Logo

إعلان استعادة المخا من الحوثيين يثير جدلاً يمنياً

الرأي الثالث - متابعات

أثار إعلان وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ)، مساء أمس الاثنين، عن "تحرير مدينة المخا" على الساحل الغربي لليمن، جدلاً واسعاً بين صحافيين وناشطين يمنيين، بعدما تبين، وفق معلومات ميدانية أنّ "قوات العمالقة" الجنوبية لم تدخل المدينة حتى الآن، فيما تتمركز قواتها في مناطق تقع إلى الشرق والجنوب من المخا، على مسافة تقارب 45 كيلومتراً من مركز المدينة.

 وجاء إعلان الوكالة الرسمية في وقت تشهد جبهات الساحل الغربي تصعيداً عسكرياً واسعاً ضمن العملية التي أطلقتها القوات الحكومية ضد جماعة الحوثيين، الأمر الذي جعل نبأ السيطرة على المخا، المدينة الساحلية ذات الأهمية الاستراتيجية، يحظى باهتمام واسع محلياً ودولياً.
 
ونشرت وكالة سبأ، مساء أمس، خبراً يفيد بتحرير المخا، ونسبت المعلومات إلى مصدر عسكري، قبل أن تتناقلها وسائل إعلام يمنية وعربية ودولية باعتبارها تطوراً ميدانياً كبيراً، 

لكن مصادر ميدانية أكدت أن القوات الحكومية، وفي مقدمتها "قوات العمالقة"، لم تدخل مدينة المخا، وأن وجودها الحالي يتركز شرق المدينة وجنوبها. 

وبحسب المعلومات الميدانية، فإن القوات المتقدمة وصلت إلى مناطق في محيط ذوباب وما حولها، ولا تزال المسافة الفاصلة بينها وبين مدينة المخا تُقدّر بنحو 45 كيلومتراً، ما يعني أن الحديث عن دخول المدينة أو تحريرها لا يعكس الوضع الميداني الحالي.
 
في المقابل، نفت جماعة الحوثيين ما أوردته وسائل الإعلام التابعة للحكومة بشأن السيطرة على المخا، في سياق حرب إعلامية ترافق المعارك على الأرض. 

كما أن المعطيات الميدانية تؤكد عدم دخول القوات الحكومية مدينة المخا حتى وقت إعداد هذا التقرير.

ويكتسب هذا التفصيل أهمية خاصة، إذ إن المخا ليست مجرد مدينة ساحلية، بل تمتلك موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر، وتقع بالقرب من مضيق باب المندب، كما ترتبط بشبكة طرق عسكرية وتجارية تصل الساحل الغربي بمدن الحديدة وتعز وعدن. 

ومن ثم، فإن الإعلان عن سقوط المدينة قبل حدوث ذلك ميدانياً لا يمثل مجرد خطأ في توصيف موقع جغرافي، وفق منتقدي أداء الإعلام الرسمي، بل قد يؤثر في صورة العمليات العسكرية نفسها، وفي تقييم المتابعين مسار المعارك وحجم التقدم الذي تحققه القوات الحكومية.

"تزييف الانتصارات" يثير غضب صحافيين

الصحافي اليمني يحيى السواري كان من أبرز المنتقدين لإعلان وكالة سبأ، معتبراً أنّ "تزييف الانتصارات" لا يخدم القوات الموجودة في الجبهات، بل قد يؤدي، برأيه، إلى نتيجة عكسية.

 وقال السواري، في منشور على صفحته في "فيسبوك"، إنّ وكالة سبأ نشرت خبر تحرير المخا، وتناقلت وسائل الإعلام المحلية والدولية الخبر عنها، بينما كانت القوات، بحسب المعلومات التي أوردها، قد توقفت في ذوباب، على بعد نحو 45 كيلومتراً من المخا.
 
ورأى الصحافي أنّ "هذا النوع من الأخبار يقلل قيمة الانتصار الذي تحقق فعلاً على الأرض، ويمنح الطرف الآخر أفضلية في المعركة الإعلامية، بدلاً من أن يخدم القوات الحكومية".

 واستعاد السواري حادثة سابقة خلال معارك الساحل في بداية سبتمبر/ أيلول الماضي، عندما نشرت وكالة سبأ نبأ عن تحرير جبل دباس في حيس، وهو موقع استراتيجي، قبل أن يتضح، وفق روايته، عند وصول الفرق الإعلامية إلى المنطقة، أنّ الواقع الميداني لا يتطابق مع الخبر المنشور. 

وقال إنّ "المشكلة في مثل هذه الحالات لا تتوقف عند الخطأ الصحافي، بل تضع المقاتلين والقيادات الميدانية في موقف محرج، لأنهم يجدون أنفسهم أمام رواية رسمية سبقت الوقائع على الأرض".

من جهته، شدد الصحافي سمير النمري، في منشور على "فيسبوك"، على أهمية الدور الذي يفترض أن تضطلع به وكالة الأنباء الرسمية، قائلاً إن الوكالة في أي دولة تمثل المصدر الأول للأخبار، وبالتالي فإنّ "لغتها ينبغي أن تكون حصيفة، ومعلوماتها دقيقة وغير مضللة". 

وأضاف أنّ الخبر يعكس الواقع، لا الأمنيات والأحلام، محذراً من أنّ ارتكاب أخطاء كبيرة في نقل المعلومات يمكن أن يؤدي إلى زعزعة الثقة بالوكالة، خصوصاً خلال الأزمات واللحظات العسكرية الحرجة.

بدوره، ذهب الصحافي محمد عبد المغني في انتقاده إلى أبعد من الواقعة نفسها، معتبراً أن المشكلة تكشف، بحسب رأيه، خللاً مزمناً في أداء الإعلام الرسمي اليمني. 

وقال، في منشور على "فيسبوك"، إنّ هناك كثافة إعلامية وماكينة ضخمة، لكن من دون التزام كافٍ بمعايير نقل المعلومة والتحقق منها، معتبراً أن المشكلة لم تُعالج بصورة جدية خلال السنوات الماضية، حتى أصبح تراجع قيمة المعلومة جزءاً من المشهد الإعلامي.
 
وتساءل عبد المغني عن وظيفة الناطق الرسمي للقوات الحكومية، إذا كانت وكالة الأنباء الرسمية تتولى نقل معلومات عسكرية وميدانية يفترض أن تصدر عن الجهات العسكرية المختصة.

 ورأى أنّ الخطأ في خبر عسكري، سواء كان نتيجة استعجال أو ضعف في التحقق أو خلل في مصدر المعلومة، لا يضر بالوكالة وحدها، بل يمكن أن ينعكس على صورة المؤسسة الحكومية التي تصدر عنها، لأن الجمهور يتعامل مع الوكالة باعتبارها مصدراً رسمياً للمعلومة.

بدوره، انتقد الصحافي بسيم جناني ما وصفه بأنه "أسوأ ما حدث خلال اليوم، والمتمثل في تصدر الإعلام الرسمي للحكومة خبراً عن دخول القوات إلى المخا، ونسبه إلى مصدر عسكري".

 وقال جناني إنّ الخبر جرى تداوله على نطاق واسع، حتى من جانب صحافيين كانوا يتابعون الوضع الميداني من مصادر محلية داخل المخا، قبل أن يتضح لاحقاً أن المعارك لا تزال تجري بعيداً عن المدينة. 

وتكشف هذه الواقعة، بحسب المنتقدين، حجم الفجوة التي يمكن أن تنشأ بين غرفة الأخبار والميدان عندما لا تخضع المعلومات العسكرية للتحقق المتعدد قبل نشرها، خصوصاً في معركة مفتوحة تتغير فيها خطوط التماس بسرعة.

ما الذي حدث فعلياً؟

وفق المعلومات الميدانية فإن القوات الحكومية و"قوات العمالقة" الجنوبية حققت تقدماً في اتجاه المخا ضمن العمليات العسكرية الجارية على الساحل الغربي، لكنها لم تدخل المدينة حتى الآن.

 وتتمركز القوات في مواقع شرق وجنوب المخا، بينما تفصلها عن مركز المدينة مسافة تقدر بنحو 45 كيلومتراً. وبالتالي فإن وصف الوضع الحالي بأنه تحرير للمخا يتجاوز ما تؤكده المعطيات الميدانية المتوفرة.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التقدم العسكري الذي أحرزته القوات الحكومية، بل على العكس، فإن الفصل بين ما تحقق فعلياً وما لم يتحقق بعد يمنح الإنجاز الميداني وزنه الحقيقي، ويتيح للمتابعين فهم خريطة العمليات بعيداً عن المبالغة الإعلامية.

 ويأتي ذلك في ظل عملية عسكرية واسعة تشهدها عدة جبهات يمنية، وترافقها حرب إعلامية بين الحكومة والحوثيين، يحاول خلالها كل طرف تقديم روايته الخاصة عن سير المعارك وحجم الخسائر والسيطرة على المناطق.
 
فخر العزب
صحافي يمني