Logo

شي في القاهرة... اختبار التوازن بين بكين وواشنطن وقضايا إقليمية حاضرة

الرأي الثالث - وكالات
 
يعقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم الأربعاء، مباحثات موسعة في قصر الاتحادية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي وصل إلى القاهرة، أمس الثلاثاء، في زيارة رسمية هي الأولى له منذ عشر سنوات، بالتزامن مع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة بكين. 

وتأتي مباحثات شي جين بينغ في القاهرة وسط تركيز معلن على دفع الشراكة المصرية- الصينية، إذ تتضمن الزيارة وفق الرئاسة المصرية "متابعة تنفيذ اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة المبرم بين البلدين بالعام 2014،

 فضلاً عن التشاور حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك".

وتفرض التطورات الإقليمية والدولية نفسها على أجندة شي جين بينغ في القاهرة ولقائه السيسي، خصوصاً ملفات غزة والشرق الأوسط والبحر الأحمر ونهر النيل، إلى جانب مستقبل النظام الدولي والعلاقات بين قوى الجنوب العالمي. 

أما توقيت الزيارة فهو حساس بالنسبة إلى القاهرة، التي تتحرك في بيئة إقليمية مضطربة تمتد من الحرب الإسرائيلية على غزة وتداعياتها إلى السودان والبحر الأحمر، فضلاً عن استمرار الخلاف مع إثيوبيا بشأن سد النهضة. 

وفي الوقت نفسه، تسعى مصر إلى توسيع هامش حركتها الدولية من خلال تعزيز علاقاتها مع الصين وغيرها من القوى، من دون التخلي عن شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

القضية الفلسطينية

تبدو القضية الفلسطينية الملف الإقليمي الأبرز الذي يجمع الموقفين المصري والصيني، ما سينعكس في مباحثات شي جين بينغ في القاهرة. 

يأتي ذلك في وقت تمتلك فيه مصر دوراً مباشراً في الوساطة والترتيبات المتعلقة بقطاع غزة، بينما تمتلك الصين موقعاً مختلفاً بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن. 

وكتب شي في مقال مترجم إلى العربية نشرته صحيفة الأهرام المصرية، أمس، بمناسبة الزيارة أنّ "كلا الجانبين يدعم بثبات القضية العادلة للشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه المشروعة، ويسعى إلى إيجاد حلول سياسية للقضايا الساخنة وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة".
 
وقالت مصادر مصرية إن السيسي وشي سيبحثان تطورات غزة ومستقبل الترتيبات السياسية والأمنية في القطاع وإعادة الإعمار، إلى جانب تداعيات الصراعات الإقليمية على أمن الملاحة والتطورات المرتبطة بإيران والخليج، فضلاً عن الحرب في السودان، باعتبارها أزمة تتقاطع مع أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

 وبحسب المصادر، فإن استقرار الملاحة يمثل مصلحة مباشرة للبلدين، إذ إن مصر معنية بحماية قناة السويس ومصالحها في البحر الأحمر، فيما الصين تعتمد على المنطقة باعتبارها طريقاً رئيسياً لتجارتها مع أوروبا.

سد النهضة... اختبار للموقف الصيني

وفي ملف النيل وسد النهضة الإثيوبي؛ القضية الأكثر مباشرة بالنسبة إلى الأمن القومي المصري، فقد حرص السيسي، في مقال نشر بصحيفة الأهرام أمس، على الإشارة إلى الموقف الصيني الداعي إلى تجنب الإجراءات الأحادية. 

وكتب أن "مصر تُقدّر بشدة موقف الصين، الذي أكد اعترافها بالأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر باعتباره شريان الحياة الرئيسي لها، وتجدد أهمية الامتناع عن اتخاذ تدابير أحادية الجانب وتعزيز التعاون بحسن نية لتحقيق المنفعة المتبادلة والتعاون المربح للجميع".
 
وتكتسب هذه الرسالة قبيل مباحثات شي جين بينغ في القاهرة أهميتها من العلاقات الوثيقة بين الصين وإثيوبيا، ما يجعل بكين طرفاً دولياً مهماً بالنسبة إلى القاهرة في سعيها لتثبيت مبدأ عدم الإضرار بالمصالح المائية لدول المصب. 

ولا تبدو القاهرة معنية بالحصول على انحياز صيني صريح ضد إثيوبيا بقدر ما تسعى إلى تعزيز الموقف الصيني الداعي إلى التفاوض والتوافق وعدم فرض الأمر الواقع، وهو موقف يمكن أن يشكّل رصيداً دبلوماسياً لمصر في أي تحرك مستقبلي بشأن مياه النيل. 

وإذا كان السودان لا يبدو عنواناً رئيسياً للزيارة، فإن موقعه الجغرافي يجعله جزءاً من الحسابات المصرية والصينية المتعلقة بالبحر الأحمر وأفريقيا. فمصر معنية بالحفاظ على وحدة السودان واستقراره، ومنع امتداد تداعيات الحرب إلى حدودها ومصالحها، 

بينما ترتبط الصين بمصالح اقتصادية وسياسية مع السودان والقارة الأفريقية.

هل توازن القاهرة بين بكين وواشنطن؟

وفق خبراء فإن القاهرة حافظت خلال السنوات الماضية على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، بالتوازي مع توسيع علاقاتها مع بكين وموسكو وأوروبا وقوى أخرى. 

لكن زيارة شي إلى مصر تمنح الأخيرة فرصة لتعزيز ما يسميه السيسي "الاتزان الاستراتيجي"، عبر امتلاك علاقات أكثر عمقاً مع قوة دولية كبرى، والاستفادة من عضوية الصين الدائمة في مجلس الأمن وثقلها الاقتصادي والسياسي. 

وكتب في مقاله أمس، إن مصر تمسكت "بسياسة الاتزان الاستراتيجي وجهةً للسياسة الخارجية المصرية في وقت تتعالى فيه موجات الاستقطاب والتنافس، 

مؤكدةً على سياستها الخارجية المستقلة، وداعيةً إلى تنسيق جهود المجتمع الدولي للتغلب على التحديات العالمية التي باتت تهدد العالم بأسره".

أهمية مباحثات شي جين بينغ في القاهرة

في المقال ذاته أكد السيسي أن مصر والصين أصبحتا "شريكان يسهمان معاً في تعزيز دور الجنوب العالمي في النظام العالمي وبما يحقق مزيداً من العدل والإنصاف للدول النامية". 

وفي هذا الصدد من المرجح أن يكون مستقبل النظام الدولي أحد الملفات التي ستحضر في مباحثات شي جين بينغ في القاهرة. 

وتكتسب هذه المسألة أهمية بالنسبة إلى القاهرة مع عضويتها في مجموعة "بريكس" (تأسست عام 20006 بين البرازيل وروسيا والهند والصين، ثم انضمت مصر والإمارات وإيران وإثيوبيا وإندونيسيا خلال 2024 و2025)، وانخراطها في أطر متعددة الأطراف،

 فيما ترى بكين في القاهرة شريكاً يمكن أن يسهم في توسيع التعاون الصيني مع العالم العربي وأفريقيا.
 
في هذا الصدد اعتبر السفير المصري الأسبق لدى بكين علي الحفني، أن أهمية الزيارة ومباحثات شي جين بينغ في القاهرة لا ترتبط فقط بقوة العلاقات الثنائية، وإنما أيضاً بالظروف التي تشهدها المنطقة والعالم، 

موضحاً أن هناك تقاطعاً واضحاً بين الرؤية المصرية وتلك الصينية بشأن أهمية الاستقرار في المنطقة. وأضاف أن تداعيات الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط لا تتوقف عند حدود الدول التي تشهدها، وإنما تمتد إلى الاقتصاد العالمي ومصالح القوى الدولية، ومن بينها الصين.
 
وفي رأيه فإن العلاقات المصرية الصينية يمكن أن تشكل قاعدة مهمة لدعم مسألة الاستقرار، 

مشيراً إلى أن الشراكة بين البلدين ينبغي ألا تقتصر على الجانب الاقتصادي، وإنما يمكن توسيعها لتشمل مجالات التكنولوجيا والصناعة والاستثمار والبنية التحتية وغيرها من القطاعات التي تخدم خطط التنمية. 

وشدد الحفني على أن الحفاظ على الاستقرار يمثل الشرط الذي يمكن من خلاله تحقيق هذه الطموحات.
 
من جانبه، رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي، أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تكتسب أهمية سياسية واقتصادية، خصوصاً في ظل تصاعد الاستقطاب الدولي وتزايد التوترات الإقليمية، وما يفرضه ذلك من حاجة إلى توسيع دوائر التعاون بعيداً عن الانخراط في محاور أو معسكرات محددة. 

وقال إن ما يميز العلاقات بين القاهرة وبكين هو امتلاكها رصيداً تاريخياً سمح لها بالاستمرار والتطور رغم تغير الظروف الدولية، معتبراً أن صعود الصين الحالي (النفوذ) يمثل، في جانب منه، عودة إلى موقع عالمي كانت قد شغلته تاريخياً.

 وأضاف أن موقع مصر الجغرافي وثقلها السياسي وصلاتها بالعالم العربي وأفريقيا يمنحانها قدرة خاصة على تطوير الشراكة مع الصين، بحيث لا تظل محصورة في الإطار الثنائي، وإنما تمتد إلى محيطها الإقليمي.

 وفي رأيه فإنّ التحدي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل سبعة عقود من الثقة والتفاهم بين البلدين إلى شراكات عملية أكثر تأثيراً، يمكن أن تقدم نموذجاً أكثر توازناً للتعاون بين دول العالم.