التفويض المصري بالدفاع عن السعودية: ماذا بعد تهديدات الحوثيين؟
الرأي الثالث
لم يكد مجلس النواب المصري يمنح الرئيس عبد الفتاح السيسي تفويضاً بتقديم دعم عسكري دفاعي للسعودية، الاثنين الماضي، حتى انتقلت الأزمة إلى مستوى أكثر حساسية، مع إعلان القيادي في جماعة الحوثيين محمد علي الحوثي أن قرار مصر بمساندة المملكة يمثل "إعلان حرب" على اليمن،
علماً أن السيسي كان قد أكد، الأسبوع الماضي، أن أي تحرك عسكري مصري لمساندة المملكة سيقتصر على الدفاع عن أراضيها وحدودها، ولن يتضمن شن هجمات على اليمن.
في المقابل، لم تتوقف التحركات الدبلوماسية التي أعقبت اجتماع طهران بين السعودية وتركيا وباكستان وإيران، الاثنين الماضي، بل تعددت الاتصالات والوساطات الرامية إلى احتواء التصعيد.
الدعم المصري للسعودية
وأفادت مصادر مصرية مطلعة بأن الدعم العسكري المصري للسعودية، في ضوء التفويض الذي منحه مجلس النواب للسيسي، ينحصر حتى الآن في بضع كتائب للدفاع الجوي، ذات طبيعة متعددة المهام تشمل التعامل مع الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وأضافت المصادر أن الدعم اللوجستي والاستخباراتي المصري للمملكة قائم بالفعل منذ فترة، ولم يبدأ مع موافقة البرلمان على التفويض، مؤكدة أن القاهرة تسعى، عبر اتصالات مع جميع الأطراف المعنية بالأزمة، إلى خفض التصعيد ومنع اتساع المواجهة الإقليمية.
وقال الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، إن السيناريوهات المحتملة لتفعيل التفويض البرلماني الممنوح للرئيس السيسي لدعم السعودية تراوح بين تقديم المعلومات الاستخباراتية والخبرات العسكرية وتوفير المعدات والأسلحة والذخائر، وصولاً إلى مشاركة القوات إذا اقتضت طبيعة المهمة ذلك،
موضحاً أن تحديد شكل المساندة يرتبط باحتياجات المملكة والإمكانات المتاحة لدى مصر.
وأشار فرج إلى أن مساندة المملكة في حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية لا تعني بالضرورة الدخول في عمليات هجومية ضد أطراف إقليمية أخرى.
وأضاف أن الاستعداد الدفاعي والتحرك الدبلوماسي يمكن أن يسيرا بالتوازي؛ إذ تتيح الجاهزية العسكرية التعامل مع التهديدات الأمنية
بينما تستهدف الاتصالات السياسية احتواء التوتر ومنع اتساع المواجهة، ويتحدد شكل الدور المصري وفقاً لتطورات الأزمة وطبيعة التهديدات والاحتياجات التي يتفق عليها البلدان.
وذكر أن تحديد طبيعة الدعم يتطلب تنسيقاً بين الجانبين المصري والسعودي لتقييم التهديدات التي تواجه المملكة، وتحديد المواقع الأكثر احتياجاً للحماية، سواء المنشآت النفطية والمطارات والموانئ وخطوط نقل النفط، أو المجال الجوي الذي يتطلب قدرات متخصصة للتصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأوضح أن المساندة العسكرية يمكن أن تشمل توفير منظومات دفاعية ورادارات ووسائل للحرب الإلكترونية، إلى جانب إيفاد الخبراء والمستشارين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إرسال قوات برية.
ما بعد التهديد الحوثي
وجاء أول رد حوثي مباشر على التفويض المصري على لسان عضو المكتب السياسي للجماعة محمد علي الحوثي، الذي اعتبر أن موافقة البرلمان على دعم السعودية تعني إعلان الحرب على اليمن، واتهم القاهرة بتقديم خدمة لإسرائيل. وجاء التصريح في 27 أكتوبر/ تشرين الأول، بعد يوم من إقرار التفويض.
وقال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي إن وصف جماعة الحوثيين أي دعم مصري محتمل للسعودية بأنه "إعلان حرب" ينبغي قراءته في سياق التصعيد الإقليمي ومحاولات التأثير في حسابات الأطراف المعنية بالأزمة، لا باعتباره دليلاً قاطعاً على اتخاذ قرار بالدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع مصر.
وأضاف حجازي أن هذا الخطاب قد يحمل رسالة إلى القاهرة، تستهدف التأثير في طبيعة الخيارات التي يمكن أن تلجأ إليها لدعم الرياض، من خلال التلويح بتوسيع دائرة المخاطر الأمنية في حال انتقال الدعم من المستوى السياسي والدبلوماسي إلى أشكال أخرى.
وتابع: قد يكون الهدف من هذه الرسائل ممارسة ضغط استباقي قبل اتضاح طبيعة التحرك المصري المحتمل، من دون أن يعني ذلك بالضرورة نجاحها في تغيير حسابات القاهرة.
وأوضح أن التفويض البرلماني المتعلق بدعم السعودية يجب التمييز بينه وبين اتخاذ قرار فعلي بالمشاركة العسكرية، إذ لا يعني صدوره بالضرورة إرسال قوات مصرية إلى ساحة القتال أو الانخراط في مواجهة مباشرة،
فطبيعة أي تحرك محتمل تظل مرتبطة بتقدير القيادة السياسية والعسكرية لمتطلبات الأمن القومي، وتطورات الموقف الميداني، وحدود الخيارات المتاحة في ضوء الاعتبارات القانونية والالتزامات الدولية ذات الصلة.
وأشار مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن التهديد الحوثي لا يستهدف مصر وحدها بالضرورة، بل يمكن فهمه أيضاً باعتباره جزءاً من رسائل متبادلة في سياق الصراع الإقليمي، تسعى الأطراف من خلالها إلى التأثير في مواقف بعضها بعضاً ورفع كلفة القرارات التي قد تؤدي إلى توسيع المواجهة.
غير أن تحديد الأهداف الفعلية لهذا الخطاب يظل مرهوناً بالسياق الذي صدر فيه، وبما إذا كانت ستتبعه خطوات عملية على الأرض.
ولفت حجازي إلى أن الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب تجعل أي تصعيد في المنطقة ذا تداعيات تتجاوز أطراف المواجهة المباشرة، إذ يمكن أن يؤثر في أمن الملاحة الدولية وحركة التجارة، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على المصالح الاقتصادية المصرية وقناة السويس.
ومن ثم، فإن حسابات القاهرة في هذا الملف ترتبط بحماية أمن السعودية من جهة، والحفاظ على استقرار الممرات البحرية الحيوية من جهة أخرى.
وأكد أن تقدير تأثير التهديد الحوثي على القرار المصري يتطلب التمييز بين الضغوط السياسية والإعلامية، والقدرة الفعلية على إحداث تغيير في حسابات الدولة،
فصدور تهديدات من هذا النوع لا يعني بالضرورة أن القاهرة ستتراجع عن مواقفها، كما لا يكفي التهديد وحده للاستنتاج بأن المواجهة العسكرية أصبحت حتمية؛ إذ يتوقف مسار التطورات على طبيعة الإجراءات التي قد تتخذها الأطراف المختلفة، ومدى استعدادها لتحمل تبعات التصعيد.
أحمد سالم علي