العراق بلا قوات أميركية... وسلاح الفصائل تحت الاختبار
الرأي الثالث - وكالات
تطوي الولايات المتحدة في العراق، اليوم الأربعاء، صفحة عسكرية امتدت لأكثر من عقدين، مع استكمال سحب قواتها من آخر قواعدها، في خطوة تنهي الوجود العسكري الأمريكي الذي بدأ مع غزو العراق عام 2003، وتفتح في الوقت نفسه مرحلة جديدة أمام بغداد في إدارة ملفات الأمن ومواجهة التنظيمات المسلحة والتوازن بين القوى الإقليمية.
ويدخل العراق، اليوم الأربعاء، 30 سبتمبر/ أيلول 2026، مرحلة أمنية وسياسية جديدة مع استكمال انسحاب الوحدات العسكرية الأميركية من قواعدها في البلاد، لتُنهي واشنطن صفحة الوجود العسكري القتالي في البلاد، بعد 23 عاماً على غزوها البلاد.
وكان الأميركيون قد انسحبوا عملياً في عام 2011 بوصفهم قوات احتلال، قبل أن يعودوا عام 2014 بطلب رسمي من الحكومة العراقية، إثر اجتياح تنظيم داعش مساحات واسعة في شمال العراق وغربه، حيث تشكّل التحالف الدولي للحرب على الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.
ظروف الانسحاب من العراق
الانسحاب اليوم يناقض حالة التحشيد العسكري في المنطقة، وتسعى حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الخروج بأقل الأضرار للعراقيين منه، عبر التأكيد على إبعاد العراق عن الاصطفاف مع أي محور، والسعي إلى احتكار قرار السلم والحرب بيد الدولة.
في المقابل، تسعى فصائل مسلحة موالية لإيران لاختطاف هذا القرار، عبر الانخراط بالحرب إلى جانب طهران وتنفيذ اعتداءات متكررة على دول الجوار، أبرزها السعودية والكويت والأردن.
وخلافاً للتوقعات، لم تترك القوات الأميركية في قواعدها شيئاً للعراقيين، إذ درجت العادة في الإدارات الأميركية السابقة على إهداء البنى التحتية العسكرية التي بناها الأميركيون في القواعد داخل العراق للحكومة العراقية.
وأوضح مسؤول عسكري عراقي في بغداد، أن الجيش الأميركي نقل آخر معداته إلى خارج العراق، باتجاه الكويت وتركيا والأردن، بما فيها معدات مدنية مخصصة لإيواء الجنود وراحتهم.
وفي عام 2011 ترك الجيش الأميركي معدات قدرت بمئات الملايين من الدولارات للقوات العراقية، كانت عبارة عن أسلحة وعربات مصفحة، ومدرعات ووسائل نقل مختلفة، وأنظمة استشعار، داخل 14 قاعدة عسكرية كان موجوداً فيها بشكل رئيسي طيلة سنوات احتلاله العراق من 2003 ولغاية 2011.
آخر القواعد التي انسحب منها الأميركيون كانت قاعدة حرير، في ضواحي أربيل، التي تعتبر حلقة الوصل الأميركية الرئيسية مع مناطق شمال شرقي سورية، من خلال دعمها "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في السنوات الماضية، وهو ما يمنح هذا الانسحاب بعداً إقليمياً أكثر من كونه محلياً.
في المقابل، كان الانسحاب من قاعدة فيكتوري الملاصقة لمطار بغداد الدولي، غربي العاصمة، هو الأبرز عراقياً، إذ وفرت القاعدة الحماية للبعثات الدبلوماسية الأميركية، وكانت بمثابة مركز أمني ومعلوماتي متقدم ظل طوال السنوات الماضية يزود العراق بصور جوية وتحليل معلومات أمنية مختلفة.
ويأتي الانسحاب تنفيذاً للاتفاق الذي توصلت إليه بغداد وواشنطن عام 2024 لإنهاء مهمة التحالف الدولي، الذي تشكل واشنطن أكثر من 80% من قواته. وفي وقت تتمحور فيه الأسئلة حول قدرة القوات العراقية على إدارة الملف الأمني، فإن مصير الأجواء العراقية ما زال مطروحاً بقوة.
إذ ما زال الطيران الأميركي يحلق داخل العراق، وفقاً لمصادر عراقية عسكرية، أشارت إلى أن انتهاء الوجود العسكري الأجنبي على الأرض لا يعني انتهاء التنسيق المعلوماتي والتدريب والتعاون بين العراق والولايات المتحدة.
غير أن التعقيد الأمني الذي يُنظر إليه اليوم يتمثل بمصير الفصائل المسلحة وسلاحها، بعد زوال أول وأبرز المبررات التي استخدمتها للترويج لنفسها ولبقائها في المشهد وهو وجود القوات الأميركية في العراق.
وتسعى هذه الفصائل إلى تجيير الحدث لصالحها، عبر الإعلان عن أن الانسحاب الأميركي جاء بسبب الضغط المباشر عليها من قبل الفصائل وأجبرها على مغادرة العراق، مستخدمة عبارات "النصر"، التي تصدرت في بيانات عدة، كان أبرزها كتائب حزب الله المتهمة بالوقوف وراء الهجمات الأخيرة على عدد من دول الجوار العراقي.
ومنحت الحكومة العراقية، اليوم الأربعاء، عطلة رسمية في عموم مؤسسات الدولة والمدارس والجامعات، ضمن ما أقرته يوماً لـ"السيادة الوطنية"، بمناسبة انسحاب القوات الأجنبية من العراق.
أعدت الحكومة العراقية حملة إعلامية واسعة بمناسبة "يوم السيادة"، عبر وسائل الإعلام وفي يافطات وإعلانات مرئية بشوارع بغداد ومدن عراقية مختلفة، مع عبارات تحث على تعزيز سلطة الدولة والقانون.
وقال المتحدث العسكري باسم الحكومة العراقية صباح النعمان إنه "بعد 30 سبتمبر، لن يكون هناك وجود للقوات الأميركية أو قوات التحالف الدولي"،
مؤكداً أن القوات العراقية قادرة على إدارة الملف الأمني في عموم مدن البلاد، وبشكل كامل. وشدّد النعمان على أن "وضعنا الأمني جيد. لا يوجد أي قلق على أمن البلاد مع انتهاء هذه المرحلة".
من جهته، رأى مستشار وزارة الدفاع الأسبق علي الأعرجي، أن خطوة الانسحاب الأميركي من العراق لن تُحدث أي فارق أمني في البلاد، إذ إنه لم يعد للقوات الأميركية منذ نهاية عام 2018 أي جهد عسكري بري على الأراضي العراقية، وكانت تعتمد على الدعم والإسناد الجوي عند الحاجة،
وبعد عام 2022 كان الطيران العراقي هو الذي يعالج جيوب وخلايا "داعش" بين وقت وآخر.
وأكد الأعرجي أن القوات الأميركية في دول الجوار يمكن أن تؤدي الغرض ذاته الذي كانت تؤديه داخل العراق، لذا فإن الخطوة لها بعد سياسي أكثر من كونها عسكرية عملياتية.
وأضاف الأعرجي أن الفصائل المسلحة التي كانت تتذرع بالوجود الأميركي لم يعد لها غطاء يبرر شرعية سلاحها خارج الدولة العراقية، لذا فإن القلق الحالي هو من السعي لإيجاد حالة أمنية ما تتخفى وراءها تلك الفصائل، أو أنها ستستعى لتغيير عناوينها وتكييف سلاحها تحته، وهو ما يعتبر تحدياً للحكومة العراقية.
أما أحمد الجبوري، وهو عضو حزب تقدم في نينوى، فقد اعتبر أن وضع القوات العراقية عام 2026 يختلف عما كان عليه عام 2014، في إشارة إلى رفض فكرة التخويف من عودة الإرهاب متمثلاً بتنظيم داعش.
وأشار الجبوري إلى أن العراقيين ينتظرون اليوم ترسيخ سلطة الدولة، وبناء مؤسسات حقيقية، وقبل كل شيء احتكار القوة بيد القوات النظامية الدستورية، وإنهاء حالة فصائلية شاذة في المشهد العراقي.
بدوره، لفت الخبير بالشأن السياسي العراقي أحمد الحمداني إلى أن 30 سبتمبر بمثابة تقويم عراقي جديد سياسياً وأمنياً، ينبغي التعامل معه باعتباره مرحلة مختلفة.
ووصف الحمداني، انسحاب القوات الأميركية بأنه قد يعني تحرراً أميركياً من أي عمل عسكري تقوم به في البلاد ضد الجماعات الحليفة لإيران.
ورغم كل التطمينات العراقية الرسمية حيال مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي العسكري وانتهاء دور التحالف الدولي، غير أن الطرف الكردي في إقليم كردستان أعلن على لسان أكثر من مسؤول عن مخاوفه من عودة الإرهاب والتهديدات الأمنية،
كان أبرزها بيان قوات البيشمركة التي ذكّرت بحاجة إقليم كردستان للدعم لمواجهة الطائرات المسيرة والصواريخ التي تستهدف مناطق في الإقليم.
التحذير الأكثر وضوحاً صدر عن الرجل الأقوى في كردستان العراق، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني والرئيس السابق للإقليم مسعود البارزاني، الذي أعرب عن خشيته، أمس الثلاثاء، من تكرار سيناريو الانسحاب الأميركي عام 2011 الذي أفرز صعود تنظيم "داعش"، حسب قوله.
بشأن ذلك، أوضح عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني شوان أن مخاوف الإقليم "مشروعة"، وأكد أن هجمات الحرس الثوري على مواقع المعارضة الكردية الإيرانية، وكذلك الفصائل المسلحة، كانت تجد تصدياً أميركياً أسهم في تقليل الخسائر أو جعلها صفرية، خاصة بالنسبة للخسائر البشرية.
إسهامات التحالف والأميركيين
وأسهم دور التحالف الدولي والقوات الأميركية في الحرب على تنظيم داعش (2014 ـ 2017)، في توفير الغطاء الجوي وتنفيذ الضربات المباشرة ضد مقرات وتحركات التنظيم، إلى جانب التنسيق عبر طيران الاستطلاع وجمع المعلومات وتحديد الأهداف الميدانية،
بالإضافة تدريب القوات العسكرية العراقية وتجهيزها بالمعدات والأسلحة الحديثة، وتقديم المشورة وإدارة المعارك. وكانت القوات العراقية تنشغل في القتال البري المباشر على الأرض وتنفيذ عمليات الاقتحام وتحرير القرى والمدن التي كانت تحت سيطرة التنظيم.
ومنذ العام الماضي، بدأ انسحاب القوات الأجنبية والأميركية الفعلي من القواعد والمواقع العسكرية في بغداد، تنفيذاً للاتفاق العراقي الأميركي المعلن في سبتمبر/ أيلول 2024، والذي نص على إنهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق بحلول نهاية سبتمبر 2025،
لكن بحلول يناير/ كانون الثاني الماضي أعلنت اللجنة العسكرية العراقية اكتمال إخلاء جميع القواعد والمقار العسكرية التابعة للتحالف في العراق، وانتقال العلاقة إلى مرحلة التعاون الأمني الثنائي.
لكن هذا لم يلغ وجود القوات الأجنبية في بغداد، واستمر التعاون مع جهات أجنبية، ومن ضمنها حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الذي واصل العمل حتى مارس/ آذار الماضي، ثم نقل جميع أفراد بعثته من بغداد إلى قيادة الحلف في نابولي الإيطالية بسبب الوضع الأمني الإقليمي، بعد بدء الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي.
وبحسب تقرير لـرويترز، من المقرر أن تغادر القوات الأمريكية آخر قواعدها في العراق بحلول 30 سبتمبر/أيلول، تنفيذاً لاتفاق توصلت إليه بغداد وواشنطن عام 2024. وكانت الولايات المتحدة قد سحبت الجزء الأكبر من قواتها ومهام التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش، قبل أن تستمر مرحلة انتقالية سمحت ببقاء قوات لدعم العمليات ضد التنظيم في المنطقة.
ويأتي الانسحاب بعد وجود عسكري أمريكي شهد مرحلتين رئيسيتين؛ الأولى بدأت عام 2003 وانتهت بانسحاب القوات الأمريكية في نهاية 2011، والثانية بدأت عام 2014 مع تشكيل التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش بعد سيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا.
وترى واشنطن وبغداد أن القوات العراقية أصبحت قادرة على تولي المسؤولية الأساسية عن الأمن الداخلي، فيما ينتقل التعاون بين البلدين إلى صيغة مختلفة تقوم بصورة أكبر على العلاقات الثنائية والتعاون الأمني والاقتصادي، بدلاً من الوجود العسكري المباشر.
لكن انتهاء المهمة العسكرية الأمريكية لا يعني انتهاء الدور الأمريكي في العراق، كما لا يعني خروج العراق من الحسابات الأمنية الإقليمية. فالتحدي الأساسي سيكون في قدرة الدولة العراقية على إدارة مرحلة ما بعد التحالف، في ظل استمرار نشاط خلايا تنظيم داعش، ووجود جماعات مسلحة تمتلك نفوذاً أمنياً وسياسياً.
وتنقل رويترز عن مسؤولين وخبراء أمنيين عراقيين مخاوف من أن يؤدي غياب القوات الأمريكية إلى فراغ يمكن أن تستفيد منه خلايا داعش، أو أن يؤدي إلى اتساع نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران داخل مؤسسات الدولة ومراكز القرار الأمني.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ظل إعلان الحكومة العراقية مهلة تنتهي في 30 سبتمبر/أيلول للفصائل المسلحة الموالية لإيران من أجل حسم موقفها من ملف السلاح، بالتزامن مع انتهاء الوجود العسكري الأمريكي.
أما إيران والفصائل المتحالفة معها، فتتعامل مع الانسحاب بوصفه تحولاً مهماً في ميزان القوى داخل العراق، بعدما شكل الوجود العسكري الأمريكي على مدى سنوات عامل توازن في مواجهة النفوذ الإيراني.
وفي المقابل، يواجه العراق مهمة أكثر تعقيداً: الحفاظ على استقلال قراره الأمني، ومنع عودة تنظيم داعش، وضبط السلاح خارج مؤسسات الدولة، مع الاستمرار في بناء علاقة أمنية واقتصادية مع واشنطن من دون قوات أمريكية على الأرض.
الأول من أكتوبر لا يمثل فقط اليوم التالي لخروج القوات الأمريكية، بل بداية اختبار جديد لقدرة الدولة العراقية على إدارة أمنها في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، بعدما أصبح القرار الأمني العراقي أمام مسؤولية أكبر، ومن دون المظلة العسكرية التي رافقته خلال السنوات الماضية.