Logo

غزة بعد عام من وقف إطلاق النار: اتفاق متعثر وأفق مسدود

الرأي الثالث - وكالات

يبدو الواقع في قطاع غزة بعد عام من اتفاق وقف إطلاق النار أبعد من الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب، إذ أوقف الاتفاق القصف واسع النطاق الذي استمر لعامين، لكنه لم يفتح الطريق أمام تنفيذ كامل لبنود الاتفاق أو إطلاق عملية سياسية وإعمارية مستقرة. 

وبعد عام من الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 برعاية مصرية وقطرية وتركية وضمانات أميركية، لا تزال الخروقات والاغتيالات والعمليات العسكرية والقيود على المساعدات قائمة، فيما بقيت ملفات الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع ونزع السلاح وإعادة الإعمار وترتيبات إدارة القطاع عالقة.

ويظهر مسار العام الأول أن وقف إطلاق النار لم يكن نهاية فعلية للحرب بقدر ما شكّل مرحلة جديدة انتقلت فيها المواجهة من حرب مفتوحة إلى صراع على تفسير الاتفاق وتنفيذ بنوده وترتيبات المرحلة التالية.

 وتقول الجهات الحكومية في غزة إن الانتهاكات استمرت بصورة شبه يومية، فيما تشير بياناتها إلى استشهاد 1467 فلسطينياً وإصابة أكثر من 5 آلاف منذ إعلان وقف إطلاق النار قبل عام.

وفي الجانب الإسرائيلي، ظل تنفيذ الاتفاق مرتبطاً بشروط تتعلق بنزع سلاح حركة حماس وترتيبات الأمن داخل القطاع، بينما ترى إسرائيل أن استمرار وجود السلاح يشكل عائقاً أمام الانتقال إلى المراحل التالية.

 في المقابل، بقي الانسحاب الإسرائيلي الكامل وإطلاق مسار إعادة الإعمار من الملفات الأكثر تعقيداً، في وقت لا تزال فيه قوات الاحتلال مسيطرة على قرابة 70% من مساحة القطاع، بينما لم تبدأ عملية إعادة إعمار واسعة تتناسب مع حجم الدمار.

وبذلك، فإنّ مرور عام على وقف إطلاق النار لا يعني مرور عام على السلام، فالقطاع ما زال يعيش في ظروف إنسانية وأمنية استثنائية، بينما لم تتحول التفاهمات السياسية إلى خطوات متدرجة وثابتة تنهي آثار الحرب.

 وحتى مع تراجع مستوى القصف مقارنة بمرحلة الحرب المفتوحة، فإن استمرار العمليات العسكرية والقيود على الحركة والإمدادات يجعل السكان أمام واقع هش قابل للانتكاس، خصوصاً مع اقتراب الشتاء وتزايد مخاطر السيول وانهيار المباني المتضررة.
 
وبعد عام من وقف إطلاق النار الواسع، تظهر الحصيلة أن غزة أمام اتفاق أوقف الحرب الشاملة لكنه لم يوقف عمليات القتل من الاحتلال ولم يحسم شكل المرحلة التالية،

 فالقضايا الأكثر حساسية لا تزال مفتوحة، والتي تتمثل في الوجود العسكري الإسرائيلي ومستقبل السلاح وإدارة القطاع وإعادة الإعمار وعودة النازحين، إضافة إلى حجم الدور الأميركي والدولي في فرض أو ضمان تنفيذ الترتيبات المقبلة، 

كما أنّ استمرار الخروق الإسرائيلية يجعل الاتفاق عرضة للبقاء في منطقة رمادية، لا حرب شاملة بالوتيرة السابقة ولا سلام مكتملاً يسمح بإعادة بناء الحياة. 

وهذا هو التحدي الأبرز في العام الثاني، إذ إنّ نجاح الاتفاق لن يقاس فقط بمدى انخفاض العمليات العسكرية وإنما بقدرته على إنتاج خطوات ملموسة.
 
وبحسب مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، فإنّ مسار العام الأول اتسم باستمرار الخروق الإسرائيلية، وهو ما انعكس على حياة السكان وعلى قدرة القطاع على الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة التعافي. 

وقال الثوابتة في تصريحات عمّمت على وسائل الإعلام إنّ الاحتلال الإسرائيلي ارتكب أكثر من 5300 خرق عسكري وأمني لاتفاق وقف إطلاق النار خلال عام كامل، أسفرت عن استشهاد أكثر من 1460 فلسطينياً وإصابة أكثر من 5 آلاف آخرين واعتقال 202 شخصاً.

وأوضح أن القيود على إدخال المساعدات والسفر شكّلت جانباً رئيسياً من الأزمة، مشيراً إلى دخول قرابة 74 ألف شاحنة فقط من أصل أكثر من 214 ألف شاحنة كان مقرراً إدخالها، بنسبة تنفيذ تقل عن 35%، 

كما غادر القطاع قرابة 14 ألف مسافر من أصل 36 ألفاً كان مقرّراً سفرهم، بنسبة تنفيذ بلغت نحو 39%.
 
اتفاق بلا تنفيذ في غزة

ويقول الكاتب المختص في الشأن السياسي الفلسطيني فراس ياغي إن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي دخل عامه الأول، أوقف عمليات القصف واسعة النطاق، لكنه جاء في سياق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب 

 التي رأى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته أنها يمكن أن تكون مؤقتة، بهدف منح الولايات المتحدة وإسرائيل مساحة للتحرك إقليمياً.

 ويضيف ياغي "نتنياهو كان يراهن على إسقاط النظام الإيراني والقضاء على محور المقاومة، بما يسمح لاحقاً بالتنصّل من التزامات خطة ترامب وفرض شروط إسرائيلية جديدة في غزة، وعلى رأسها التهجير القسري للسكان".

ويوضح أن التطورات الإقليمية جاءت بعكس ما كانت تراهن عليه الحكومة الإسرائيلية، إذ لم يتحقق الحسم في المواجهات مع إيران، بينما دخلت إسرائيل في حروب متعددة الجبهات من دون تحقيق حسم عسكري أو سياسي كامل.

 ويشير كذلك إلى أن نتنياهو أعلن منذ بداية الحرب أهدافاً تقوم على تحقيق "النصر المطلق" والقضاء على المقاومة الفلسطينية 

 إلّا أن هذه الأهداف لم تتحقق بصورة كاملة، إذ ما تزال "حماس" والمقاومة حاضرة في القطاع، فيما جرت اتصالات أميركية مع قياداتها في سياق ترتيبات وقف الحرب.

ويؤكد ياغي أن إسرائيل حققت مكاسب عسكرية واسعة خلال الحرب، بالتزامن مع دمار كبير طاول القطاع، لكنه يرى أن السؤال الأساسي يتعلق بالإنجاز السياسي الذي تحقق بعد عام من وقف إطلاق النار. 

ويعتقد أنّ هناك اختلافاً بين الرؤية الأميركية والإسرائيلية بشأن أدوات الوصول إلى ترتيبات المنطقة، رغم وجود أهداف مشتركة في جوانب عدة، 

"فبينما تسعى واشنطن إلى إدماج إسرائيل في ترتيبات إقليمية تضمن أمنها، فإنها ترى في المقابل ضرورة أن تقدم إسرائيل استحقاقات سياسية، وهو ما يصطدم بأجندة حكومة نتنياهو السياسية والشخصية". 

ويتوقع أنه حال وصول المعارضة الإسرائيلية إلى الحكم، قد تتمسك بشروط تتعلق بنزع سلاح "حماس" قبل الانتقال إلى الإعمار أو الانسحاب من قطاع غزة، بينما قد تتغير الحسابات إذا طُرح مشروع إقليمي أوسع يتضمن مساراً نحو التطبيع الكامل.

أفق مسدود

من ناحيته، يرى الكاتب المختص في الشأن السياسي الفلسطيني، تيسير محيسن، أن المرحلة التي أعقبت التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار كان يفترض أن تشهد استكمال الترتيبات اللازمة لتنفيذه والتزام الأطراف ببنوده، بما يضمن الانتقال السلس إلى مرحلة ما بعد الحرب. 

لكنه يشير إلى أن استمرار الخروق الإسرائيلية جعل مسار تنفيذ الاتفاق متعثراً وأبقى العلاقة مع قطاع غزة بعيدة عن متطلبات المرحلة الجديدة.
 
ويقول محيسن إن الاحتلال الإسرائيلي يواصل التعامل مع قطاع غزة من خلال القوة العسكرية، موضحاً أن الخروق لا تقتصر على العمليات العسكرية وسقوط الشهداء وإنما تمتد إلى مختلف جوانب الحياة في القطاع. 

ويشير إلى استمرار القيود على إدخال المساعدات، التي لا تتجاوز وفق تقديره نحو 25 إلى 30% من المستوى المطلوب، إلى جانب تكرار الاعتداءات التي طاولت السكان والمنشآت ووسائل الحياة الأساسية.

أما بشأن المرحلة المقبلة، فيستبعد محيسن أن تكون الانتخابات في إسرائيل عاملاً حاسماً في تغيير واقع قطاع غزة أو وقف الخروق، معتبراً أن التعامل الإسرائيلي مع القطاع يرتبط بمنظومة أوسع تتجاوز التغيرات السياسية والشخصيات الحاكمة.

 ويرى أن أي تغيير في الحكومة الإسرائيلية لا يعني بالضرورة تغيير الآليات المعتمدة تجاه غزة، وأن معالجة الوضع تتطلب تغييراً في النهج المتبع وليس الاكتفاء بانتظار نتائج الانتخابات.