جهود الوسطاء بين واشنطن وطهران تصطدم بعقدتي هرمز والضمانات
الرأي الثالث - وكالات
تواصل باكستان تحرّكاتها الدبلوماسية الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى اتفاق بعيدة عن الحسم، رغم تكثف الاتصالات والوساطات خلال الأيام الأخيرة.
وتصطدم مساعي الوسطاء، وعلى رأسهم باكستان، بعقدتين أساسيتين، تتعلّق الأولى بمصير مضيق هرمز، والثانية بالضمانات التي تسعى طهران للحصول عليها من واشنطن، وسط إصرارها على التزامات واضحة بشأن العقوبات وقضايا أخرى.
وتؤكد مصادر مطلعة على المسار الدبلوماسي أن الاتصالات الجارية لا تعكس حتى الآن مؤشرات قوية على قرب التوصل إلى اتفاق، وأن الفجوة بين مواقف واشنطن وطهران لا تزال قائمة.
وتشير المصادر إلى أنه رغم استمرار جهود الوساطة والتحركات الدبلوماسية، "إلا أنه لا انفراجة بعد باتجاه اتفاق"، موضحة أن هذه التحركات "تهدف بالدرجة الأولى إلى عودة الطرفين إلى مذكرة التفاهم، مع إدخال تعديلات يسعى إليها المفاوض الإيراني"،
لافتة إلى أن "طهران مصرّة على شروطها، في حين لا تبدي واشنطن تجاوباً كافياً معها".
تباينات بين واشنطن وطهران
وفي الشأن، يقول مصدر في الخارجية الباكستانية إن إسلام أباد تركز حالياً من خلال جهودها، على إعادة الطرفين إلى مذكرة التفاهم التي رعتها باكستان، باعتبارها الإطار الذي يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لاستئناف الحوار،
موضحاً أن المعضلة الأساسية هي أن طهران تريد إدخال تعديلات إلى تلك المذكرة، لكن واشنطن غير مستعدة لتقديم الاستجابة التي تريدها إيران، الأمر الذي يجعل الطريق معقداً نحو الوصول إلى أي توافق.
مضيق هرمز عقدة أساسية
ويوضح المصدر أن إسلام أباد تسعى في هذه المرحلة إلى استعادة الزخم الذي رافق وساطتها السابقة، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين وموقعها الجغرافي والسياسي في المنطقة،
وقد تكثفت الاتصالات الباكستانية مع المسؤولين الإيرانيين بالتزامن مع استمرار التواصل غير المباشر بين طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني، لافتاً إلى أن موقف إيران بشأن مضيق هرمز هو العقبة الأساسية.
محاولات لمنع التصعيد
من جانبه، يقول المحلل الأمني الباكستاني سيد شفاعت علي خان إن باكستان تسعى بالشراكة مع دول المنطقة الأخرى مثل دولة قطر، إلى منع انتقال الأزمة إلى مرحلة جديدة من التصعيد،
وترى أن مذكرة التفاهم بين الطرفين هي المنطلق الأساسي لوقف التصعيد، وللمضي قدماً في الحوار، كما أن إسلام أباد لا تريد أن تفقد موقعها الذي اكتسبته خلال الجهود السابقة، من هنا هي تسعى لإقناع الطرفين بأن العودة إلى الحوار تظل الخيار الأقل كلفة مقارنة بالمواجهة.
ويذكر المحلل، من خلال مصادره في الحكومة الباكستانية، أن العقبة الأساسية تكمن في شروط العودة إلى التفاهم؛ فطهران لا تريد العودة إلى الصيغة السابقة من دون تعديلات وضمانات جديدة،
وتطالب بأن تكون أي التزامات أميركية قابلة للتحقق، خصوصاً بعد فقدان الثقة الذي نتج عن التطورات السابقة.
ويلفت إلى أن طهران مستعدة لأن تكون مذكرة التفاهم أساساً يمكن البناء عليه، لكنها تريد إعادة النظر في بعض ترتيباتها،
ويبدو أن هدفها هو ضمان عدم تكرار الظروف التي أدت إلى انهيار التفاهم السابق، والحصول على التزامات أكثر وضوحاً بشأن العقوبات والقضايا الاقتصادية والأمنية.
ويشير شفاعت علي خان إلى أن مضيق هرمز بات أحد الملفات الأكثر حساسية في أي تسوية محتملة، فاستقرار حركة الملاحة عبر المضيق يمثل مصلحة دولية وإقليمية
بينما ترتبط القضية بالنسبة إلى إيران بجملة من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية الأوسع، ولذلك يصعب التعامل مع مسألة الملاحة بصورة منفصلة عن بقية عناصر النزاع.
كما يبقى، على حد قول خان، الملف النووي والعقوبات من القضايا التي تحتاج إلى تفاهمات دقيقة، فإيران تريد تخفيف الضغوط الاقتصادية والحصول على ضمانات بشأن التزامات الطرف الآخر
بينما تسعى الولايات المتحدة إلى ضمانات مرتبطة بالبرنامج النووي والقضايا الأمنية والإقليمية.
تبدو تصريحات المسؤولين الباكستانيين أقرب إلى قراءة للمؤشرات الدبلوماسية الحالية منها إلى إعلان عن انفراجة مؤكدة
طهران: لا مناقشات بشأن تمديد وقف إطلاق النار
وفي السياق، نقلت وكالة رويترز عن مصدر إيراني كبير تأكيده أنه لم تجرَ مناقشات بين إيران والولايات المتحدة لتمديد وقف إطلاق النار، لأنه من وجهة نظر طهران، لم يكن للاتفاق تاريخ بدء وبالتالي لا يوجد ما يمكن تمديده.
ويقول المصدر: "لا يوجد حديث عن تمديد، لأنه من وجهة نظر إيران، لم تكن هناك فترة بدأ فيها وقف إطلاق النار، وبالتالي لا يوجد ما يمكن تمديده.
انتهكت الولايات المتحدة الاتفاق المؤقت بعد 48 ساعة من التوصل إليه، وانسحبت منه بعد أيام قليلة"
موضحاً أن "من بين القضايا التي تناقش عبر الوسطاء، هي عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق المؤقت، وتحديد إطار زمني لتنفيذ الالتزامات. ولم يحرز تقدم يذكر في هذا الشأن".
وتزامن هذا مع تجديد باكستان، اليوم، التزامها بالحوار والدبلوماسية لتعزيز السلام والاستقرار في الخليج والمنطقة.
وذكرت وزارة الخارجية الباكستانية، في بيان، أنها "تبذل كل الجهود الممكنة لإعادة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات"
لافتة إلى استمرارها في التواصل المكثف مع الأطراف المعنية في ظل التوترات الإقليمية المتواصلة.
واعتبرت أن "مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في إسلام أباد مهدت الطريق أمام تحقيق السلام والاستقرار"
مشيرة إلى أنها "قد لا تكون نُفدت بالكامل، وثمة فرصة لعودة الأطراف إلى المفاوضات".
وأكدت الوزارة، وفق وكالة الأنباء القطرية (قنا)، مواصلتها "استخدام القنوات المباشرة وغير المباشرة للحدّ من تأثير الأطراف التي تسعى إلى عرقلة جهود السلام، وتيسير الحوار البناء بشأن القضايا العالقة".
وفي ظل هذه التعقيدات، تبدو تصريحات بعض المسؤولين الباكستانيين التي تشير إلى احتمال حدوث ترتيب بين واشنطن وطهران، مثل تصريحات وزير الدفاع خواجه أصف، أقرب إلى قراءة للمؤشرات الدبلوماسية الحالية منها إلى إعلان عن انفراجة مؤكدة أو تقدم في مسار المفاوضات غير المباشرة، فالتحرك موجود، والاتصالات مستمرة،
لكن ذلك لا يعني أن الطرفين أصبحا على مسافة قصيرة من الاتفاق أو أن هناك أي انفراجة.