القضية اليمنيّة أم القضية الجنوبية؟
صارت ما تُعرف بالقضية الجنوبية تحضر بقوة في متن المشهد السياسي اليمني، وخاصة خلال السنوات الأخيرة، وبلغت ذروة حضورها بإعلان بيان الانتقالي الجنوبي (المنحل) انفصالا مؤجلا، ما أثار مخاوف مما تحمله التطورات المقبلة من تصعيد وتدويل للانفصال في بلد يفتقد لدولة كاملة السيادة قائمة بكامل ذاتها السياسية، وتمتلك الإرادة الكافية في اتخاذ قرارها وفقًا لما تمليه مصالحها العامة.
يعيش اليمن في السنوات الأخيرة مظلومية كبيرة ممتدة من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه. لا يعني هذا تقليلًا من مظلومية ما تًعرف بالقضية الجنوبية،
إلا أن تلك المظلومية تعود إلى سنوات ما قبل الحرب، وقد نقول إلى ما قبل إعادة تحقيق الوحدة اليمنيّة عام 1990، أما سنوات الحرب الراهنة (حتى لو توقفنا أمام سنوات ما قبل هذه الحرب أيضًا)
فالبلد كله ينزف؛ لكن قضية اليمن اليوم باتت قضية بلد يتشظى ودولة مقسّمة إلى كانتونات أشبه بالدويلات؛ فيما يعيش اليمنيون جميعا أسوأ مأساة إنسانية من صنع البشر في التاريخ الحديث وفق الأمم المتحدة؛
ما يجعل من استعادة الدولة الجامعة الضامنة أولوية حقيقية ستمهد الطريق لعدالة انتقالية يتم من خلالها تضميد كل الجراح، ومعالجة كل الإشكالات، وجبر كل الضرر؛ لأن الدولة الجامعة هي الضامنة الحقيقية لحقوق أبنائها وإنصافهم.
هنا سنسأل: هل من المنطق السياسي تجاوز معالجة القضية اليمنية ممثلة في اللادولة ومنح أولوية للقضية الجنوبية في الوقت الراهن؟
وإلى أين سيذهب مؤتمر الحوار الجنوبي بالقضية في ظل تقارير ترى أن فكرة عقد هذا المؤتمر خطأ كبير، باعتباره سيلحق ضررًا بالغًا بوحدة البلاد؛ لأنه سيدول مشروع الانفصال؟
وكيف نقرأ ما يتضمنه خطاب مظلومية الجنوب حاليًا، بينما يعتبر البعض ذلك انتهازية سياسية؟
كل الأفكار مطروحة
أمين عام حزب التجمع الوحدوي اليمني، عبدالله عوبل، وهو وزير ثقافة سابق، يقول «لا أعتقد إن ما يجري الإعداد له من حوار جنوبي جنوبي يسعى إلى حل القضية الجنوبية، بل يسعى إلى إيجاد رؤية للحل، وتكون جزءًا من الحل الشامل للأزمة اليمنية.
الناس ذاهبون للتشاور في صيغة يتفق حولها المتحاورون، وتصلح قاعدة لمعالجة القضية الجنوبية ضمن خريطة طريق للحل الشامل».
وأضاف: «لا يجوز الحكم المسبق أن نتائج الحوار ستقود إلى الانفصال، يمكن أن تقود إلى حلول مختلفة فيدرالية أو كونفدرالية أو ربما حكم ذاتي للأقاليم أو المحافظات.
كل الأفكار مطروحة وكل شيء خاضع للبحث. فالحكم أن الحوار سيقود حتمًا إلى الانفصال حكم مستعجل، مع عدم إغلاق هذا الباب، أي أن الانفصال ربما يكون واحدًا من الخيارات، ولكنه ليس قدرًا ولا هو الخيار الوحيد، أو الهدف الوحيد للحوار».
وأكمل عوبل: «القضية الجنوبية تم استغلالها من قبل البعض والمتاجرة بها، وقد تم التربح من وراء شعاراتها، وقد استغلت الإمارات هذه الشعارات المرتبطة بمشاعر الناس، ودفعت نحو تحقيق أهدافها.
لم يتحقق للجنوب شيئا، بل ساءت الخدمات وظروف الحياة، وتم نهب الموارد والجبايات التي فُرضت على المواطن، حتى اتسعت مساحة الجوع والفقر بسبب سياسات الانتقالي، الذي جعل من القضية الجنوبية مصدرًا للإثراء غير المشروع،
وصار عبئًا على المواطن، الذي فقد حتى راتبه في العام الأخير من سطوة الانتقالي».
السرديات
فيما يرى الباحث اليمنيّ، عادل دشيلة، أنه لا يمكن معالجة أزمة اللادولة بدون معالجة الخلل الأمني؛ «ولهذا لا نستطيع أن نعالج الأزمة برمتها، بينما ما زلنا نعاني من خلل أمني وعسكري.
الآن هناك فراغ أمني في المناطق الجنوبية والشرقية، ولابد من ملء هذا الفراغ على وجه التحديد. ومن ثم يبدأ الحديث بعد ذلك عن معالجة الأزمة السياسية في البلد بشكل عام».
وأضاف: «أعتقد بالنسبة لمؤتمر الحوار الجنوبي، أن هذه المبادرة تأتي ضمن مسار احتواء الموقف في المناطق الشرقية والجنوبية، والنقطة الأخرى أنها ستركز على السرديات أكثر من أن تركز على الحلول النهائية.
وعندما أقول السرديات أي أن هناك سرديات موجودة في الجنوب والشرق اليمني.
وكان المجلس الانتقالي يحاول أن يقدّم نفسه على أنه الممثل الوحيد لأبناء هذه المناطق الجنوبية والشرقية باعتباره يحمل السلاح.
الآن هناك سرديات مغايرة، وهناك تيار انفصالي وتيار وحدوي وتيار فيدرالي، وتيار يسعى لحكم ذاتي، وما شابه ذلك.
إذاً سيتم معالجة وجهات نظر هؤلاء والخروج برؤية. المهم فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية لن يكون ضمن مخرجات هذا المؤتمر».
ويرى أن «مؤتمر الحوار الجنوبي، من حيث المبدأ، لا يؤثر على مستقبل الدولة اليمنيّة؛ لأن الخطر كان يتمثل في فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية.
أما قضية التدويل وما شابه ذلك؛ فتوجد مخرجات الحوار الوطني لحل هذه الأزمة؛ وهناك رؤية وطنية جامعة لكيفية حل هذه الأزمة.
أنا لا أستطيع أن أتنبأ بمخرجات هذا المؤتمر، ولكن الأكيد في هذا المؤتمر أن الكل سيدلي بدلوه.
لكن المؤتمر سيلغي سردية المجلس الانتقالي بشكل كامل.
وعمليًا سيناريو الانفصال من طرف واحد انتهى، لكن يبقى سيناريو تفكيك الجغرافية السياسية ليس بشمال وجنوب، لكن بشمال، شرق، جنوب، وغرب، إن صح التعبير، هذا وارد،
إذا لم تعالج الحكومة اليمنيّة المظالم خلال المرحلة الماضية، وعندما أقول المظالم، يعني إشراك الجميع في إدارة المرحلة المقبلة في المناطق الشرقية والجنوبية من دون إقصاء».
ويعتقد دشيلة بضرورة «تبني سردية سياسية واقعية للمظلومية اليمنية في الوقت الرهن. وأعتقد أن الكل يدرك حجم المظالم شمالاً وجنوباً.
لكن الآن يجب أن نتعرف إلى هذه المظالم؛ ونتفادى سردية المظلوميات مستقبلاً، كي لا يتم التغرير بالشباب أو بمن لا يعرف حقيقة الأمور.
ولهذا أول معالجة لأخطاء المظلومية أو خطاب المظلومية يتم من خلال الآليات التي تنظم عمل الحكومة من دون إقصاء لأي طرف».
قابل للتدويل
بينما يعتقد الصحافي والكاتب، محمد الخامري، أن «استجابة الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي لبيان المكونات الجنوبية، وطلبه من المملكة العربية السعودية استضافة مؤتمر جنوبي شامل في الرياض، أخطر سياسياً من الخطوات التي أقدم عليها عيدروس الزُبيدي؛
الذي مهما فعل، يظل متمردا خارج شرعية الدولة، أما حين تنتقل ما تسمّى (القضية الجنوبية) من بيانات ومظاهرات واعتصامات وحتى التمرد داخل اليمن، إلى طلب رسمي صادر عن رأس الدولة، وبرعاية دولة إقليمية، وتحت غطاء مؤتمر سياسي؛ يعقد في عاصمة القرار العربي،
وقد يُدعى أو يحضر ممثلون عن مجلس التعاون الخليجي، والجامعة العربية، وبعض المسؤولين في دول أخرى كما حصل في اتفاق الرياض بين عيدروس وهادي،
فنحن لا ننفخ الهواء في بالون فقط، بل نرفعه إلى فضاء جديد، وننقله من مستوى محلي قابل للاحتواء، إلى مستوى إقليمي قابل للتدويل، وهنا جوهر الخطورة».
وقال: «التحول الأخطر هنا هو الانتقال من مظالم داخلية، كان يمكن، بل يجب التعامل معها بوصفها مظالم حقوقية في سياق انهيار دولة شامل، إلى إعادة تعريفها كقضية جنوبية مستقلة بذاتها، تحتاج رعاية إقليمية، وقد تستدعي لاحقاً ضمانات دولية».
أحمد الأغبري