Logo

مع أول أيام رمضان.. أزمة معيشية تخنق اليمنيين وتطفئ بهجة الشهر الكريم

 دخل اليمنيون اليوم أول أيام شهر رمضان، في ظل تدهور معيشي غير مسبوق ألقى بظلاله الثقيلة على تفاصيل حياتهم اليومية، وحوّل الاستعدادات للشهر الفضيل إلى عبء إضافي على كاهل أسر أنهكتها سنوات الحرب والانقسام وتوقف الرواتب وانعدام فرص العمل في أغلب محافظات البلاد.

وفي الوقت الذي كانت فيه الأسواق خلال الأعوام الماضية تشهد حراكاً ملحوظاً قبيل حلول رمضان، بدت هذا العام شوارع وأسواق مدينة إب – عاصمة المحافظة – أقل ازدحاماً، وسط ركود تجاري غير معتاد، بحسب أحاديث تجار ومواطنون.  

تقول أم أيمن إنها اعتادت منذ بداية شهر شعبان شراء احتياجات أسرتها استعداداً لرمضان، مستفيدةً من العروض التي كانت تعلنها بعض المتاجر، غير أنها هذا العام لم تتمكن من توفير أبسط المتطلبات اليومية. 

وتشير  إلى أن زوجها موظف متوقف راتبه، فيما لا يزال نجلها – الذي غادر إلى السعودية بطريقة غير نظامية – يبحث عن عمل، كما أن أقاربها الذين كانوا يقدمون لها دعماً سنوياً توقّفوا عن ذلك نتيجة ظروفهم المعيشية، ما أدخل الأسرة في دائرة الفقر.

بدوره، قال التاجر محمد البعداني ، أحد تجار الجملة في شارع العدين بمدينة إب، إن حركة السوق "مشلولة" هذا العام 

مشيراً إلى أن انعدام فرص العمل، وانقطاع الرواتب المستمر، وهجرة رؤوس الأموال إلى الخارج، والتضييق على الموظفين في القطاع المدني، عوامل أسهمت في تدهور القدرة الشرائية للمواطنين 

 لافتاً إلى أن الأوضاع القائمة "تنذر بكارثة" ما لم تُتخذ معالجات حقيقية لوقف التدهور.

وتنعكس الأزمة بوضوح على وجوه المتسوقين، حيث يكتفي كثيرون بشراء الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسيةبعيداً عن الكماليات، لاسيما في ظل ارتفاع أسعارها إلى مستويات قياسية. 

ويقول مسعد أحمد وهو رب أسرة، إنه كان يقوم بشراء كل متطلبات رمضان قبل دخول الشهر الكريم، لكنه الآن ومع دخول يومه الأول يتنقل بين البسطات والمتاجر بحثاً عن أسعار أقل، محاولاً تأمين احتياجات بسيطة لأطفاله خلال رمضان.

ولا تقتصر المعاناة على محافظة بعينها، إذ تؤكد إفادات مواطنين في صنعاء وعدن وتعز والضالع وحضرموت ومحافظات أخرى أن الطبقة المتوسطة تآكلت خلال السنوات الأخيرة، 

مع استمرار الانقسام النقدي بين مناطق الحكومة المعترف بها دولياً ومناطق سيطرة ميليشيا الحوثي، وما نتج عنه من تفاوت في أسعار الصرف وارتفاع تكاليف التحويلات المالية.

ويقول سعيد دبوان، وهو عامل في حضرموت يعيل أسرة في إب، إنه يحتاج إلى نحو 300 ألف ريال لتحويل 100 ألف ريال فقط إلى أسرته في مناطق سيطرة الحوثيين، بسبب فارق الصرف وأجور التحويل، 

مضيفاً أن تراجع العمل مؤخراً حال دون تمكنه من إرسال أي مبالغ حتى اليوم، رغم دخول شهر رمضان المبارك.

و يشير سعيد إلى أنه كان يعود من حضرموت – حيث يعمل مغترباً – إلى مسقط رأسه في إب ثلاث أو أربع مرات على الأقل سنوياً قبل الانقسام المالي والاقتصادي الذي فرضه الحوثيون، 

غير أن فروقات أسعار الصرف وارتفاع تكاليف التحويل وصعوبة التنقل دفعته إلى تقليص زياراته إلى مرة واحدة في العام، وأحياناً لا يتمكن من العودة إلا مرتين خلال ثلاثة أعوام.

هذه المعاناة لا تقتصر على أسرة سعيد، إذ تعيش آلاف الأسر ظروفاً مشابهة، حيث تعتمد على معيلين يعملون (بالأجر اليومي - أعمال شاقة) في المحافظات المحررة التي لا تزال تشهد حراكاً اقتصادياً نسبياً، مقارنة بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

أزمة ممتدة لا ترتبط بالمواسم

ويؤكد المواطن حسين الرصاص أن ما يعيشه اليمنيون يمثل "انهياراً معيشياً شاملاً"، مشيراً إلى تآكل الطبقة المتوسطة وتراجع الأنشطة التجارية والعقارية خلال السنوات الأخيرة، موضحاً أن الأزمة لم تعد مرتبطة بموسم أو مناسبة بعينها.

وأوضح الرصاص أن تداعيات التدهور الاقتصادي لا تقتصر على شهر رمضان أو الأعياد، بل تمتد على مدار العام، في ظل اتساع رقعة الفقر، 

معتبراً أن معاناة المواطنين اليومية لا تحظى بالاهتمام الكافي من قبل السلطات في مناطق الحوثيين أو الحكومة المعترف بها دولياً.

من جانبه، تناول الخبير الاقتصادي علي التويتي في منشور على صفحته تدهور الأوضاع المعيشية وهجرة رؤوس الأموال، 

محذراً من أن الخطر لا يكمن فقط في مغادرة المصنعين والتجار وأصحاب رؤوس الأموال، بل في اتجاه من تبقى منهم إلى التفكير بالهجرة واستثمار أموالهم وخبراتهم خارج البلاد.

وقال التويتي: "المخيف أو الأخوف ليس من هاجر وخرج من العقول والمصنعين والتجار وأصحاب رأس المال المهاجر الذي بهجرتهم وصلنا إلى ما نحن فيه من ركود وبطالة،

 المخيف أكثر أن جميع المتبقين داخل البلاد ممن تبقى لديهم رأس مال سواء صغير أو كبير وحتى الخريجين وأصحاب المهن يفكرون بالهجرة واستثمار أموالهم وخبرتهم خارج البلاد".

وأرجع ذلك إلى أن "الاستثمار داخل البلاد بنظرهم لم يعد ممكناً ولا جدوى منه، فالخلل كبير"، 

مضيفاً: "أتكلم من واقع أعيشه يومياً وليس مجرد أوهام أو أقاويل تُكتب نكاية بطرف أو جهة أو لأغراض سياسية، فقد كرهت السياسة والتحزب والتمنطق الطائفي والمناطقي فالوطن وطناً جميعاً".

وأكد التويتي أن من أبرز أسباب الركود وضعف القوة الشرائية اختلال الدورة النقدية،

 موضحاً أنها "يجب ألا تُجمع في المالية، بل يجب أن تُضخ من المالية كرواتب في كل القطاعات والخدمات والبنية التحتية". 

وأضاف: "الأموال يجب أن تأخذ دورتها الكاملة، وبدورتها يعمل الجميع وينتج ويرتفع دخل الفرد وتنمو الأعمال وتزدهر ويتضاعف الإنتاج وترتفع الإيرادات للحكومة نفسها، والتي بدورها تتوسع في البنية التحتية والخدمات".

وشبّه الدورة النقدية بـ "الدورة الدموية في الجسم"، معتبراً أن الرواتب والخدمات تمثل المغذي الأساسي لكافة القطاعات، وأن تعطيلها ينعكس سلباً على مجمل النشاط الاقتصادي. 

كما لفت إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، وأسعار الوقود والطاقة، وتعدد الجبايات، عوامل تدفع المصنعين إلى المغادرة، في ظل منافسة إنتاج خارجي أقل تكلفة وبيئة استثمارية أكثر استقراراً.

ومع دخول أول أيام رمضان، تتركز أولويات غالبية الأسر على تأمين السلع الأساسية كالدقيق والسكر والزيت، 

فيما تراجعت الكثير من الأصناف التي كانت تُعد مكملةً لمائدة الشهر الكريم، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها اليمنيون، بعيداً عن أجواء الفرح التي اعتادوا استقبال رمضان بها.

 المصدر أونلاين