Logo

موازين القوة بين الحكومة اليمنية والحوثيين واحتمالات المعركة الشاملة

الرأي الثالث 

على وقع جولات التصعيد العسكري المتسارعة في اليمن بين القوات اليمنية والحوثيين، خلال الأسبوع الماضي، على جبهات التماس من مأرب إلى تعز والساحل الغربي 

 تبددت تدريجياً أوهام التهدئة الطويلة التي انعكست بحالة "اللاحرب واللاسلم"، منذ هدنة إبريل/ نيسان 2022 الهشة، بإشراف الأمم المتحدة.

 لا يكفّ الطرفان عن قرع طبول الحرب، وسط تكثيف عمليات إعادة التموضع والتحشيد الشعبي والعسكري، إلى جانب اختبار خطوط الدفاع، في إشارة واضحة إلى أن الهدنة لم تكن سوى استراحة مقاتل التقط فيها هذان الطرفان أنفاسهما لترتيب أوراقهما.

​فوارق بين الحكومة اليمنية والحوثيين

تتجسد أعمق فوارق المواجهة بين الجانبين على الصعيدين النفسي والعقائدي اللذين يدفعان المقاتلين إلى الجبهة، حيث يخوض الطرفان صراعاً لا تنفصل فيه السياسة عن الأيديولوجيا. على جانب جماعة الحوثيين الموالية لإيران،

 تتكئ التعبئة القتالية على منظومة صلبة وممنهجة تعرف بـ"المسيرة القرآنية" (مشروعها الفكري)، مدعومة بتأطير أيديولوجي شامل يعيد صياغة الوعي الجمعي للمقاتلين. 

وترتكز هذه العقيدة على استدعاء مستمر لمظلومية تاريخية تعود إلى أكثر من 14 قرناً، وتصوير المعركة في قوالب مقدسة بوصفها دفاعاً عن "الهوية الإسلامية" وفق قناعات المذهب الزيدي، في مواجهة ما يُسمّى "المشاريع الاستعمارية والخارجية".

 يمنح ذلك الأفراد شحنة معنوية عالية وانضباطاً عقائدياً دؤوباً حتى في أشد الظروف الميدانية قسوة.
 
​في المقابل، يستمد الجيش اليمني شرعيته الوجودية والقتالية من استناده إلى الشرعية الدستورية، والدفاع عن النظام الجمهوري ومكتسباته، في مواجهة مشاريع الاستئثار والهيمنة. 

هذه المرجعية العامة تمنحه عمقاً شعبياً ووطنياً يرى في مؤسسات الدولة طوق النجاة الوحيد. ومع ذلك، لا يخلو هذا الجانب من تحديات بنيوية وهيكلية أفرزتها سنوات الحرب الطويلة، 

إذ تعاني جبهات (المناطق الخاضعة لسيطرتها) الحكومة اليمنية أحياناً من تداعيات تآكل الولاءات المركزية وتعدد مراكز القرار والتوجيه، وبروز خطاب ديني يضفي طابعاً مذهبياً على الصراع. يفرض ذلك اختباراً حقيقياً ومستمراً لقدرة القيادة في جسر هذه الهوة وتوحيد البوصلة المعنوية للأفراد على امتداد خطوط التماس.

​على صعيد الترسانة العسكرية والقدرات التسليحية، يتضح جلياً حجم التباين في طبيعة الأسلحة وأساليب القتال التي يعتمد عليها كل طرف لفرض معادلات الردع العسكري. في معسكر الحوثيين 
 
إذ تمتلك مخزوناً استراتيجياً من الطائرات المسيّرة الانقضاضية والاستطلاعية (مثل طائرات من طراز "قاصف" و"صماد")، إلى جانب منظومات متقدمة من الصواريخ الباليستية والمجنحة ذات المدى الواسع (مثل صواريخ "قدس" و"بركان"). 

وقد استندت هذه القدرات إلى خطوط تصنيع محلي موازية وهندسة عكسية متطورة، أُديرت بدعم وخبرات إقليمية، ما منح الحوثيين قدرة فائقة على ضرب العمق الاستراتيجي وخطوط الإمداد وتهديد المنشآت الحساسة.

​في المقابل شهدت قدرات الجيش اليمني والتشكيلات المساندة له نقلة نوعية متقدمة. فإلى جانب الاعتماد على العتاد التقليدي للجيش اليمني سابقاً من دبابات ومدافع ثقيلة وراجمات صواريخ، التي تواجه أحياناً تحديات في الصيانة والعمق اللوجستي المستدام،

 بات الجيش يمتلك منظومات حديثة من الطائرات الحربية، وطيراناً مسيّراً متنوعاً ومتطوراً يشمل الأنواع الاستطلاعية والهجومية والانتحارية. 

هذا التحول الاستراتيجي نجح في تقويض الاحتكار الحوثي (للأسلحة النوعية)، بالتكامل مع الإسناد الجوي والاستخباراتي للتحالف العربي، ليشكلا معاً ركيزة نيرانية تعيد رسم موازين القوة الميدانية متى ما توفرت شروط التنسيق العملياتي المشترك.
 
​تفرض الخريطة الجغرافية وطبيعة التضاريس المعقدة في اليمن قواعد صارمة تتحكم في مسرح العمليات العسكرية، حيث يمتلك كل طرف مزايا جغرافية وتحديات لوجستية ترسم حدود قدرته على الهجوم والدفاع.

 ففي الجانب الحوثي، تتركز قوة السيطرة في امتلاك كتلة بشرية كبيرة، والتحكم بالمرتفعات الجبلية العالية والحاكمة التي تشكل دفاعات طبيعية صلبة يصعب اختراقها. 

وقد عززت الجماعة هذه المزايا التضاريسية بشبكات معقدة من التحصينات والأنفاق الاستراتيجية المحفورة في الجبال، 

فضلاً عن عمق جغرافي متصل يمتد من معقلها الرئيسي في صعدة مروراً بمناطق وسط البلاد وصولاً إلى أطراف مأرب ومشارف الساحل الغربي. يمنح ذلك الجماعة مرونة عالية في المناورة الدفاعية وإعادة التموضع.

​على الجانب الآخر، يسيطر الجيش اليمني على المناطق الاستراتيجية الأغنى بالموارد الاقتصادية والنفطية والغازية، لا سيما في محافظات مأرب وحضرموت وشبوة، إضافة إلى امتداد واسع عبر خطوط الحدود والمساحات الصحراوية المفتوحة. 

ومع أن هذه الجغرافيا الواسعة تمنح الحكومة اليمنية عمقاً اقتصادياً ومعنوياً هائلاً، إلا أنها تضعها أمام تحدٍ ميداني لوجستي دائم يتمثل في صعوبة حماية خطوط الإمداد الطويلة (مساحة) والمكشوفة في بعض الجبهات الصحراوية بما فيها جوياً.

 يتطلب ذلك جهداً مضاعفاً لتأمين هذه المناطق ضد أي عمليات اختراق أو استهداف مباغت.
 
​تنعكس طبيعة البنية التنظيمية للطرفين بشكل مباشر على السرعة والكفاءة في اتخاذ القرار العسكري وإدارته على الأرض. بالنسبة للحوثيين، تتسم القيادة والسيطرة بمركزية صارمة وهرم تنظيمي أمني عسكري مدمج بشكل محكم، 

إذ يتدفق القرار السياسي والعسكري من مرجعية واحدة (زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي) تنفذ بدقة متناهية ودون أي تداخل أو ازدواجية. 
 
​في المقابل، يتسم المشهد التنظيمي للجيش اليمني والتشكيلات المساندة له بتعدد ملحوظ في الهياكل والتشكيلات العسكرية، مثل ألوية العمالقة، وقوات درع الوطن، فضلاً عن التشكيلات والمحاور العسكرية المحسوبة على قوى سياسية وجهوية مختلفة. 

هذا التنوع، وإن عكس طبيعة التحالف الواسع، يخلق أحياناً تعقيدات هيكلية وبيروقراطية في غرفة القيادة والسيطرة المشتركة، ويؤدي إلى تباطؤ في اتخاذ القرار الموحد.

إلى جانب العوامل الداخلية، يظل المشهد العسكري والسياسي في اليمن محكوماً بفاعلين خارجيين يمسكون بالخيوط الدقيقة لمسار التهدئة أو التصعيد.

 فالتفاهمات المستمرة بين الرياض ومسقط تشكل المظلة الرئيسية للتهدئة وتعمل بمثابة صمام دائم لمنع انزلاق الجبهات نحو مواجهة شاملة. 

في المقابل، تتقاطع الحسابات الإقليمية والدولية، بدءاً من دور إيران وتأثيرها العسكري واللوجستي، وصولاً إلى الانخراط الأميركي والأوروبي المرتبط بأمن الملاحة في البحر الأحمر وحماية خطوط التجارة العالمية. 

وتفرض هذه الحسابات سقفاً صارماً يمنع أي طرف من حسم المعركة عسكرياً بشكل منفرد.

في ضوء هذه المعادلة المعقدة، يبدو ميزان القوة العسكرية في اليمن محكوماً بتوازن سلبي دقيق. من جهة يراهن الحوثيون على تفوقهم التكنولوجي غير المتماثل، وعقيدتهم القتالية الصلبة، ومركزيتهم الأمنية الصارمة،

 فيما تتكئ القوات الحكومية والتحالف العربي على العمق الجغرافي والاقتصادي الهائل، وشرعيتهم الدولية، والتفوق العددي البشري. 

غير أن تحليل المشهد يؤكد أن أياً من الطرفين لا يمتلك بمفرده المفاتيح الحاسمة عسكرياً.

 وعليه، تظل أي مغامرة نحو مواجهة عسكرية شاملة خياراً باهظ الثمن ومدمراً. يصعب الحسم بالسلاح وحده، ما لم يفرز الميدان أو الضغط الإقليمي والدولي مساراً جاداً نحو تسوية سياسية كبرى تعيد صياغة المعادلة اليمنية من أساسها.

ضرورة الحسم العسكري

في هذا الصدد رأى المحلل العسكري العقيد عبد العليم أبو طالب، أن الخطوة الأولى والأساسية نحو أي حسم عسكري مرتقب تبدأ بضرورة "توحيد كافة التشكيلات العسكرية التابعة للشرعية (الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً) والموالية لها تحت غرفة قيادة وسيطرة واحدة"، 

موضحاً أن "هذا التكاتف المؤسسي هو السبيل الحتمي لتجاوز أي تعقيدات هيكلية أو تباطؤ في اتخاذ القرار الميداني". 

​أما على الصعيد الميداني، فيشهد الشارع اليمني، وفق أبو طالب، "توجهاً شعبياً غير مسبوق وحالة التفاف حقيقية تدعم أي عمل عسكري حاسم لإنهاء انقلاب جماعة الحوثيين"، معتبراً أنها "ورقة مصيرية إن لم تُستغل اليوم، فإن عمر الجماعة سيمتد لسنوات إضافية".
 
وأشار المحلل العسكري إلى أن "قراءة الوضع التكتيكي تكشف عن معاناة المليشيات الحوثية من عجز حاد ونقص واضح في الأفراد لتغطية كافة جبهات التماس الممتدة" 

ما يفرض في رأيه، على قوات الحكومة اليمنية "تبني استراتيجية فتح جميع الجبهات بشكل متزامن لإنهاك الخصم وتشتيت قدراته، وتحديداً تعطيل ترسانته الصاروخية الباليستية، إذ يظل العمل البري هو الفيصل والوحيد الكفيل بحسم المعركة". 
 
وشدد أبو طالب على أن "امتلاك الشرعية والتحالف لمنظومات حديثة من الطيران الحربي والمسيّر النوعي، يمثِّل ركيزة نيرانية قادرة على تحييد الكثير من عوامل التفوق الحوثي التي استغلها طوال السنوات الماضية، شريطة توظيف هذا الغطاء بالشكل الأمثل". 

ويتكامل هذا كله، في رأيه، مع "الدور الحيوي والمحوري للحاضنة الشعبية المساندة للشرعية، والتي سيكون لها الباع الأطول في رسم ملامح المعركة وتأمين عمقها الميداني".

بدوره، رأى المحلل السياسي اليمني سعيد عقلان، أن "الحكومة اليمنية تمتلك أوراق قوة استراتيجية هائلة لم تستثمرها بالشكل المطلوب حتى اللحظة، وفي صدارتها الاعتراف الدولي الواسع والشرعية الدستورية". 

وأضاف أن الحكومة اليمنية كذلك لم تستثمر "تصاعد الإدراك الأممي والدولي بخطورة جماعة الحوثي بوصفها مهدداً رئيسياً لأمن الملاحة العالمية وطرق التجارة الدولية". 

وفي رأيه فإن عودة شبح المواجهات العسكرية "تفرض على الشرعية الانتقال من الموقف الدفاعي إلى الهجوم الدبلوماسي والاستراتيجي، عبر استثمار هذا التوافق الدولي لانتزاع دعم سياسي وعسكري مباشر". 

وأضاف أن "المعطيات الراهنة واستمرار التهديدات الحوثية الموجهة ضد أمن السعودية، تتيح فرصة سانحة للشرعية لتفعيل تنسيق أعمق وشراكة فاعلة مع تحالف إقليمي عريض يضم الرياض وأنقرة وإسلام أباد". 

وأشار في هذا السياق إلى أن هذا التنسيق ضروري خصوصاً بعد توقيع "اتفاقية مكة الأخيرة، بما يضمن بناء جبهة ردع متكاملة تعيد التوازن الميداني وتكبح جماح المشروع الحوثي". 

فخر العزب
صحافي يمني