Logo

قمة واشنطن... ترامب وشي يتبادلان أسلحة الضغط الاقتصادي

الرأي الثالث - وكالات

يدخل الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ قمتهما المقررة اليوم الخميس في واشنطن، محملين بأوراق ضغط تمنح كلاً منهما القدرة على إرباك اقتصاد الطرف الآخر،

 لكنها لا تكفي لتحقيق انتصار كامل، في ظل اعتماد الولايات المتحدة على المعادن والمكونات الصناعية الصينية، وحاجة بكين إلى الرقائق المتقدمة والسوق الأميركية ورؤوس الأموال الغربية. 

وتراجعت التوقعات بخروج القمة بصفقات تجارية واستثمارية كبيرة، بعدما أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال"، أول امس الثلاثاء، بأن شي لا يرجح أن يصطحب وفداً من كبار رجال الأعمال الصينيين.
 
ونقلت الصحيفة عن أشخاص مطلعين أن مسؤولين في قطاع الأعمال كانوا يتوقعون مشاركة رؤساء شركات صينية كبرى في مأدبة الدولة التي يستضيفها ترامب مساء اليوم، إلى جانب مسؤولين تنفيذيين في شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الأميركية،

 لكن التحضيرات لم تشر إلى مشاركة الوفد الصيني، مع بقاء احتمال تغير الترتيبات. ويخفض الغياب المتوقع سقف النتائج الاقتصادية للقمة، إذ تمثل مشاركة رؤساء الشركات عادة مساراً موازياً لإعلان الاستثمارات وتوقيع العقود. 

كما يكشف محدودية قدرة الشركات الصينية على الالتزام بمشروعات جديدة داخل الولايات المتحدة، في ظل القيود التنظيمية والمخاوف المرتبطة بالأمن القومي.

أسلحة الضغط

وتختلف قمة واشنطن عن لقاء بكين في مايو/أيار الماضي، الذي شهد مشاركة رؤساء شركات أميركية كبرى، بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة "تسلا"، وجنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة "إنفيديا". 

كما تختلف عن قمة بوسان الكورية الجنوبية في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025، التي وافقت خلالها واشنطن على خفض الرسوم على السلع الصينية من 57% إلى 47%، 

مقابل تعهد بكين بمكافحة تدفق المواد المستخدمة في تصنيع الفنتانيل واستئناف مشتريات فول الصويا والحفاظ على صادرات المعادن النادرة، وفق "رويترز". 

ووافقت الصين على شراء 12 مليون طن من فول الصويا الأميركي حتى يناير/كانون الثاني 2026، ثم 25 مليون طن سنويا خلال السنوات الثلاث التالية. 

كما علقت ضوابط جديدة على صادرات المعادن النادرة لمدة عام، فيما جمدت واشنطن قيوداً كانت ستمنع شركات صينية من الحصول على التكنولوجيا الأميركية إذا كانت مملوكة جزئيا لكيانات مدرجة على قوائم العقوبات، بحسب الوكالة.
 
وتواجه الهدنة حالياً خلافاً بشأن مدة تمديدها ومدى تنفيذ التعهدات. وأفادت "فايننشال تايمز"، أول أمس الثلاثاء، بأن بكين تريد استمرارها حتى نهاية ولاية ترامب،

 بينما تلوح واشنطن بتمديدها ستة أشهر فقط، متهمة الصين بعدم تنفيذ التزاماتها المتعلقة بتدفق المعادن النادرة بصورة كاملة.

 وتستند واشنطن في المفاوضات إلى قدرتها على تقييد وصول الشركات الصينية إلى الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات، وفرض الرسوم والقيود على الاستثمارات والتكنولوجيا.

وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير لشبكة "فوكس نيوز"، يوم الاثنين الماضي، إن البلدين بدآ اختيار مجموعة محدودة من السلع التي يتفقان على استمرار التجارة فيها، ضمن مجلس التجارة الذي أعلنه البيت الأبيض في 17 مايو/أيار الماضي. 

في المقابل، تستند بكين إلى هيمنتها على معالجة المعادن النادرة وإنتاج المغناطيسات المستخدمة في السيارات والإلكترونيات والطائرات والأسلحة. 

ووفق بيانات الجمارك الصينية، انخفضت صادرات هذه المغناطيسات إلى الولايات المتحدة في أغسطس/آب الماضي إلى 512 طنا، بتراجع 20% عن يوليو/تموز و13% على أساس سنوي.
 
نقاط ضعف

ولا تخلو أوراق القوة الأميركية من نقاط ضعف، إذ يهدد تشديد القيود الصينية المصانع وشركات التكنولوجيا والدفاع داخل الولايات المتحدة. 

كما أن رفع الرسوم قد يزيد تكاليف السلع ومدخلات الإنتاج ويضيف ضغوطاً جديدة على الأسعار. ويحد تشابك الاستثمارات من قدرة واشنطن على فصل الاقتصادين من دون خسائر. 

وأظهرت بيانات أميركية ، وفق رويترز، أن قيمة الأسهم الأميركية التي يحتفظ بها مستثمرون من هونغ كونغ والبر الرئيسي للصين قفزت 23% خلال عام، لتتجاوز 750 مليار دولار.

وتستحوذ الأسهم الأميركية، خصوصاً أسهم شركات التكنولوجيا والرقائق، على نحو نصف الأصول البالغة تريليون يوان، ما يعادل 150 مليار دولار، التي تديرها صناديق الاستثمار الصينية العاملة في الخارج، بحسب الوكالة.

وفي المقابل، تعاني الصين من نقاط ضعف تدفعها إلى تجنب عودة الحرب التجارية. 

وذكرت "فايننشال تايمز" أن الاقتصاد الصيني يعاني من أزمة عقارية مستمرة منذ خمس سنوات، فيما تحتاج بكين إلى استقرار الصادرات للحفاظ على إنتاج المصانع والوظائف في ظل ضعف الطلب المحلي. 

ولا تزال الشركات الصينية تعتمد على تقنيات أميركية وغربية في بعض الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها. وقد تؤدي قيود إضافية إلى إبطاء تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي ورفع تكلفة بناء البدائل المحلية.

وتحتاج شركات التكنولوجيا الصينية كذلك إلى خبرات ورؤوس أموال البنوك الغربية. 

وأظهرت بيانات مجموعة بورصة لندن التي نقلتها وكالة رويترز في 22 سبتمبر/أيلول أن بنوك وول ستريت أدارت 19 صفقة بأسواق رأس المال لشركات التكنولوجيا المتقدمة الصينية منذ بداية العام، بقيمة 17.2 مليار دولار، تمثل نحو 30% من إجمالي إصدارات القطاع. 

وشاركت بنوك "غولدمان ساكس" و"مورغان ستانلي" و"سيتي غروب" في تنسيق إدراج شركة "تشونغجي إنولايت" الصينية للمكونات البصرية في هونغ كونغ، والذي جمع 6.8 مليارات دولار. 

كما تولى "جي بي مورغان" تغطية بيع أسهم بنحو 2.6 مليار دولار لشركة "فيكتوري جاينت تكنولوجي"، المصنعة للوحات الدوائر المطبوعة المستخدمة في خوادم الذكاء الاصطناعي.

وارتفعت القيمة الإجمالية لجولات تمويل شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية التي شارك فيها مستثمرون من الصين أو هونغ كونغ من 436 مليون دولار في 2023 إلى نحو 8.9 مليارات دولار حتى منتصف سبتمبرالجاري، وفق بيانات "إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس". 

وقال مؤسس ورئيس شركة الاستثمار المباشر "بريمافيرا كابيتال غروب"،  فريد هو، لـ"رويترز"، إن الشركات والمستثمرين في البلدين يواصلون التواصل والاستثمار المتبادل رغم التقلبات الجيوسياسية الحادة، 

معربا عن أمله في أن تضيف القمة مزيداً من اليقين إلى العلاقات المالية والاقتصادية.
 
إدارة الهدنة

وكانت قمة بوسان مخصصة لوقف تصعيد مباشر، ولذلك خرجت بتخفيضات جمركية وتعهدات زراعية وتعليق قيود إضافية على المعادن النادرة والتكنولوجيا. 

أما قمة بكين، فنقلت العلاقة من تجميد المواجهة إلى إنشاء قنوات مؤسسية عبر مجلسي التجارة والاستثمار. 

وقال البيت الأبيض في بيانه الصادر في 17 مايو/أيار إن الزعيمين اتفقا على بناء علاقة تقوم على "الاستقرار الاستراتيجي البناء"، وإنهما ناقشا إيران وإعادة فتح مضيق هرمز، إلى جانب الملفات التجارية والاستثمارية.

وتأتي قمة واشنطن في مرحلة مختلفة، عنوانها إدارة الهدنة ومنع انهيارها، بدلا من التوصل إلى تسوية شاملة. 

فالولايات المتحدة لا تريد التخلي عن تفوقها في الرقائق، والصين لا تريد خسارة نفوذها في المعادن النادرة، فيما لا يستطيع الطرفان فك الروابط التجارية والمالية من دون تكاليف كبيرة. 

ويفسر ذلك تراجع الحديث عن اتفاق واسع، وصعود مقترحات محدودة تشمل تمديد الهدنة وخفض الرسوم على سلع غير حساسة وإحراز تقدم تدريجي في مجلس التجارة وإطلاق حوار رسمي بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي.

ونقلت "رويترز"، أول أمس الثلاثاء، عن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أنه ناقش مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنگ إنشاء آلية لإخطار الطرف الآخر بالحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي قد تهدد الأمن القومي. 

وتمثل الآلية، إذا أقرت، إضافة جديدة مقارنة بقمة بوسان التي هيمنت عليها الرسوم والمعادن، وقمة بكين التي ركزت على تثبيت العلاقة وإنشاء المجالس الثنائية. لكنها لا تعني تخفيف المنافسة، إذ يتمسك كل طرف ببناء منظومة مستقلة للرقائق والنماذج المتقدمة. 

ورغم انخفاض توقعات النتائج الاقتصادية، أعدت واشنطن استقبالاً رسمياً واسعاً لشي في أول زيارة له إلى العاصمة الأميركية منذ 11 عاماً. 

وأفادت "وول ستريت جورنال" بأن ترامب سيستقبل نظيره الصيني شخصياً في قاعدة أندروز المشتركة، في خطوة نادرة، بعدما أوفد شي مسؤولاَ أدنى منه درجة لاستقبال ترامب خلال زيارة بكين.

ويعد ترامب اليوم مراسم استقبال رسمية لشي وزوجته بنغ لي يوان، يشارك فيها 479 من أفراد القوات المسلحة، وفقاً لبيان صادر عن مكتب السيدة الأميركية الأولى. 

ويعقد الرئيسان اجتماعاً على مستوى القمة، تعقبه مأدبة دولة تضم مسؤولين ورؤساء شركات أميركية. ويبرز التباين بين اتساع المراسم وغياب الوفد التجاري الصيني طبيعة القمة. 

فبينما حمل اجتماع بوسان اتفاقاً لوقف حرب الرسوم، وقدم لقاء بكين مجالس مشتركة ووفداً أميركياً من رجال الأعمال، يتجه اجتماع واشنطن إلى تمديد التهدئة ومنع عودة التصعيد.