صعدة في واجهة التصعيد... غارات وحشود حوثية على حدود السعودية
الرأي الثالث
تتجه الأنظار نحو محافظة صعدة معقل الحوثيين أقصى شمالي البلاد، مع تكثيف الجماعة حشودها العسكرية ونقل أسلحة ومعدات إلى المناطق المحاذية للسعودية، بالتزامن مع عمليات للجيش اليمني تستهدف مواقعها وتعزيزاتها.
وتضع هذه التحركات، التي أكدتها مصادر عسكرية ومحلية احتمال انتقال التصعيد إلى مواجهة على الحدود في صدارة المشهد، خصوصاً مع تصاعد تهديدات الجماعة للسعودية.
وبرزت صعدة في البيانات العسكرية الأخيرة للناطق باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، الذي أدرج جبهة كتاف والبقع ومحور علب ضمن العمليات، وهي جبهات مهمة بحكم موقعها على الحدود السعودية،
فمديرية كتاف والبقع، أكبر مديريات صعدة مساحةً، تمتد بمحاذاة منطقة نجران، وتضم منفذ البقع، فيما يقع محور علب في مديرية باقم على الحدود شمالي صعدة، ويشكّل إحدى الجبهات الحدودية المتقدمة.
الحوثيون يتهمون السعودية باستهداف صعدة
في المقابل، أشار المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، إلى ضربات سعودية على صعدة، فيما تحدثت مصادر عسكرية حكومية عن استعدادات للجماعة تستهدف تحقيق اختراق عبر الحدود.
وقال مصدر عسكري حكومي مطلع إن الحوثيين "يعدّون لمواجهة على الحدود" مع السعودية ويحشدون لها بكثافة، مضيفاً: "حرب الحدود قادمة، مسألة وقت"، ومؤكداً أن الجماعة تسعى إلى شن هجوم تحقق من خلاله اختراقاً إلى الأراضي السعودية.
وتتقاطع إفادته مع معلومات مصادر عسكرية ومحلية في صعدة أفادت بتكثيف الجماعة نقل المقاتلين والأسلحة والمعدات إلى المناطق الحدودية خلال الأيام الأخيرة.
وبحسب تقدير المصدر الحكومي، تتجاوز هذه التحركات تعزيز المواقع الدفاعية للجماعة إلى التحضير لعمل هجومي، في وقت تتعرض فيه قواتها ومواقعها لضربات على عدة جبهات.
وفي السياق، تضمنت منشورات قناة "المسيرة" الناطقة باسم الجماعة أول من أمس أخباراً عن غارات على مديريات سحار والصفراء والظاهر ومجز، إلى جانب قصف صاروخي على سحار، بعدما تحدثت في اليوم السابق عن غارتين على الظاهر واستهداف شرق مدينة صعدة بأربعة صواريخ.
وتتوزع هذه المناطق بين الشريط الحدودي ومحيط مركز محافظة صعدة وطرق الاتصال بالحدود. فالظاهر تقع على الحدود السعودية، وتمتد الصفراء شمالاً حتى الحدود مع نجران، فيما تحيط سحار بمدينة صعدة وتشمل ضواحيها، وتتصل مجز بطريق باقم ومنفذ علب الحدودي.
ويمنح هذا التوزيع الضربات دلالة تتجاوز الضغط على الجبهات الأمامية إلى الضغط على مواقع الجماعة في عمق المحافظة ومناطق اتصالها بالحدود، ما قد يعرقل حركة التعزيزات والإمداد، خصوصاً أنها تأتي بالتزامن مع حديث المصادر عن تكثيف الحوثيين نقل المقاتلين والأسلحة والمعدات باتجاه السعودية.
الحكومة تشمل جبهات صعدة بالعمليات
وكان النزيلي قد أعلن للمرة الأولى منذ بدء التصعيد الأخير شمول جبهات صعدة بالعمليات.
وقال، في بيان نشره على حسابه بمنصة إكس في 27 سبتمبر/أيلول الماضي، إن القوات نفذت 756 عملية استهداف خلال الساعات الـ72 السابقة، شملت كتاف والبقع ومحور علب، إلى جانب جبهات الجوف ومأرب والبيضاء ولحج وتعز، باستخدام القوات الجوية والطيران المسيّر والقناصة ومدفعية الميدان والراجمات.
وجدد النزيلي في بيان في 28 الشهر الماضي إدراج جبهات صعدة ضمن العمليات، معلناً تنفيذ 356 عملية خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة، شملت أيضاً الساحل وحرض والطوال في حجة المجاورة، وجبهات أخرى.
وقال إن العمليات بمجملها استهدفت تعزيزات وقدرات عسكرية للحوثيين، وأسفرت عن تدمير مراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة ومدفعية وآليات.
وكان مصدر عسكري في القوات الحكومية بالمناطق الحدودية قال رداً على سؤال في 26 سبتمبر الماضي، إن التصعيد الأخير شمل صعدة أيضاً، لكن العمليات فيها كانت آنذاك أقل كثافة من الجبهات المشتعلة في تعز ومأرب والحديدة والجوف،
موضحاً أن سلاح الجو اليمني يشن غارات بين الحين والآخر على تعزيزات وأهداف للحوثيين في مديريات بصعدة، بالتوازي مع عمليات للمدفعية والطيران المسيّر والراجمات.
ويعكس توالي الأخبار القادمة من صعدة حضوراً متزايداً للمحافظة في المشهد العسكري، فيما يكتسب استهداف التعزيزات والمخازن والآليات أهمية إضافية في ضوء التحشيدات، لما قد يسببه من إرباك لاستعدادات الحوثيين لمواجهة محتملة على الحدود،
فضلاً عن الضغط على دور صعدة في حشد المقاتلين وإمداد جبهات الجماعة الأخرى بالمقاتلين والعتاد.
وتستحضر التحشيدات الحالية تجربة الجبهات الحدودية بعد انطلاق عملية "عاصفة الحزم" في 26 مارس/آذار 2015، حين تدخل التحالف بقيادة السعودية استجابة لطلب الرئيس آنذاك عبدربه منصور هادي. ففي مايو/أيار من العام نفسه، امتد القصف الحوثي إلى نجران وجازان،
لتصبح الحدود ساحة مواجهة، ما فرض على السعودية التعامل مع تهديد مباشر لمناطقها الحدودية.
وأعلن الحوثيون وحلفاؤهم آنذاك عن توغلات في مواقع داخل الأراضي السعودية، وبثوا مشاهد ادعوا أنها لاختراقات أحدثوها هناك.
وتوضح تلك السابقة كيف يمكن لاختراق حدودي أن يوفر مكسباً دعائياً وأداة ضغط على الرياض، حتى إن كانت قدرة الجماعة على الاحتفاظ بالأرض محدودة بالمقاييس العسكرية، إذ تراهن على الأثر السياسي والأمني للتوغل أكثر من رهانها على سيطرة طويلة الأمد.
تصعيد بخطاب الحوثيين ضد السعودية
وترافق الحشد الراهن مع تصعيد صريح في خطاب الجماعة، حيث كثفت وسائل إعلام الحوثيين أخيراً هجومها على السعودية.
وتحدثت مقدمة لنشرة قناة "المسيرة" في 27 سبتمبر الماضي، وهي خطاب سياسي وتعبوي يعكس توجهات الجماعة والرسائل التي تريد إيصالها، عن الانتقال من "ضبط النفس إلى الردع بالهجوم"،
متوعدة بإدخال الرياض في "حالة حرب شعواء لم يسبق لها مثيل"، وملوّحة بخيارات "ظلّت مستبعدة لكنها باتت اليوم ممكنة ومؤلمة وحاسمة"، دون تحديد طبيعة هذه الخيارات.
ومنذ بداية جولة التصعيد في 10 الشهر الماضي، برر الحوثيون هجماتهم بما يصفونه بـ"الحصار السعودي"، مستخدمين ملف المطارات والموانئ وما قالوا إنها قيود على الحركة،
قبل أن يضيفوا إلى هذا الخطاب اتهامات شبه يومية للسعودية بشن غارات على محافظات يمنية واستهداف المدنيين، وهو تسلسل يتيح للجماعة تقديم أي توسيع للمواجهة باعتباره رداً على الرياض.
ونشر حساب "المسيرة" على "تليغرام" أكثر من 90 خبراً عاجلاً عن صعدة خلال الشهر الأخير، معظمها منسوب إلى مراسلها في المحافظة، تضمنت إعلان إصابات بين المدنيين، بينها خمسة متسوقين في منطقة آل ثابت بقطابر في 24 سبتمبر الماضي، وفق رواية القناة.
وواصل سريع إدراج صعدة في بياناته، معلناً في 28 الشهر الماضي وقوع 38 غارة جوية وضربة صاروخية على صعدة وتعز وحجة، ثم تحدث في اليوم التالي عن 35 غارة على صعدة وتعز والجوف وعمران والحديدة،
مضيفاً أن الضربات طاولت شبكات اتصالات ومدارس وأعياناً مدنية أخرى، رافعاً حصيلته التراكمية إلى 1158 صاروخاً منذ بدء التصعيد في مختلف المحافظات.
وفي مقابل نسب الحوثيين هذه الضربات إلى السعودية، تنسب القوات الحكومية العمليات المعلنة إلى قواتها.
وقال المصدر العسكري في المناطق الحدودية، في إفادة في 26 سبتمبر الماضي، إن الحوثيين يجمعون عمليات القوات الحكومية مع ضربات مدفعية محدودة ينفذها حرس الحدود السعودي ضد عمليات التهريب، ثم ينسبونها جميعاً إلى المملكة.
وأفادت مصادر عسكرية ومحلية بأن القصف المدفعي المرتبط بمسارات التهريب معروف لدى السكان، ولم تشهد وتيرته زيادة أخيراً، بحسب متابعتها.
وتتجاوز دوافع ضغط الحوثيين على السعودية الحسابات الميدانية، إلى سعي الجماعة لدفع الرياض نحو اتفاق مباشر يكرّس موقعها ويحدّ من دعم الحكومة اليمنية، عبر رفع كلفة المواجهة عليها،
وهي حسابات خاصة بالجماعة لكنها تتقاطع مع المصالح الإيرانية في الضغط على الرياض وممرات الطاقة والتجارة، من أجل تخفيف ضغط الحرب الأميركية عليها، وفق مراقبين.
وبينما تضغط عمليات الجيش اليمني على مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم في صعدة، يمنح الحشد باتجاه الحدود تهديدات الجماعة بُعداً ميدانياً.
وإذا تحولت هذه الاستعدادات إلى هجوم على الأراضي السعودية، وفق السيناريو الذي تتوقعه المصادر العسكرية، فقد تراهن الجماعة على اختراق يفرض كلفة أمنية وسياسية مباشرة على الرياض، ويعزز قدرتها على انتزاع تنازلات منها، حتى وإن بقيت قدرتها على الاحتفاظ بالأرض محدودة.
نايف القداسي
صحافي يمني