26 سبتمبر... اليمنيون يخوضون معركة الجمهورية في الشوارع والجبهات
الرأي الثالث
في الـ21 من سبتمبر/ أيلول، يحتفل الحوثيون بذكرى انقلابهم على الدولة اليمنية وسيطرتهم على صنعاء عام 2014، ويصفونه بـ"الثورة"، بينما يُجمع خصوم الانقلاب على اعتباره يوماً أسود في تاريخ اليمن الحديث.
ثم تحلّ المفارقة الأبرز في 26 سبتمبر بذكرى الثورة التي أطاحت الحكم الإمامي وأعلنت ميلاد النظام الجمهوري عام 1962، ليتحوّل سبتمبر بأكمله إلى ساحة صراع رمزية، واستفتاء شعبي مكشوف بين مشروعين متضادين.
على مدار الأعوام السابقة، دأبت جماعة الحوثيين على فرض قبضة أمنية مشدّدة وتضييق خانق في المناطق الخاضعة لسيطرتها، تمنع أي مظهر احتفالي فيها، وتعتقل من يتجرأ على رفع العلم أو إيقاد شعلة ثورة 2026 سبتمبر.
في المقابل، يصر كثير من اليمنيين على التمسك بإحياء هذه الذكرى باعتبارها من أقدس لحظات تاريخهم. ومع تزايد وتيرة القمع، تتوسع مظاهر الاحتفال بشكل غير مسبوق،
لتتداخل أضواء الألعاب النارية وترديد الهتافات التي تملأ سماء المدن اليمنية، بما فيها الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مع دوي أصوات المعارك العنيفة والمواجهات المحتدمة على مختلف جبهات القتال.
لم تتوقف آلة القمع الحوثية عند حدود التضييق في المناسبات الوطنية، بل تصاعدت في حالة من الهستيريا مع اقتراب كل مناسبة،
إذ كشف رئيس الشبكة اليمنية للحقوق والحريات محمد العمدة، يوم 27 سبتمبر 2025، أن جماعة الحوثيين أقدمت على اعتقال 1063 شخصاً خلال عامَي 2024 و2025، في عدة محافظات، من بينها صنعاء وحجة وعمران والضالع وذمار وإب وصعدة والمحويت والحديدة.
وأوضح في تصريح لوكالة سبأ الرسمية التي تديرها الحكومة المعترف بها دولياً، أن هذه الاعتقالات جرت على خلفية الاحتفال بذكرى ثورة 26 سبتمبر، من بينهم 613 شخصاً جرى اعتقالهم خلال سبتمبر 2025 وحده.
ووفقاً للشبكة، فقد رافقت ذلك 123 حالة اقتحام ومداهمة لمنازل المواطنين خلال سبتمبر 2025، على خلفية نيتهم الاحتفاء بأعياد الثورة ورفع العلم الوطني.
وذكر العمدة أن عمليات الاعتقال غالباً ما تتم من الطرق العامة والمنازل والأسواق وحتى المساجد، حيث يُقيَّد الضحايا وتُصادَر هواتفهم وأوراقهم قبل نقلهم إلى أماكن احتجاز مجهولة.
احتفال وسط جبهات قتال
الصخب الاحتفالي في المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين لا يمكن فصله عن دوي أصوات المعارك في الجبهات المشتعلة في تعز والساحل الغربي، إلى جانب لحج والضالع والبيضاء ومأرب والجوف، جنوبي البلاد ووسطها، حيث التصعيد العسكري المتصاعد منذ الشهر الماضي بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة.
مثلت ثورة 26 سبتمبر 1962 المحطة الأبرز في تاريخ اليمن الحديث، ومهّدت لها إرهاصات الحركات الإصلاحية، وحراك "الأحرار" في المهجر والداخل إلى جانب التنظيمات السرية العسكرية، وما تبع خيبة الأمل بعد فشل ثورة 1948 (ثورة الأحرار اليمنيين)، وحركة 1955 (محاولة انقلاب)، ضد الحكم الإمامي.
وفي ليلة 26 سبتمبر 1962 وما تلاها تحرك تنظيم الأحرار وضباط الجيش بقيادة رموز مثل علي عبد المغني والفريق عبد الله السلال، ليُسقطوا الإمامة بعد ساعات من وفاة الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين، معلنين قيام الجمهورية العربية اليمنية.
ولم تكن هذه الثورة بمعزل عن محيطها العربي، إذ تلقت دعماً سياسياً وعسكرياً هائلاً من "حركة الضباط الأحرار" أو ما يعرف بثورة 23 يوليو/ تموز 1952 بقيادة جمال عبد الناصر.
وحين أطلق "الأحرار" الأوائل في اليمن شرارة الثورة، صاغوا أهدافها الستة المتمثلة بـ: "التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات"، و"بناء جيش وطني قوي لحماية البلاد وحراسة الثورة ومكاسبها"، و"رفع مستوى الشعب اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً"
إلى جانب "إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل، مستمد أنظمته من روح الإسلام الحنيف"، و"العمل على تحقيق الوحدة الوطنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة"
بالإضافة إلى "احترام مواثيق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والتمسك بمبدأ الحياد الإيجابي، والعمل على إقرار السلام العالمي وتدعيم مبدأ التعايش السلمي بين الأمم".
واليوم، يعيد الواقع استدعاء هذه الأهداف بالإلحاح ذاته لمواجهة إعادة إنتاج الإمامة بصيغ حوثية تقوم على التمييز الطبقي والسلالي والمناصري.
ولا تقتصر دلالات هذا الاستدعاء على الجيل المخضرم، بل تبرز بوضوح في وعي الجيل الجديد الذي وُلِد وترعرع في ظل الجمهورية، ويدرك بوعي قيمتها حين يرى أثمان فقدانها.
وتدرك فئة من الشباب في اليمن، وهو ما يتبدى من خلال كتاباتهم على منصات التواصل وفي الشارع، أن الدفاع عن أهداف 26 سبتمبر معركة وجودية تضمن لهم العيش بلا "الاصطفاء الإلهي".
وفي المقابل، تعكس إجراءات الحوثيين الأمنية المكثفة وحملات الاعتقالات الواسعة ما يعتري قيادتهم أمام التمسك بأهداف ثورة 26 سبتمبر.
حضور أهداف ثورة 26 سبتمبر
في هذا الصدد، رأى عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني عيبان السامعي، أن "معركة اليوم ضد مشروع جماعة الحوثيين لا يمكن فصلها عن التراكم التاريخي لتعثر أهداف ثورة 26 سبتمبر 1962 وتجريف (تفريغ) مضامينها على مدار العقود الماضية".
وأوضح أن هذه الثورة "التي جسدت تطلعات الشعب اليمني للخلاص من ظلام القرون الوسطى وموروثاتها والانخراط في حركة العصر والحداثة، واجهت العواصف والمخاطر منذ يومها الأول بفعل انقسامات المعسكر الجمهوري بين يمين سعى لوراثة السلطة من الإمامة دون تغيير جوهري، ويسار تطلع لبناء دولة ديمقراطية حداثية ومواطنة متساوية".
وأضاف السامعي أن هذه الانقسامات تطورت إلى "صراع دموي" بدأ بانقلاب الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني 1967 الذي قادته كتلة اليمين الجمهوري ضد الرئيس الأول عبد الله السلال، بتتويج لمساعي القوى التقليدية من قيادات عشائرية ورموز دينية وعسكرية بدعم سعودي،
ما أدى، وفق قوله، إلى إفراغ الجمهورية من مضامينها و"تصفية عناصر اليسار والضباط الوطنيين مثل عبد الرقيب عبد الوهاب ومحمد مهيوب الوحش، وصولاً إلى صفقة المصالحة مع الملكيين عام 1970".
وفي رأي السامعي، فإن مسار الإجهاض "استمر عبر سيطرة تحالف طفيلي حاكم طوال الفترة من 1978 إلى 2011 ضم العسكر ومشايخ القبائل ورجال الدين وكبار التجار الذين احتكروا الثروة والسلطة ومارسوا القمع والفساد،
ليتوج هذا المسار بانقلاب الحوثيين والرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في 21 سبتمبر 2014". لكنه شدد على أنه رغم هذا التعثر التاريخي، فإن "التطلعات والمعاني المرتبطة بثورة 26 سبتمبر ما زالت حية وراسخة في وجدان الشعب اليمني"،
معتبراً أن "محاولات الحوثيين إحياء موروث الإمامة واحتكار السلطة بدعاوى الحق الإلهي والتمايز السلالي تشكل تحدياً وجودياً لكرامة الإنسان اليمني وحريته".
من جهته، قال الناشط السياسي اليمني محفوظ القاسمي، إن المشهد في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين هذا العام يظهر مؤشرات غير مسبوقة إلى تنسيق غير مباشر لكسر حاجز الخوف والاحتفال بثورة 26 سبتمبر التي "أطاح فيها الشعب اليمني الحكم الإمامي الكهنوتي وأسدل الستار عليه إلى الأبد".
وأوضح أن المتابعات الميدانية وعبر منصات التواصل الاجتماعي ترصد دعوات متصاعدة لعرض الأناشيد الوطنية عبر مكبرات الصوت من المنازل في توقيت متزامن، وإيقاد شعلة الثورة فوق أسطح المنازل، وفق قوله.
وأشار القاسمي إلى أن الرهان يقوم على "الكثرة الشعبية التي تعجز آلة القمع الحوثية عن ملاحقتها والتنكيل بها، على عكس الأعوام السابقة التي كانت تستفرد فيها بالأفراد أو المجموعات الصغيرة التي تحتفل علناً".
ولفت القاسمي إلى أن تفاعل المقيمين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين مع "الترند" على مواقع التواصل بشأن التفاعل مع ثورة 26 سبتمبر من خلال الصور والإطارات التعبيرية الخاصة، يعكس "لحظة التلاحم مع صمود الشعب في تعز ومأرب بوجه أشرس الهجمات الحوثية المدعومة من الحرس الثوري الإيراني".
فخر العزب
صحافي يمني