الجبهات مشتعلة في تعز وأهداف الحوثيين لتثبيت السيطرة على الساحل
الرأي الثالث - متابعات
تحولت المعارك العسكرية في محافظة تعز في جنوب غربي اليمن إلى واحدة من أكثر ساحات القتال اشتعالاً، بالتزامن مع انتقال ثقل المواجهة إلى الجبهات الغربية المتصلة بالساحل وباب المندب.
ويضع هذا التصعيد المتزامن في مقبنة، وجبل حبشي، والكدحة، والوازعية، والمرتفعات الجنوبية والغربية، المحافظة أمام اختبار عسكري جديد، خصوصاً في ظل التطورات المستمرة في الساحل الغربي والتهديدات الحوثية المستمرة لخطوط الملاحة والمناطق المحررة.
أولوية تعز للحوثيين
عسكرياً، لا تبدو تعز هدفاً منفصلاً للحوثيين، فالمحاور الممتدة نحو الوازعية والبرح تشكل شبكة من المرتفعات والطرق الحاكمة للاتصال بين المدينة والساحل والممرات المؤدية إلى لحج وعدن، لتصبح المعركة هنا معركة مناورة ونقل إمدادات وقوات لا مجرد سيطرة على بقعة جغرافية.
هذا التصعيد العسكري المتمثل في استمرار التحشيد، يتناغم مع حالة الجمود السياسي العام والتعثر الذي يلف مسارات التسوية،
ليؤكد مجدداً أن تعز تظل شوكة الميزان السياسية والعسكرية والرمز الأبرز للجمهورية والمقاومة الشعبية، وحاملة المشروع الوطني المقاوم لانقلاب الحوثيين والهادف لاستعادة الدولة ومؤسساتها، وهو ما يجعل أي هجوم على تعز يتجاوز جغرافية الميدان الضيقة ليرسم بظلاله أفق التسوية اليمنية برمتها.
ولكن، بينما ترتسم خطوط المواجهة الكبرى في تفاصيل الخرائط الاستراتيجية، تروي تفاصيل الميدان في ريف تعز حكايات أخرى من الصمود تحت ظلال المعاناة الصامتة؛
فمن جبال وقرى مديرية الشمايتين، وتحديداً من تلال منطقة العجرم وبني عمر، تتصاعد تحذيرات أبناء المنطقة المنذرة بخطر التحركات الحوثية المستجدة.
وهي انعكاس حي لواقع جبهات تئن تحت وطأة التجاهل الرسمي وشح الإمكانيات، ليجد المرابطون هناك أنفسهم يخوضون معركتين: واحدة في مواجهة رصاص الحوثي، وأخرى في مواجهة خذلان قيادة الشرعية.
لا يقتصر الهوس الحوثي بتعز على حدود الصراع التقليدي، بل يترجم نزعة استراتيجية متجذرة في عقيدة الجماعة القتالية رغم اتفاقات التهدئة؛
إذ تتشابك دوافع التصعيد بين أبعاد استراتيجية وجيوسياسية متعددة. فالمحافظة تمثل العقدة الجغرافية وحلقة الربط الرئيسية بين وسط البلاد وغربها وجنوبها، بينما تمنح مرتفعاتها المطلة على الساحل وباب المندب عمقاً بالغ الحساسية، مستهدفة منع القوات المناهضة لها من الارتباط بفاعلية بتلك الجبهات.
ولا تقتصر خريطة التهديد على المحاور الكبرى فحسب، بل تمتد لتستهدف بقعاً جغرافية حساسة تستوجب الانتباه الميداني العاجل، مثل منطقة العجرم في مديرية الشمايتين.
هذه المنطقة التي ترتبط بالطريق الحيوي الممتد من مفرق الوازعية باتجاه مدينة التربة، وتتصل جغرافياً بجبل جرداد ووادي البركاني والمشاولة، تشهد تحركات وتعزيزات حوثية مريبة تسببت بنزوح الأهالي وخلو بعض القرى من ساكنيها؛
وهو سيناريو يذكّر بالتحذيرات الميدانية السابقة قبل معارك جبل جرداد وكهبوب، ليؤكد الميدان أن الأطماع الحوثية لا تستثني ريفاً ولا جبلاً.
وقد أظهرت المعارك أن الحوثيين يحاولون الضغط على أكثر من محور في الوقت نفسه؛ ففي مقبنة والكدحة تدور الاشتباكات حول مواقع تتحكم في طرق العبور، بينما تشكل جبهة جبل حبشي حلقة وصل بين الريف الغربي والمناطق المحاذية للمدينة.
وفي الوازعية، تتصل المعركة بالممرات المؤدية للساحل، بالتوازي مع تحركات ومواجهات شهدتها الجبهات الجنوبية والشرقية (الأقروض، سامع، حيفان، والصلو) بهدف استنزاف وتشتيت الملفات الدفاعية.
وتعاني الجبهة الغربية من تحديات استثنائية، تتمثل في شح الأسلحة النوعية، والنقص الحاد في الذخائر، وتأخر الإمدادات العسكرية المنتظمة التي تضمن استمرارية الردع.
وفي هذا السياق، يؤكد قادة الميدان أن جبهات تعز لا ينقصها الأفراد بقدر ما تنقصها التجهيزات العسكرية، بل إن بعض المحاور تشهد فجوة لوجستية مرعبة تشمل شح الغذاء وغياب وسائل المراقبة والوقاية من قسوة الطقس.
وكثيراً ما تتردد في الأروقة العسكرية والسياسية مقارنات تفترض تكرار سيناريو الساحل الغربي في تعز، غير أن قراءة خريطة الميدان تؤكد بوضوح أن المعادلة مختلفة تماماً.
المخا والساحل الغربي يتميزان بطبيعة جغرافية منبسطة ومفتوحة، تتناسب مع تشكيلات القوات المتحركة والغطاء الجوي المكثف، مثل ألوية العمالقة، بينما تمثل تعز قلعة جبلية وعرة ذات كثافة سكانية ضخمة وحارات مدنية متداخلة تفرض نمط حروب المدن والدفاع المعقد.
وعليه، فإن مقارنة الحالتين توفر مؤشرات استراتيجية لكنها لا تعني تطابقهما مطلقاً.
وأمام هذا الاختلاف الجذري، تتحرك مآلات المعركة المحتملة عبر ثلاثة مسارات رئيسية؛
يبرز أولها في سيناريو حرب الاستنزاف وتثبيت خطوط التماس، حيث تستمر المعارك مركزة في الجبهات الغربية وينتقل طفيف منها لبعض المواقع والمرتفعات من دون تغيير جذري في الخريطة، وهو المسار الأرجح نظراً لصعوبة التضاريس واتساع خطوط التماس وعجز أي طرف عن تحقيق خرق حاسم.
ويتمثل المسار الثاني في سيناريو الاختراق المحدود وحصار الممرات، والذي يقوم على حدوث اختراق حوثي في محور غربي مهم يهدد طرق الإمداد، أو يعيد إنتاج حصار جزئي يخنق المدينة ويرفع كلفة حركة المدنيين والبضائع دون الحاجة لاقتحامها كلياً.
فيما يتجسد المسار الثالث في سيناريو التصعيد الشامل والهجوم المضاد الذي قد ينفجر في حال انهيار التهدئة الإقليمية كلياً،
وهو مسار يتطلب إعادة تنظيم القوات وفتح جبهات مضادة لاستعادة المواقع، ويتوقف كلياً على توفر الذخائر والأسلحة النوعية وتحسين التنسيق العملياتي بين تعز والساحل للتعامل مع معركة استنزاف كبرى تتجاوز الحدود التقليدية للمواجهة.
في المقابل، تمتلك تعز عوامل حصانة فريدة تجعل السيطرة الكاملة عليها أمراً بالغ التعقيد. أبرز هذه العوامل التضاريس الجبلية الوعرة التي تبطئ بفاعلية حركة المهاجمين، إلى جانب تراكم خبرة قتالية منذ عام 2015 في تفاصيل حرب المدن والجبال وخطوط الإمداد المعقدة.
في هذا السياق، يوضح الخبير العسكري العقيد سرحان المحيا، ما وصفه بـ"طبيعة الهزيمة المتكررة التي تتكبدها جماعة الحوثي على جبهات تعز، مؤكداً أن الجماعة تعيش حالة واضحة من الإحباط الاستراتيجي".
ويضيف أنه "خلال سنوات الحرب الطويلة، تجد الجماعة نفسها تحقق تقدماً في جبهات مختلفة، وما إن تصل في حربها إلى تخوم تعز حتى تجد نفسها تخسر كل طاقاتها البشرية وأغلب عتادها العسكري، وذلك لأسباب متعددة، أهمها الاستعدادات النفسية العالية لدى أبناء المحافظة ككل والمقاتلين تحديداً، حيث يمتلك الجميع الرغبة والجاهزية لدفع كلفة الحرية وانتزاعها بكل جدارة".
وعن تفاصيل التصعيد الأخير، يكشف المحيا أن "الحوثيين سخّروا كل إمكانياتهم العسكرية والإعلامية والمادية، واختاروا شن هجوم متزامن وشامل على امتداد جبهات تعز"
مبيناً أن "فريق الهجوم الحوثي تشكل على 25 قطاعاً أشعلها في كل شبر، ظناً منه أن ذلك سيؤدي إلى تمزيق قوة محور تعز ومحور طور الباحة.
وبدأ التحضير للهجوم من الوهلة الأولى باستخدام مكثف للصواريخ، وقذائف الهاون والهاوزر، والدبابات، والكاتيوشا، وصواريخ أرض-أرض، في محاولة لبث الرعب وتحقيق مبدأ الصدمة".
لكن "الميدان جاء مخيباً لحسابات الجماعة"، وفق المحيا، الذي يضيف: "وجدت الجماعة نفسها عاجزة تماماً عن التقدم في الجبهة الشرقية، جبهة الشقب، الجبهة الشمالية والشمالية الشرقية، والغربية، ما اضطرها لمهاجمة جبهة الأقروض باستخدام أسلحة نوعية.
وكانت المفاجأة أن خسائرها تضاعفت في هذه الجبهة وتم أسر عناصرها بسهولة ويسر".
وفي السياق ذاته، يضرب المحيا مثالاً على "مدى الاحترافية واليقظة العالية للجيش والمقاومة"، مشيراً إلى ما حدث في جبهة البعرارة، حيث رصدت المقاومة والجيش الوطني تسلل خمسة أفراد،
يقول المحيا: "من لحظة تقدمهم وتسللهم كانت العيون ترصدهم لحظة بلحظة، وتركوهم يتوغلون إلى أماكن تتمركز فيها قوات الجيش الوطني، ليتم أسرهم واغتنام أسلحتهم من دون أن يكلف الأبطال ذلك طلقة واحدة.
لقد كان ضبط النفس والاحترافية على أعلى مستوى، والاستطلاع بنسبة 100%". ويشيد المحيا بدور سلاح الطيران، مشيراً إلى أنه "لعب دوراً بارزاً وجوهرياً خلال ليل الأربعاء - الخميس في تدمير الكثير من معدات الحوثي في جبهات منطقة الوازعية، وجبل حبشي، وجبهات الحجرية، في ظل أهمية يقظة جبهة سامع في التصدّي لأي تحركات مشبوهة".
ويختتم المحيا تصريحه بالتأكيد أن "تعز ستظل عصية على الانكسار، وأن أي انتصار حقيقي فيها واستعادة الساحل الغربي ومدينة المخا، سيمثلان حجر الأساس والطريق الحتمي نحو تحرير محافظتي الحديدة وحجة، خصوصاً في ظل التناغم الحاصل بين القيادة وقيادة التحالف بقيادة السعودية".
الحوثيون ومحاولة قطع طريق تعز ـ لاحق
بدوره، يؤكد الكاتب الصحافي أحمد شوقي أحمد، أن "هوس الحوثيين المستمر بإخضاع محافظة تعز لا ينفصل عن أبعاد استراتيجية بالغة الحساسية، تسعى لتأمين الوجود في الساحل الجنوبي الغربي وباب المندب عبر السيطرة على المرتفعات والمرتفعات الحاكمة والوعرة الممتدة بين لحج وتعز،
إضافة إلى السيطرة على جبال الحجرية والتربة لمنحهم نفوذاً نارياً مباشراً على عدن ولحج وميناء عدن". ويضيف أن "الحوثيين يهدفون أيضاً إلى قطع إمدادات جبهة تعز التي تسببت في تكبيدهم 60% من قتلاهم خلال السنوات الأولى للحرب، وفرض حصار مطبق عبر طريق تعز ـ لاحق لخلق مجاعة تدفع المدينة للاستسلام، ومحاولة تطويق قوات العمالقة من الخلف في جبال كهبوب بعد الخسائر البشرية الفادحة التي تكبدوها هناك".
ويشير أحمد إلى أنه "على المستوى الأيديولوجي والرمزي، تمثل تعز العاصمة التاريخية للدولة الرسولية والخصم اللدود للدولة الزيدية وجماعة الحوثي القائمة على فكرة الحق الإلهي، فضلاً عن كونها منبعاً للثورات اليمنية ضد الاستبداد والإمامة والاستعمار.
ويواجه الحوثيون صدمة عميقة لكون أبناء تعز، بطابعهم المدني والمسالم ومن إمكانات بسيطة بدأت من حارة وجبل، استطاعوا كسر مشروعهم الطائفي، ما جعل تعز رمزاً للرفض الثقافي، وحراسة الإرث الجمهوري".
ويرى أن "تعز تتميز بنسيج مدني فريد ونسبة تعليم عالية وكثافة سكانية تؤمن بقيم الحرية والتعددية ورفض الوصاية الدينية والطائفية.
ويدرك أبناء تعز أنهم الهدف الأول للإمامة وأنّ تماسكهم هو الضمانة الأساسية لمنع انهيار الجبهات الجمهورية في كافة أنحاء اليمن، وهو ما يتجسد في الاحتفالات الشعبية العارمة التي تحيي روح الثورة والجمهورية في كل قرية ومدينة".
فخر العزب
صحافي يمني