اليمن في أروقة الأمم المتحدة... حضور دون مستوى تحولات باب المندب
الرأي الثالث
بات اليمن اليوم واحداً من أكثر بؤر الصراع تعقيداً وإثارة للقلق وعدم اليقين، بفعل تضافر عوامل جغرافية وسياسية وعسكرية، في مقدمتها الموقع الاستراتيجي للبلاد، الذي تحول من ميزة جغرافية إلى مصدر قلق إقليمي ودولي مع سيطرة جماعة الحوثيين على أجزاء كبيرة من الساحل الغربي المطل على باب المندب،
وما تثيره هذه السيطرة من مخاوف بشأن أمن الملاحة الدولية، في ظل وجود جماعة مسلحة على الضفة الشرقية للمضيق، وامتداداتها العسكرية على الضفة الأفريقية أيضاً.
ولا تنفصل هذه المخاوف عن تعقيدات الحرب اليمنية، بتشابكاتها الداخلية والإقليمية وطبيعة أطرافها، ولا سيما المعسكر الحكومي، الذي أفضت عوامل ذاتية وبنيوية، إلى جانب تدخلات خارجية، إلى تراجع الثقة بقدرته على حسم المواجهة واستعادة زمام المبادرة.
بهذه الصورة غير المشجعة، توجه الوفد الحكومي اليمني إلى اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، برئاسة عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الله العليمي، في وقت تشير فيه تطورات الميدان إلى تراجع عسكري للمعسكر الحكومي، مقابل تقدم الحوثيين على الأرض.
لكن هذه المعادلة الميدانية لا تعني بالضرورة خسارة الحكومة اليمنية معركتها السياسية والدبلوماسية، إذ تسعى الشرعية إلى توظيف التطورات الأخيرة لتعزيز حجتها بشأن المخاطر التي يمثلها الحوثيون على اليمن والمنطقة والملاحة الدولية، انطلاقاً من أن هذه المخاطر والفرضيات تحولت إلى واقع مع وصول الحوثيين إلى المضيق
وهو ما يعني أيضاً وصول إيران إليه، وبالتالي تغيير معادلة القوة في الصراع المحلي والإقليمي وحتى الدولي.
وفي المقابل، يظل السؤال الأهم الذي يواجه السلطة الشرعية مرتبطاً بقدرتها على ترجمة هذا الزخم السياسي والدبلوماسي إلى خطوات عملية تعيد تشكيل معادلة الصراع، وتثبت امتلاكها الإرادة والكفاءة والجاهزية اللازمة لاستعادة زمام المبادرة على الأرض.
ما الذي جرى في أروقة الأمم المتحدة؟
يمكن تناول حضور اليمن في الفعالية الأممية من عدة زوايا، في مقدمتها الخطاب الذي ألقاه عبد الله العليمي، الخميس الماضي، والذي حرص فيه على إعادة تعريف الصراع اليمني، من كونه حرباً داخلية إلى تهديد يتجاوز حدود اليمن
مع التأكيد أن اليمنيين لا يطلبون من العالم خوض معركتهم نيابة عنهم، لكن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤوليته ووقف تدفق السلاح والتكنولوجيا إلى المليشيات، وفق ما ورد في الخطاب.
وفي مقابل التحذير من تداعيات استمرار التصعيد، حاول العليمي تقديم الحكومة بوصفها طرفاً قادراً على استعادة المبادرة، مؤكداً أن الحكومة اليمنية قادرة على إنهاء خطر هذه الجماعة التي وصفها بالإرهابية وحماية موانئها ومياهها الإقليمية
إذا تلقت الدعم المناسب. وبذلك جمع الخطاب بين تحميل المجتمع الدولي مسؤولية ما آلت إليه الأزمة، والتشديد في الوقت نفسه على قدرة الحكومة على إدارة المواجهة، وهي معادلة تضع الشرعية أمام اختبار القدرة على ترجمة خطابها السياسي إلى فعل ميداني.
وعلى مستوى الحراك واللقاءات الجانبية، أجرى الوفد عدداً من اللقاءات مع مسؤولين دوليين، غير أن معظمها ظل في المستوى الدبلوماسي والوزاري.
وقال عضو الوفد اليمني المشارك في الاجتماع، محمد العمراني، إن الوفد حرص، من خلال اللقاءات التي عقدها، على إيصال العديد من الرسائل، كان أهمها التأكيد أن المعركة لم تنتهِ بتقدم الحوثيين في الساحل الغربي، وأن الحكومة لم تُهزم، وما زالت قادرة على الصمود واستعادة المبادرة.
وأضاف العمراني أن الوفد حرص، وفق قوله، على فتح نقاشات بشأن إمكانية الحصول على دعم حقيقي ونوعي "يساعد في هزيمة المليشيا ويعزز حضور الدولة، باعتبارها الضامن لأمن البحر الأحمر وباب المندب وحرية الملاحة، وهو ما لن يتحقق إلا بوجود دولة يمنية قوية".
وقال العمراني إن الوفد حرص خلال جميع اللقاءات على ترسيخ قناعة مفادها أن الضربات الجوية وحدها لن تحسم الصراع مع الحوثيين، وإن ما ينبغي على المجتمع الدولي القيام به هو دعم الشركاء الشرعيين على الأرض لتأمين هذا الممر الاستراتيجي المهم.
وأضاف: "أخبرنا الجميع أننا لسنا طالبي مساعدات، بل شركاء، ونحتاج إلى الدعم لترسيخ حضور الدولة. أخبرنا الجميع أن مسار السلام وماراثون المفاوضات يتحول في العادة إلى مضمار لا يركض فيه سوى الإرهاب، وأن التعامل مع المليشيات لا بد أن يكون حاسماً".
حضور لا يتناسب مع حجم التحولات
في هذا السياق، قال الخبير اليمني في تحليل النزاعات محمد القاضي، إن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عادة ما تكون ذات طابع روتيني، لكن الأهم هو ما يجري على هامشها من لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف.
وأضاف أن التحركات واللقاءات التي أجراها المسؤولون اليمنيون المشاركون في الفعاليات أمر طبيعي، وتعكس دورهم في وضع المسؤولين الدوليين أمام صورة الأحداث والتطورات في اليمن وخطورة ما جرى على الملاحة والنظام الملاحي الدولي، وانعكاساته على سلاسل الإمداد، فضلاً عن التسليم بوجود جماعة مسلحة في هذا الشريان الملاحي المهم.
وأشار القاضي إلى أن الحكومة بحاجة إلى حشد الموقفين، الإقليمي والدولي، المؤيدين لها والمناهضين للتحولات التي شهدها الساحل الغربي، ووصول الحوثيين إلى مناطق حساسة في باب المندب وسيطرتهم على جزر حيوية في البحر الأحمر.
وأضاف أنه على الرغم من مشاركة ممثلي الحكومة اليمنية في بعض اللقاءات المتعلقة بأمن الملاحة، فإن اللافت غياب اليمن أو تغييبه عن بعض اللقاءات الإقليمية الأكثر أهمية التي ناقشت أمن الملاحة وباب المندب، في وقت أصبح فيه اليمن ملفاً ساخناً يحظى باهتمام وقلق دوليين متزايدين، خصوصاً بعد وصول الحوثيين إلى قلب باب المندب.
وأشار القاضي إلى أن الحكومة اليمنية بحاجة إلى تحرك أكثر فاعلية على مختلف الأصعدة، بما في ذلك الجانب الدبلوماسي، وكان يفترض تكثيف اللقاءات مع القوى الدولية والإقليمية المؤثرة.
وقال إن اليمن هو المعني الأول بما حدث من زلزال جيوسياسي في الساحل الغربي وباب المندب، ومن ثم إن حضوره في النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة وأمن الملاحة أمر بالغ الأهمية.
ومن المفارقات، بحسب القاضي، أن اليمن لم يكن طرفاً في الاجتماع الذي دعا إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وشارك فيه وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب مصر والعراق والأردن ولبنان وسورية وتركيا، وناقش التصعيد الإقليمي وأمن الملاحة وحريتها في مضيقي هرمز وباب المندب.
واعتبر أن ما حدث في الساحل الغربي وباب المندب ليس تطوراً أمنياً عابراً، بل تحول جيوسياسي كبير، وكان يفترض أن يكون اليمن في صدارة كل نقاش يتعلق بمستقبل المنطقة وأمن الملاحة فيها.
حضور اليمن بروتوكولي
من جهته، قال مدير الأبحاث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، يزيد الجداوي، إنه يمكن تقييم الحضور اليمني في اجتماعات الجمعية العامة من زاويتين: مستوى التمثيل من جهة، والفاعلية والنتائج من جهة أخرى.
وأوضح أنه من الناحية البروتوكولية، كان التمثيل رفيعاً، إذ ترأس الوفد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الله العليمي، بمشاركة وزيرة الخارجية أفراح عبد العزيز الزوبة وعدد من كبار الدبلوماسيين اليمنيين.
وأشار إلى أن الوفد عقد لقاءات مع مسؤولين من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وسلطنة عُمان والبحرين والكويت ولبنان، إلى جانب أعضاء بارزين في الكونغرس ومسؤولين أمميين، ونجح في إبقاء التطورات اليمنية والتصعيد الحوثي وأمن البحر الأحمر وباب المندب ضمن أجندة النقاشات الدولية.
لكن الجداوي رأى أن كثافة اللقاءات لا تكفي وحدها للحكم على نجاح المشاركة، فالمعيار الأهم مدى قدرة الوفد على التأثير في المواقف الدولية والخروج بالتزامات سياسية أو أمنية أو اقتصادية محددة.
وأضاف أنه، حتى الآن، لا تكشف البيانات المعلنة عن اختراق دبلوماسي واضح، أو تعهدات جديدة تتناسب مع حجم التحول العسكري على الساحل الغربي، وتعاظم قدرة الحوثيين على تهديد باب المندب والملاحة الدولية.
وتضمنت كلمة اليمن رسائل مطالبة المجتمع الدولي بتنفيذ قراراته، ووقف تدفق الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية إلى الحوثيين، والانتقال من إدارة الأزمة إلى شراكة استراتيجية مع الحكومة اليمنية.
لكن الجداوي أشار إلى أن الخطاب غلب عليه الطابع التعبوي، فيما كانت اللحظة تتطلب خطاباً دبلوماسياً أكثر تركيزاً، يحدد بدقة طبيعة الخطر، وما تستطيع الحكومة القيام به، وما تطلبه عملياً من شركائها.
ورأى الجداوي أن المشكلة تكمن في أن اليمن أصبح أكثر حضوراً في النقاش الدولي بسبب موقعه في معادلة أمن البحر الأحمر وباب المندب، لكن الحكومة اليمنية لا تزال أقل حضوراً في صناعة القرارات المتعلقة بهذا الملف.
وأشار إلى أن الرئيس الأميركي وقادة دول مجلس التعاون الخليجي ناقشوا أمن الممرات البحرية والتصعيد الإقليمي في إطار لم تكن الحكومة اليمنية طرفاً مباشراً فيه.
وأضاف أنه على الرغم من أن الاجتماع كان خليجياً في أساسه، فإن ذلك يكشف أن اليمن لا يزال يُناقش في كثير من الأحيان بوصفه ملفاً أمنياً إقليمياً، لا بوصف حكومته شريكاً كاملاً في صياغة الاستجابة الدولية.
وقال الجداوي إنه كان ينبغي للوفد تقديم رؤية يمنية متكاملة لأمن باب المندب، تربط بين حماية الملاحة واستعادة مؤسسات الدولة وتأمين الساحل ومكافحة تهريب السلاح ودعم خفر السواحل.
ماهر أبو المجد
صحافي وكاتب يمني.