مومياوات اليمن... نهب منظم أو تعفن وضياع للأبد
- على مرتفعات حبابة الشاهقة بمحافظة عمران شمال غربيّ صنعاء، كان الخمسينيّ حسين بن حسين يمارس هوايته المعتادة متأملاً السفوح عبر منظاره بينما يمضغ القات، فإذا بمشهدٍ لم يكن في الحسبان، صخرة ضخمة مائلة عن موضعها، تخفي خلفها فتحة أشبه بباب في الجبل، نزل ليتفحصها، فلما أزاحها، وجد مومياء محنطة يرقد جسدها في تجويف حجري، فكان اكتشافاً قلب يومه رأساً على عقب.
فوق رأس الجثة، حُفرت كتابات بلغة قديمة غير مفهومة، فأعاد حسين الصخرة إلى مكانها لحماية المومياء من العابثين، فهو ابن المنطقة ويعلم أنها تزخر بمومياوات متناثرة في الجبال،
وسبق للأهالي أن عثروا عليها في مناسبات عديدة عشوائياً، لذلك بادر بالتواصل مع محمد راجح، نائب مدير عام مكتب الهيئة العامة للآثار والمتاحف (التابعة لحكومة صنعاء) في محافظة المحويت شمال غرب البلاد،
للإبلاغ عن اكتشافه، ولضمان حفظ المومياء في مكان ملائم، وبالفعل نُقلت إلى المركز الوطني لحفظ المومياوات في مديرية الطويلة بمحافظة المحويت، في محاولة لحمايتها من التحلّل.
واليوم تُعرض المومياء داخل المتحف، وإلى جوارها خمس جماجم وبعض العظام التي عُثر عليها في الموقع نفسه، وعدد من المومياوات المفتتة داخل صناديق، بحسب الباحث أمجد إسماعيل، الذي يحمل درجة الماجستير في ترميم وصيانة الآثار من جامعة صنعاء،
والذي قال إنّ المتحف الوطني في صنعاء يحتفظ بعشر مومياوات، واحدةٌ منها لرضيع ما جعلها فريدة من نوعها، فيما لدى متحف قسم الآثار والسياحة التعليمي بجامعة صنعاء 6 مومياوات.
اختلافات المومياوات اليمنية عن المصرية
تاريخياً تعد اليمن من الدول القليلة التي توصلت إلى تقنية تحنيط وحفظ الجثث من خلال معالجتها بأعشاب عطرية، وقد جاءت نتائج تحليل الكربون المشع (C14 يستخدم في تحديد عمر المواد العضوية والمتحجرة) للبقايا التي أُخذت من مومياوات اليمن لتؤكد أن تاريخها يمتد إلى القرن الثالث قبل الميلاد،
وحُنطت بآلية تختلف عن الطريقة المصرية، عبر الاعتماد على التمليح والتجفيف باستخدام الأعشاب والعطور واللبان،
إضافة إلى لف الجثة بالأقمشة الكتانية المشبعة بالمواد العطرية والزيوت النباتية، بحسب دراسة المومياوات اليمنية: تاريخ بين الحفظ والفقدان، الصادرة في أغسطس/آب 2025.
وعُثر على مومياوات في مقابر منحوتة في الجبال بمحافظة تعز، وأخرى في مناطق متفرقة من اليمن، أبرزها صنعاء والمحويت وذمار والجوف وشبام الغراس في مديرية بني حشيش شمال شرق صنعاء ومدينة كوكبان في محافظة المحويت وغيرها،
ما يدل على انتشار ممارسة التحنيط في أجزاء واسعة من اليمن القديم، بحسب ما تؤكده الباحثة اليمنية في قسم الآثار والسياحة بجامعة صنعاء، تغريد السفرجل.
وتتنوع المدافن الكهفية التي عثر على مومياوات يمنية بداخلها ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة أشكال، أولها المدافن الكهفية العميقة،
وهي عبارة عن كهوف صخرية طبيعية على واجهات المنحدرات الصخرية، ويصعب الوصول إليها بغير وسائل تسلق متطوّرة، أما الملاجئ الصخرية فعبارة عن فتحات في سفوح الجبال،
في حين أن المدافن الصخرية المنحوتة، تُحفر بأدوات حادة على واجهات المنحدرات بالقرب من المدن، وتتألف من غرف عدّة كما في كهف شِبام الغراس الموجود في تل أثري شمال شرق مدينة صنعاء،
ويُعتقد بأن تلك المدافن تعود إلى عصور سبأ وحمير، وما يدلل على ذلك نقوش كتبت في تلك الكهوف المكتشفة بخط المسند، وهو من أقدم أنظمة الكتابة العربية استخدمته ممالك اليمن القديم، بحسب الدراسة السابقة.
احتفظ اليمنيون القدامى بتراثهم الجنائزي في كهوف جبلية
والمؤسف أن المومياوات المحفوظة في المتاحف اليمنية تتعرض للعديد من التهديدات، منها عوامل التلف، والتحلل الناتج عن سوء العرض والتخزين،
ونظراً لافتقار المتاحف إلى المقومات الأساسية، فإنّ كفاءتها ضعُفت في حفظ الموروث الأثري والمقتنيات التاريخية، وأضحت مظاهر التلف المتعدّد واضحة على المومياوات الموجودة
كما ترصد الدكتورة عميدة شعلان أستاذة الآثار والكتابات العربية القديمة في جامعة صنعاء، والتي تبدي أسفها على ضياع هذا الإرث بقولها:
"كل المومياوات المكتشفة في اليمن تالفة لتعرضها للعبث والنقل العشوائي أو إخراجها من جلدها المحفوظة به، باستثناء مومياء واحدة فقط ظلت سليمة".
لم تنحصر عمليات النبش والتخريب للمواقع الأثرية والمقابر في محافظة دون أخرى، وتجري على مرأى ومسمع من السلطات المحلية، ففي محافظة تعز،
أكد نائب مدير مكتب الهيئة العامة للآثار والمتاحف، أن وتيرة النبش غير الشرعي تصاعدت على نحوٍ ملحوظ منذ اندلاع الحرب عام 2015، مشيراً إلى تلقي 10 بلاغات خلال العام الماضي واردة من مديريات مختلفة في المحافظة، "توثق تخريباً طاول مواقع أثرية"،
ويضيف جسار أن "هناك مومياوات في مدينة تعز معلومة لدى المختصين، ما زالت في مخابئها، ولم يعلن عن مواقعها منعاً لتعرضها للسرقة والتخريب".
وخلال تقصّي "العربي الجديد"، أجمع شهود عيان في صنعاء على وقوع عبث مماثل في قرية زجان بمديرية بني حشيش في محافظة صنعاء، حيث تقع مقابر حِميريّة بعضها ظاهر أو مخفي،
وتُصنف مواقع أثرية وفقاً لسجلات الهيئة العامة للآثار، وللتحقق، توجه مُعِدّ التحقيق إلى الموقع، حيث رصد آثار حفر متناثرة وأكوام تربة وقطع فخارية متناثرة، ما يدل على تنقيب غير شرعي فيها.
وأكد مدير مديرية بني حشيش راجح الحنمي أن عدد المواقع الأثرية في نطاق المديرية يتجاوز العشرة، وتتعرض لتنقيب عشوائي بسبب بحث البعض عن الثراء السريع، والأخطر، أن الكسارات وهي آلات لطحن الحجر من أجل استخدامه في البناء، تعمل منذ سنوات فوق هذه المواقع، مسببة أضراراً تراكمية طاولت طبقات أثرية".
وفي 2021، تسلمت الهيئة العامة للآثار في صنعاء جثة مومياء محنطة عثرت عليها الشرطة ملقاة في مكب قمامة، بعد أن تخلص منها نباشو قبور ومتاجرون عقب شقها والعبث بمحتوياتها بحثاً عن مقتنيات داخلية قابلة للبيع،
ثم تَعفّنت وفشلوا في تهريبها فألقوا بها في مكب للنفايات،
ونقلت إلى المتحف الوطني في صنعاء عبر العميد حسين شرف المأخذي مدير عام إدارة الأدلة الجنائية في وزارة الداخلية التابعة لحكومة صنعاء.
واقعة أخرى تثبت تصاعد عمليات النهب المنظم، يروي ما جرى فيها خالد غالب، المدير العام السابق للهيئة العامة للآثار والمتاحف في إب وسط البلاد،
قائلا إن حفرة صغيرة أحدثها منقّبون وتجار آثار ليلاً في موقع أثري داخل عزلة (وحدة إدارية ريفية) الدامغ في جبل وحود المنجوف بمديرية السياني عام 2021، خلال عملية نبش غير قانونية للبحث عن القطع الثمينة انتهت باكتشاف مومياء تعود لقرون سحيقة،
عندها حضرت السلطات الأمنية إلى المكان، وأُلقت القبض على المتورطين في هذه الجريمة،
وتبين من التحقيقات أنهما يعملان مع عصابة متخصصة في نهب الآثار والمتاجرة بها. ويضيف: "تقدَّر أعمار هذه المومياوات بأكثر من 2500 عام، ونأمل من السلطات العليا أن تولي هذا المجال اهتماماً أكبر لحماية ما تبقّى من الإرث اليمني".
تلك الحوادث، لم تكن سوى جزء من سلسلة انتهاكات متكرّرة تطاول هذا الإرث الحضاري الهام، إذ يستعيد ياسر عبدالله، أحد سكان قرية زجان في مديرية بني حشيش، مشهداً صادِماً حين اكتشف أن عمال إحدى الكسّارات تخلصوا من مومياء عُثر عليها أثناء أعمال التكسير،
يقول: "رمى العمال المومياء من أعلى الجبل، وكانت مكفّنة بجلدٍ رقيق، وجسدها مكتمل بلحية واضحة، وعليها حُليّ زجاجية بلون أخضر من العقيق".
شبكات تهريب المومياوات
فوجئ العشريني المقيم في مدينة تعز صالح عبده، بعثور صديق له خلال نزهة بجبل في ريف تعز على جزء صغير من مومياء وقطعتي عملة معدنية حِميريّة قديمة،
وطلب مساعدته في الاستفادة من الأمر مالياً، ليقرّرا أولاً التوجه إلى مكتب الهيئة العامة للآثار والمتاحف وتسليم القطع لنيل المكافأة المالية استناداً إلى المادة (9) من القانون رقم 21 لسنة 1994 بشأن الآثار،
والتي تنص على أن "من يعثر على أثر منقول على سطح الأرض أو في باطنها عليه إبلاغ الهيئة عنه بغرض تسجيله ويجوز الاحتفاظ به لحين تسلمها له، على أن تقوم بمنحه مكافأة تشجيعية مناسبة بصرف النظر عن درجة قيمته الأثرية".
"لكن المفاجأة كانت صادمة"، يستدرك عبده كما طلب تعريف نفسه حفاظاً على أمنه الشخصي، قائلاً إنّ الهيئة عرضت عليهما مبلغاً هزيلاً بحجة أن "هذه إمكانيات الدولة، وإلّا مع السلامة"، فخرجا محبطَين،
وما إنْ ابتعدا خطوات عن المبنى، حتى لحق بهما أحد الموظفين، وعرض سعراً كبيراً، في مقابل العملات والمومياء فرفضا.
ومن واقع خبرته يقول عبده إنّ بعض الموظفين تحولوا إلى سماسرة يعرضون شراء القطع مباشرة ممن عثروا عليها، بدلاً من تسجيلها لدى الدولة، في تجارة نشطة حتّى على مجموعات "فيسبوك" ودعا معد التحقيق للاطلاع على الأمر،
وبالفعل جرى رصد إعلانات تجار وسماسرة عبر مجموعات باسم "بيع الآثار"، و"توفير أجهزة كشف الآثار في اليمن"، بعضهم عرض مومياوات كاملة وآثاراً متنوعة، فيما تتكدس تعليقات يترك من خلالها مهتمون أرقامهم للتواصل بشأن التهريب والشراء.
ولتوثيق الأمر تواصل، مع أحدهم عبر رقمه المعلن، مرسلاً له عبر "واتساب" صوراً وفيديوهات لمومياوات جمعها من مصادر متخصّصة ومعها مجموعة من القطع الأثرية، بهدف معرفة طرق البيع ومنافذ التهريب والجهات التي تستقبل هذه الآثار خارج اليمن.
فرد التاجر الذي عرف نفسه باسم محمد الغرباني، قائلاً: "السعر وحظّك، حسب قدمها والمشتري الأجنبي، لكنّها ما تنزل عن عشرة آلاف دولار"،
مؤكداً أنه مجرد وسيط بين البائع والمشتري الخارجي ولهم طرقهم في التهريب، بالاعتماد على فريق كامل متخصّص ومرتبط بشبكة داخل اليمن.
وأهم طرق التهريب المعتادة: عبر الحدود الشمالية لليمن، أو ميناء المخا، وحضرموت، قبل أن تنتقل الشحنة إلى أحد التجار في الإمارات أو الأردن، ومنها تُرسل إلى أسواق أوروبية.
ويتطابق ما جاء به التاجر مع إفادة مصدر مسؤول يعمل في مكافحة التهريب رفض التصريح عن اسمه كونه غير مخول بالتصريح لوسائل الإعلام،
مؤكدا أن تهريب الآثار يتم عبر المنافذ البحرية بشكل كبير لأنها تعتبر نقطة ضعف الجمهورية اليمنية، خاصة المخا والبحر الأحمر ومنطقة المهرة في حضرموت، وفي هذه المنافذ، يُهرَّب الكثير من المواد الممنوعة أيضاً، حسب قوله.
كما رصد إعلانا لشخص يعرض مومياء حيوانية قديمة للبيع، فتواصل معه عبر رقم الواتساب المرفق، وحدّد البائع قيمتها بـ 15 ألف دولار، مشيرا أنه يقيم في مديرية همدان بمحافظة صنعاء، وردا على سؤال عن إمكانية بيع المومياوات البشرية،
أجاب نعم، مضيفاً أن استخراج المومياء البشرية يتطلب معدات خاصة وتكاليف مرتفعة، إلا أن مجموعته "مستعدة للتنفيذ في أي وقت". و
حدّد الأسعار بين 20 ألف دولار و30 ألفاً للمومياء الواحدة، وفقاً لنوعها وحالتها وعمق الحفر المطلوب. ليستمر النهب والتدمير، ليس للتراث اليمني فقط وإنما لحقب زمنية كاملة صارت تباع على مواقع التواصل دون حسيب ولا رقيب.
محمد نائل عبد القادر
صحافي ومراسل ومقدم برامج