياً حكومياً قُتلوا في الهجمات، في وقت تجدّد القصف الحوثي على مأرب اليوم، ما أدى إلى مقتل ثلاثة من عناصر القوات الحكومية اليمنية وإصابة أربعة، وفق ما أكده مصدر عسكري يمني للوكالة نفسها.
وأثار هجوم الخميس، الذي وُصف بأنه الأعنف منذ بدء التصعيد الحوثي الأخير، في 20 يوليو/تموز الماضي، تساؤلات بشأن طبيعة الرد الذي قد تتجه إليه الحكومة اليمنية والسعودية،
وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل مقدمة لعودة المواجهات العسكرية الواسعة، في ظل تعثر مسار السلام، وتشابك الأزمة اليمنية مع الصراعات الإقليمية.
تصعيد حوثي ضد الحكومة اليمنية
وبحسب المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، الخميس، فإنّ الهجوم يأتي ضمن مسار التصعيد الذي أعلنته الجماعة ضد المملكة العربية السعودية في 20 يوليو/تموز الماضي تحت شعار "الحصار بالحصار".
وبدأ هذا التصعيد باستهداف ناقلات النفط السعودية في البحر الأحمر وخليج عدن، قبل أن يتدرج إلى استهداف خطوط إمدادات النفط ومطارات سعودية،
وصولاً إلى استهداف قوات الطوارئ التي تشكلت عام 2022 بدعم سعودي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية.
من جهتها، أكّدت وزارة الدفاع اليمنية، في بيان، بأنها سترد "في الوقت والمكان المناسبَين".
وفي أعقاب الهجمات، كشفت مصادر حكومية عن أنّ مجلس الدفاع الوطني عقد اجتماعاً في الرياض لبحث خيارات التعامل مع التصعيد الحوثي.
ويسعى الحوثيون، من خلال هجماتهم المتكرّرة والمتنوعة في البحر والبر، داخل اليمن وفي السعودية، إلى فرض نسق تصعيدي جديد، ولا يمانعون الوصول إلى مواجهة مفتوحة، وفق تصريحات سابقة لزعيم الجماعة.
ردّ على مستويات عدة
ويبدو أنّ حسابات الحوثيين، سواء الداخلية أو المرتبطة بتحالفهم الإقليمي مع إيران، تدفعهم نحو التصعيد في هذه المرحلة، التي يرون فيها فرصة لفرض معادلة جديدة، خصوصاً في ظل عدم رغبة الرياض في الانخراط في مواجهة مفتوحة،
بينما لا تزال جبهتا الصراع في إيران والعراق غير محسومتَين، وتشكلان مصدر تهديد مباشر لأمن السعودية والمنطقة.
ويرى محللون أن الحسابات العملياتية السعودية، وإن كانت معقدة، فإنّ الرياض تستعد أيضاً لمثل هذا السيناريو، ويستدلون على ذلك بسعيها إلى إنشاء تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر،
إضافة إلى تنسيقها الثنائي مع عدد من الدول، مثل مصر وباكستان وتركيا، ما يعني أنها ستكون مستعدة إذا فرضت عليها المواجهة.
في السياق، رأى المحلل مصطفى القحفة، وهو أحد منتسبي القوات الحكومية، أنّ الهجوم الحوثي الأخير يأتي ضمن استراتيجية مستمرة تنتهجها الجماعة لاختبار جاهزية القوات الحكومية واستنزاف قدراتها الدفاعية والمعنوية، ومحاولة خلق حالة من الانقسام والإحباط في الأوساط الشعبية والعسكرية،
فضلاً عن ربط الجبهة اليمنية بتطورات الإقليم واستهداف الملاحة، بهدف الضغط لتحقيق مكاسب تفاوضية، سواء لإيران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، أو للجماعة في حال التوجه نحو تسوية سياسية.
وعن خيارات الحكومة اليمنية في التعامل مع الهجوم الأخير، قال القحفة إنّ الرد يجب أن يكون عملياً ومدروساً وعلى عدة مستويات.
وأوضح أنه على المستوى العسكري يتطلب الوضع الانتقال من الدفاع الثابت إلى رفع مستوى الجاهزية، وتعزيز التنسيق بين مختلف المحاور والتشكيلات العسكرية، وإعادة ترتيب استراتيجيات الرد الميداني لمنع استغلال الثغرات التي ينفذ الحوثيون منها هجماتهم.
وأضاف القحفة أنه على المستوى السياسي والإعلامي يمكن توظيف الهجوم لإثبات عدم جدية الحوثيين في مساعي السلام أمام المجتمع الدولي، وطلب دعم إقليمي ودولي إضافي ، إلى جانب إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع بما يضمن تماسك الجبهات وسرعة الاستجابة للأخطار.
وأكد القحفة أنّ القوات الحكومية تعاني من نقص حاد في منظومات الدفاع الجوي الحديثة والتكتيكية القادرة على التعامل مع الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، نظراً إلى ارتفاع تكلفتها والقيود المفروضة على شحنات السلاح إلى اليمن.
ولفت القحفة إلى أنّ استراتيجيات تسليح القوات الحكومية اعتمدت، خلال السنوات الماضية، بصورة كبيرة على الغطاء الذي وفره التحالف العربي، ما جعل كثيراً من القواعد العسكرية تفتقر إلى مظلة دفاع جوي ذاتية ومستدامة.
وأشار إلى أن الهجمات التي تنفذها الطائرات المسيّرة منخفضة الارتفاع والصواريخ الموجهة تمثل تحدياً تكنولوجياً حتى للمنظومات التقليدية، إذ تتطلب أنظمة إنذار مبكّر، وأجهزة تشويش وحرب إلكترونية، وتغطية رادارية متكاملة، وهي قدرات لا تتوافر بصورة كاملة في معظم المعسكرات.
وأشار إلى أن وزارة الدفاع أعلنت، خلال الفترة الماضية، تصنيع بعض الطائرات المسيّرة، كما اتجهت إلى إعادة تفعيل الطيران الحربي التقليدي من طرازات "أف-5" و"سوخوي" و"ميغ"، إلّا أن هذه الإجراءات، بحسب تقديره، لا تزال غير كافية.
من جانبه، رأى العميد المتقاعد عبد الرحمن الربيعي، أن جماعة الحوثيين أرادت من خلال هذه الهجمات توجيه ثلاث رسائل رئيسية.
الرسالة الأولى تستهدف رفع معنويات أنصارها في الداخل، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة وحالة التذمر الشعبي والقبلي في مناطق سيطرتها، ومفادها أن الجماعة ما زالت قوية وقادرة على المبادرة.
أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى الحكومة اليمنية التي عملت خلال الفترة الماضية، بدعم سعودي، على إعادة تنظيم قواتها من خلال برامج تدريب وتسليح نوعية.
وقال الربيعي إنّ الحوثيين يدركون أن مواجهة عسكرية جديدة قد تكون قريبة، وأنها، من وجهة نظره، ستكون مختلفة عن جولات الصراع السابقة، ولذلك يسعون إلى جرّ القوات الحكومية إلى المواجهة قبل استكمال عملية البناء الهيكلي والمؤسّسي.
وأوضح أن قوات الحكومة اليمنية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الوقت لاستكمال البناء والتجهيز، ولذلك يسعى الحوثيون إلى فرض توقيت المعركة.
هل القوات الحكومية جاهزة؟
وأشار الربيعي إلى أنه، رغم ذلك، فإنّ القوات الحكومية أصبحت أكثر جاهزية مما كانت عليه في المراحل السابقة من الصراع. وعن استهداف قوات الطوارئ على وجه التحديد، قال إن الحوثيين يدركون أنها تمثل احتياطياً تعبوياً وعملياتياً لعدة اتجاهات استراتيجية، ولذلك سعوا إلى استهدافها لإحداث أثر معنوي في صفوفها.
أما الرسالة الثالثة، بحسب الربيعي، فهي موجهة إلى التحالف العربي، إذ يسعى الحوثيون من خلال هذا التصعيد إلى ممارسة مزيد من الضغط على السعودية للوصول إلى تسوية أو اتفاق يخرج الجماعة من حالة الجمود السياسي والعسكري التي تعيشها خلال الفترة الماضية.
وعن السيناريوهات المتوقعة للأزمة اليمنية خلال المرحلة المقبلة، رجح الربيعي، أن يكون سيناريو الحرب هو الأكثر احتمالاً، معتبراً أن فرص السلام مع الحوثيين باتت شبه معدومة بعد تعثر كل المبادرات السابقة.
من جانبه، قال رئيس شعبة الصحافة العسكرية في القوات الحكومية، المقدم رشاد المخلافي، إنّ استهداف الحوثيين معسكرَي قوات الفرقة الأولى طوارئ وقوات درع الوطن بأكثر من 13 صاروخاً باليستياً، إلى جانب عدد من الطائرات المسيّرة، يقوّض آمال السلام والتسوية السياسية.
وأضاف أن استمرار حالة اللا حسم سيكون مكلفاً على المستويات المحلية والإقليمية والعربية والدولية، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً،
خصوصاً أن الحوثيين، بحسب قوله، يعملون ضمن أجندات إقليمية، ويستخدمون سيطرتهم النارية على مضيق باب المندب والبحر الأحمر لتحقيق تلك الأجندات.
وأكد أن التصعيد الحوثي الأخير يأتي في إطار حسابات إقليمية أكثر منها داخلية، مضيفاً أن هناك تنسيقاً بين الفصائل المدعومة من إيران للضغط على السعودية ومحاصرتها.
ماهر أبو المجد
صحافي وكاتب يمني.