Logo

لماذا تأخر الإعلان عن الاتفاق النهائي لفتح مضيق هرمز؟

الرأي الثالث - وكالات

 تستمر المفاوضات بين واشنطن وطهران على شكل شدّ وجذب، ونفي وتأكيد، إلى درجة شبه فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يجري بلعبة الشطرنج. 

وقال ترامب إنه مستعد للسماح بتصعيد الضغط الاقتصادي على إيران، بدلاً من إصدار أوامر بشن هجوم عسكري جديد، مضيفا أن إدارته تتعامل مع طهران "بهدوء".

وتابع ترامب في تصريحات لموقع "أكسيوس": "نحن نتفاوض معهم بشكل جزئي فقط. نراقب إيران عن كثب في ظل التضخم الهائل الذي تعاني منه، وحقيقة أنها تعاني من ضائقة مالية ووضع اقتصادي متردٍ للغاية ولا تملك المال لدفع رواتب قواتها".

 ورأى أن "الحصار البحري الأميركي فاقم الأزمة الاقتصادية للنظام الإيراني"، على حد قوله.

في المقابل، أكّد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن بلاده لا تجري حالياً مفاوضات مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن تبادل الرسائل عبر الوسطاء لا يعد مفاوضات. 

وأوضح عراقجي، في تصريحات لوسائل إعلام إيرانية على هامش مشاركته في ندوة، أن الوسطاء يواصلون جهودهم لتهيئة الظروف لاستئناف المحادثات، مستدركاً بأن "إمكانية بدء المفاوضات مجدداً غير واردة ما لم تنتهِ خروق مذكرة التفاهم ويعوض عنها".

وأعلن وزير الخارجية الإيراني أنّ المفاوضات مع سلطنة عمان بشأن تحديد مسارات ملاحية جديدة في مضيق هرمز وصلت إلى مراحلها النهائية. وأوضح عراقجي أن الخطة الحالية تقتضي استبدال المسارات القديمة بأخرى جديدة، 
 
لماذا تأخر الإعلان عن الاتفاق النهائي لفتح مضيق هرمز؟

على مدى الأيام الخمسة الماضية، تكررت الإشارات الأمريكية والإيرانية والعمانية إلى قرب التوصل إلى تفاهم بشأن إعادة فتح مضيق هرمز وتنظيم حركة الملاحة فيه، حتى بدا أن الإعلان عن الاتفاق مسألة ساعات أو يومين على الأكثر.

غير أن هذه المهلة انقضت دون إعلان الاتفاق المرتقب، بل إن المواقف المعلنة خلال الساعات الأخيرة كشفت عن اتساع الفجوة بين الحديث عن اتفاق وشيك وبين التوصل فعليا إلى صيغة قابلة للتنفيذ.

ففي الرابع من أغسطس، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن اتفاقا لإعادة فتح المضيق قد يتم التوصل إليه خلال أيام على الأكثر.  

بينما تحدث وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن إحراز تقدم في المفاوضات، مؤكدا في الوقت ذاته عدم وجود اتفاق نهائي بعد، وأن واشنطن تأمل في إنجازه قريبا.

وفي اليوم نفسه، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقول إن مضيق هرمز سيفتح قريبا جدا، ملوحا في المقابل بتصعيد عسكري إذا لم يحدث ذلك. 

وبدا أن هذه التصريحات تستند إلى تقدم حقيقي في الاتصالات العمانية الإيرانية؛ إذ كشفت التقارير عن بلورة ترتيبات مؤقتة تسمح بمرور السفن عبر مسارين، أحدهما قريب من الساحل الإيراني للداخلين إلى الخليج، والآخر قريب من الجانب العماني للخارجين منه. 

كما أفادت تقارير بأن الاتفاق المقترح مؤقت، ولا يتضمن خلال مرحلته الأولى فرض رسوم عبور على السفن. 

لكن العقدة الأساسية ظهرت في تفاصيل من يملك سلطة تنظيم المرور. فقد أفادت مصادر بأن الصيغة المطروحة تمنح إيران دورا في تنسيق حركة السفن الداخلة إلى الخليج، 

وهو ما تعتبره واشنطن تنازلا كبيرا وغير مقبول إذا تحول إلى سيطرة إيرانية فعلية على أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

وأكدت رويترز أن الولايات المتحدة طالما رفضت أن تحصل إيران على سلطة التحكم في الوصول إلى المضيق. 

 لماذا تأخر الاتفاق؟

ما بدا في البداية اتفاقا على مبدأ إعادة فتح هرمز، اتضح أنه تفاوض معقد على آلية الفتح ومن يديرها ومن يملك حق التدخل في حركة السفن.

إيران تريد الحفاظ على نفوذ مباشر داخل المضيق، فيما تريد الولايات المتحدة ضمان حرية الملاحة وعدم تحويل الترتيبات المؤقتة إلى اعتراف ضمني بحق طهران في التحكم بالممر أو فرض رسوم على السفن.

ولا تقتصر الخلافات على حركة الملاحة. فطهران تربط إعادة فتح المضيق بجملة أوسع من المطالب، تشمل التزامات أمريكية مرتبطة بالاتفاق المؤقت السابق، ورفع العقوبات، وإنهاء الحصار البحري، وتعويضات عن أضرار الحرب والإفراج عن أصول مجمدة.

وفي أحدث موقف إيراني، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر إن المضيق لن يفتح ما لم تغير الولايات المتحدة سلوكها، بما في ذلك إنهاء الحرب والوجود العسكري في المنطقة ورفع العقوبات وتعويض إيران. 

وهذه التطورات تضع دور الحرس الثوري الإيراني في قلب معادلة التأخير، وإن كان من الصعب الجزم بأنه الطرف الوحيد الذي يعطل الاتفاق. 

فالأمر لا يتعلق بمفاوضات دبلوماسية تقليدية فقط، بل بترتيب يمس مباشرة نفوذ الحرس الثوري وقدرته على فرض شروطه الميدانية في المضيق.

ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة مع كون محمد باقر ذو القدر، الذي أعلن أحدث الشروط الإيرانية، قائدا في الحرس الثوري  

ومن ثم، فإن أي اتفاق يمنح الملاحة حرية كاملة من دون قدرة إيرانية على التحكم بالسفن أو فرض رسوم أو تحديد وجهاتها قد يُنظر إليه داخل الدوائر المتشددة في طهران باعتباره تراجعا عن المكاسب التي تحققت خلال الحرب.

وفي المقابل، فإن أي اتفاق يمنح إيران سلطة دائمة أو شبه دائمة على حركة الملاحة سيواجه على الأرجح رفضا أمريكيا، وهو ما يفسر بقاء المفاوضات في دائرة التفاصيل رغم الإعلان المتكرر عن قرب نهايتها.

أما مسقط، التي تؤدي دور الوسيط، فتبدو حريصة على عدم الانحياز إلى أي من الطرفين. فقد قالت في أحدث موقف لها إن المناقشات مستمرة في أجواء إيجابية وبناءة، مع إدانة الهجمات التي تستهدف السفن في المضيق. 

واللافت أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نفسه فرّق بين التوصل إلى اتفاق بشأن الملاحة وتحديد مسار العبور وبين إعادة فتح المضيق بالكامل، مؤكدا أن الوصول إلى اتفاق بشأن المسار لا يعني تلقائيا إعادة فتحه، لأن ذلك مرتبط بشروط أخرى.

وهذه النقطة تحديدا تكشف أن ما وصفته التصريحات الأمريكية بأنه اتفاق وشيك قد يكون في الواقع اتفاقا جزئيا على آلية الملاحة، لا تسوية نهائية لكل ملف هرمز. 

ولا يعني التأخير بالضرورة انهيار المفاوضات، فالمعطيات الحالية تشير إلى أن مسقط وطهران ما زالتا تعملان على صيغة مؤقتة، وأن الولايات المتحدة لا تزال منخرطة في المسار، 

فيما تشير التقارير إلى أن الاتفاق، إذا اكتمل، يمكن أن يعيد تشغيل المسار التفاوضي الأوسع بين واشنطن وطهران.

لكن الخطر يكمن في أن يتحول التأخير من أداة تفاوضية إلى عامل يؤدي إلى انهيار التفاهم الهش، خصوصا مع استمرار الحوادث البحرية؛ فقد أعلنت الإمارات، السبت، تعرض سفينة تابعة لشركة أدنوك لهجوم بصاروخ أثناء عبورها المضيق. 

من هنا بات السؤال الأكثر إلحاحا هو ليس متى سيعلن اتفاق هرمز؟ بل السؤال: أي اتفاق سيعلن؟

فإذا كان المطلوب مجرد فتح مؤقت للملاحة وفق مسارات محددة، فإن فرص إنجازه لا تزال قائمة.

أما إذا حاولت طهران تضمين الاتفاق اعترافا بحقها في إدارة حركة السفن أو فرض رسوم أو امتلاك قدرة على منع سفن بعينها، فإن الخلاف مع واشنطن سيبقى جوهريا.

وعليه، فإن تأخر الإعلان، رغم كل التصريحات التي حددت مواعيد قريبة، لا يبدو حتى الآن دليلا قاطعا على نهاية المفاوضات، بقدر ما يعكس صعوبة الانتقال من التفاهم السياسي العام إلى التفاصيل التنفيذية.

لكن استمرار تقديم مواعيد متقاربة ثم عدم الوفاء بها يرفع منسوب الشك، ويجعل الساعات والأيام المقبلة اختبارا حقيقيا لقدرة الوسطاء على سد الفجوة بين المطالب الإيرانية والرفض الأمريكي، قبل أن تتحول مهلة الاتفاق إلى جولة جديدة من التصعيد حول واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.