Logo

كيف يعود اليمن بلدًا موحدًا ومستقرًا؟

الرأي الثالث 

إذا سألت أي يمنيّ يعيش في الداخل عن كيفية عودة بلده إلى حالة من الوحدة والاستقرار، فستجد كثيرين يبدون تشاؤمًا في ردودهم. 

ورغم أن هذه النظرة التشاؤمية قد لا تكون صائبة بالضرورة، إلا أنهم يميلون إلى استبعاد حدوث ذلك في المدى المنظور، وذلك انطلاقًا مما آلت إليه ثقافة اليمن لدى أبنائه.

منذ اندلاع الحرب، لم يكتفِ مهندسوها بإشعال جبهات القتال فحسب، بل عملوا بفاعلية على ترسيخ ثقافة تضمن استمرار قرع طبول الحرب؛ وهي ثقافة قائمة على الكراهية والانقسام والتحزب المتجذر في أعماق المصالح الضيقة.

وعلى مر السنين، لم يعد الخطاب السياسي -الذي تغذيه وسائل إعلام تؤجج الصراع وتضخّم لغة الحرب – هو الأداة الوحيدة لنشر هذه الثقافة؛ بل تسللت هذه المواقف المتجذرة إلى المساجد والمدارس والتجمعات العائلية والاجتماعية على حد سواء. 

ونتيجة لذلك، أصبحت حتى الأحاديث المتعلقة بـ «الآخر»، سواء كانوا جيراناً أو أقارب أو أصدقاء، محفوفة بالشك والفرز وانعدام الثقة. وفي ظل هذه الأجواء، ليس من المستغرب أن يزعم البعض أن اليمنيين لم يعودوا قادرين على التعايش فيما بينهم.

ولكن، هل هذه الرؤية دقيقة فعلًا وواقعية حقًا؟ هنا تتطلب الإجابة عن هذا السؤال التمييز بين الواقع المعاش والطبيعة البشرية. 

فالانقسام الراهن – مهما بدا حاداً- هو في معظمه نتاج وضع استثنائي فرضته آلة الحرب ومنطق الاستقطاب، وليس نتيجة حتمية لطبيعة مجتمعية يمنية فقدت القدرة على التعايش؛ 

إذ يقدّم التاريخ – حتى في أحلك فصوله- شواهد على أن اليمنيين ظلوا قادرين على إيجاد أرضية مشتركة، مهما كانت هشة.

وعليه، فإن السؤال الأكثر دقة قد يكون: هل يمتلك اليمنيون القدرة على التعايش؟ أو بالأحرى، هل تسمح لهم البيئة المحيطة، التي تتسم بالخطاب التحريضي والفساد الممنهج وغياب الأفق السياسي- بممارسة التعايش بأمان؟

إن الاستقرار لا يبدأ بمصالحة شكلية تُبرم في قاعات مغلقة، بل يبدأ بتفكيك الألغام من عقول الناس أولاً، وفي مقدمتهم صناع القرار، ومن ثم من الأرض. 

وطالما ظلت آلة الكراهية تُدار من قِبَل المستفيدين من استمرار الحرب، فلن تكون النظرة التشاؤمية مجرد «انطباع»، بل رؤية تفرضها وقائع الحياة اليومية.

ومع ذلك، فإن هذا التشاؤم، رغم ما يبدو عليه من واقعية، ليس دقيقًا بالضرورة. إلا أن الواقعية هنا ليست بلا أساس؛ إذ تضج منصات التواصل الاجتماعي في اليمن بآراء تنطوي على دونية وإقصاء تجاه سكان مناطق وتوجهات أخرى، وبشكل يبعث على الخوف من المستقبل. 

لقد تجذرت الكراهية لدرجة أن الانقسام الراسخ بات واقعًا معاشًا؛ بل إن البعض وصل بهم الأمر إلى تمني اجتثاث سكان منطقة ما بأكملها، باعتبارهم، من وجهة نظرهم السطحية، أصل مشكلة البلد. 

وعلاوة على ذلك، عندما ينتقل يمنيّ من منطقته، التي يسكن فيها، إلى منطقة خاضعة لسيطرة سلطة أخرى من سلطات الحرب، فإنه غالباً ما يواجه التفتيش والاستجواب والإهانة، ومعهما شعوره الثقيل بالخوف والقلق إزاء ما ينتظر بلده وما آل إليه حاله، 

وهي تجارب قد تدفعه للاستسلام لهذه النظرة التشاؤمية، مستبعدًا إمكانية عودة بلده يومًا ما إلى حال الوحدة والاستقرار.

غير أن كل هذا يظل نتاجًا لوضع استثنائي أفرزته الحرب؛ كما سبقت الإشارة، فالحرب هنا لا تقتصر على الأطراف الداخلية المعنية فحسب، بل تشمل القوى الخارجية التي تقف خلفها، وهي قوى تحرص على إبقاء الوضع في اليمن ملغومًا بعوامل الانقسام والتفتت.

 وهي تفعل ذلك لتوجيه ديناميكيات الفصائل المتحاربة، بما يبقى معها البلد منزوع القدرة على اتخاذ القرار، بموازاة تفريغ البلد من مضمون وعيه الثقافي الإنساني المتراكم، وتجريده من القوى المؤثرة والقادرة على قيادة دفة سفينته والتعامل مع خصوصية هُويته، وتحمي سيادته وكرامته في آن.

يتجلى هذا الواقع بوضوح في الإصرار والحماس اللذين يبديهما بعض اليمنيين في الدعوة إلى استمرار الحرب، مهما كانت التكلفة؛ إذ يغيب عن هؤلاء أن السلام هو جوهر الوطن، وأن الحرب لا تلد إلا مزيدًا من الحروب،

 إذ أنها ترسّخ ثقافة الهيمنة والقوة الغاشمة، وهي ثقافة لا تثمر سوى هدوءٍ عابر يسبق انفجارًا حتميًا للأوضاع، ليزجّ بالبلاد مجددًا في دوامة جديدة من العنف. 

لقد كان هذا هو حال اليمن منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين؛ فلم تُحسم أي من حروبه عبر مصالحة شاملة يلتزم بها جميع الأطراف بتقديم تنازلات من أجل وطنٍ يؤمن بالجميع، ويحتضن التنوع، ويتقبل «الآخر»، وينصف جميع الضحايا، ويُعلي من قيم العدالة.

ما قيمة وطنٍ يظلُّ ينزف؟ يعجز دعاة الحرب، مهما بلغت التكلفة، عن إدراك قيمة الأرواح التي تُزهق وقوداً لأجندات مهندسي الحروب؛ فأولئك الذين يغضون الطرف عن إراقة دماء الأبرياء يوطنّون أنفسهم بجانب دعاة الحرب، وهؤلاء لا تتجاوز رؤيتهم حدود مصالحهم الضيقة. 

وحين تملي مثل هذه المصالح أهداف الصراع، يتحول الوطن ومستقبله إلى مجرد أدوات في أيدي تجار الحرب.

لذا، مالم يمتلك صناع القرار إرادة وطنية يقتربون بواسطتها من الوطن الكبير، وقبل ذلك وبعده، يؤمنون بمستقبل لائق بكل اليمنيين؛ فلا يمكن اعتبارهم صُنّاعًا للسلام؛ بل هم دعاة حرب، إذ لا يقدّرون الوطن إلا بمقدار ما يدرّه عليهم من مكاسب. 

مما يعني أن صناع الأوطان الحقيقيين هم صناع السلام وحُماة التنوع والعدالة.

الجرائم الجاثمة

في محاولة لتقديم قراءة أكثر وضوحًا لما يعتمل في اليمن، وإمكانية تجاوزه، كان لابد من طرح أسئلة تبحث عن قراءة للأحداث الراهنة، ممثلة في تصاعد التوتر في الآونة الأخيرة، وهل يقترب البلد من استئناف الحرب، أم أن هناك مَن يحرص على إبقاء وضع البلد كما هو عليه، لا حرب، لا سلم، لا دولة؟ 

وهل مازال هناك أمل بتجاوز البلد مأزقه الراهن في ظل طغيان النظرة التشاؤمية إزاء ذلك؟ وماذا يحتاج ليعود بلدًا موحدًا مستقرًا؟

يرى نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق، المفكر عبدالباري طاهر «ما يجري في اليمن حاليًّا هو استمرار للحرب التي بدأت منذ انقلاب 21 أيلول/سبتمبر 2014، وليست بمعزل أيضًا عن حرب 1994 ضِدَّ الجنوب، وحروب صعدة السِّتَّة؛ فهي حروب متواصلة ومتناسلة، ولكن ارتباطها مباشر بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضِدَّ إيران؛ 

وفي نفس الوقت استمرار للحرب التي بدأت أيضًا منذ إعلان التحالف العربي 2015 عاصفة الحزم».

ويضيف:»هناك كما أشرتم من يريد استمرار اليمن مُفَكًّكا وَمُتعاديًا، وتحكمه حالة اللاحرب واللاسلم، وهناك، أيضًا، الغالبية العظمى من الشَّعب اليمني في الشَّمال والجنوب لا تريد الحرب، ولا الحالة القائمة. العودة للحرب؛ 

وقد ظلت طوال العشرة الأعوام الماضية حاضرة، فما إن تسكت في منطقة حتى تشتعل في أخرى، وبقيت جرائمها جاثمة على صدور الملايين. 

حالة الفقر حَدَّ المجاعة، وانتشار الأوبئة الفتاكة، وتسيد المليشيات، ونهب الممتلكات، ومصادرة الحريات والاعتقالات الكيفية والإخفاء القسري، وتفكك الكيان اليمني، وتغول الفساد والاستبداد في عموم اليمن، وسيطرة القُوَى الخارجية على القرار اليمني،

 وتغيب الإرادة الوطنية. والمستفيدون من تفكيك اليمن، ونهب ثرواتها هم الحريصون على بقاء الأوضاع كما هي، وإشعال الحروب هنا وهناك».

ويؤكد طاهر على أن «غرس ثقافة الكراهية، وإثارة النعرات القبلية والجهوية والسُّلالية والطوائفية أمرٌ مقيت؛ وذلكم ثمرة كريهة من ثمار الحرب. 

فالحرب أمُّ الجرائم، وكبيرة من الكبائر؛ وهي البيئة الشنيعة لنشر هذه الأمراض، ويساهم إفساد التعليم، وخطاب الإعلام المحارب، والوعظ الفاسد، والتربية المتخلفة بتسويد وباء خطاب الكراهية والعداوات والتَّصارع؛

 ولن تكون المعالجة إلا بإطفاء نيران الحرب، والعودة للحوار، وتحقيق تصالح وطني ومجتمعي يقوم على عدالة انتقالية شاملة وصادقة.

 والأهم إدراك أنَّ اليمن يستحيل أن ينفرد بحكمه فرد أو حزب أو قبيلة أو طائفة أو جهة أو أسرة. 

وأن بتشارك اليمنيين -كُلَّ اليمنيين- في تقرير مصير بلادهم؛ بَعيدًا عن التدخل الأجنبي، أو الصِّرَاع الإقليمي هو الحرف الأول في أبجدية التعافي وبناء اليمن الجديد والدولة اليمنية الديمقراطية».

ومن أجل عودة اليمن موحدًا مستقرًا يرى عبدالباري طاهر أن «اليمن بحاجة وقبل كل شيء إلى تَوَفُّر الإرادة الوطنية، وعدم الخنوع والاستسلام أو انتظار حَلّ يأتي من الخارج، وَلا بُدَّ من رفع صوت الاحتجاج، وممارسة الحَقّ في رفض الضَّيم والظُّلم.

 وما يجري الآن في تونس وليبيا مُؤشِّرٌ مهم. أمَّا الزَّمَن، فرهن الخطوة الأولى. فالألف مِيل تبدأ بخطوة».

 القدس العربي  
أحمد الأغبري