Logo

"ربط الصراع المحلي بسرديات دينية وسياسية". . كيف يجنّد الحوثيون الأطفال؟

 برزت مخاوف تربوية وحقوقية في اليمن أخيراً، بعدما كشفت وثيقة رسمية صادرة عن وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي التابعة للحوثيين في صنعاء توجيهات بتنفيذ المستوى الثاني ممّا أُطلق عليه اسم "دورات طوفان الأقصى"، في المدارس الثانوية التابعة لها. 

وقد وُصف ذلك بأنّه تصعيد جديد في سياسة الحوثيين الرامية إلى استقطاب تلاميذ المدارس وتعبئتهم أيديولوجياً، بما في ذلك "عسكرياً"، تحت غطاء أنشطة تعليمية وثقافية.

ووفقاً للوثيقة المذكورة التي وُجّهت إلى مديري مكاتب التربية في المديريات المعنية، فإنّ هذه الدورات تأتي "انتصاراً لمظلومية الشعب الفلسطيني" و"إسهاماً في طوفان الأقصى"، وذلك بناءً على "توجيهات زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي. 

وتنصّ الوثيقة على وجوب استضافة المدارس الثانوية "دورات طوفان الأقصى" المخصّصة لتلاميذ الصف الأول الثانوي كما الصف الثاني وكذلك الثالث، وتقديم "التسهيلات والإمكانات المتاحة" لتنفيذها بإشراف مباشر من "مسؤولي التعبئة"،

 بالتنسيق مع ما يُطلَق عليه اسم "التعبئة العامة" في المحافظات والمديريات.

ويرى تربويون أنّ هذه التوجيهات تنطوي على "طابع تعبوي وعسكري" للأنشطة المذكورة، مع ابتعادها عن أيّ مضمون تعليمي. 

وفي هذا الإطار، يقول متخصّص تربوي في إحدى مدارس صنعاء، إنّ "دورات طوفان الأقصى ليست برامج تثقيفية بحسب ما يُروَّج لها، بل هي دورات مغلقة ذات برنامج موحّد؛ تبدأ بمحاضرات عقائدية مكثّفة تمجّد الحرب وتربط الصراع المحلي بسرديات دينية وسياسية، 

قبل الانتقال إلى تدريبات شبه عسكرية تشمل الانضباط والطاعة واستخدام السلاح الخفيف نظرياً وعملياً في بعض الحالات".

يضيف المتخصّص التربوي نفسه أنّ "إقحام المدارس في هذا النوع من الأنشطة ينسف ما تبقّى من العملية التعليمية، ويضع التلاميذ أمام خيارَين: إمّا الالتحاق بهذه الدورات وإمّا التعرّض للضغط والحرمان من حقوقهم الدراسية"، 

مبيّناً أنّ من شأن ذلك أن "يمثّل أخطر تهديد لدور المدرسة بوصفها مؤسسة مدنية محايدة".

وتثير التوجيهات الخاصة بـ"دورات طوفان الأقصى" المخاوف، ولا سيّما أنّ تقارير سابقة كانت قد أشارت إلى اتّساع نطاق تجنيد الأطفال دون 18 عاماً في مناطق سيطرة الحوثيين. 

في هذا السياق، كشف تقرير أصدره فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي المعني باليمن عن توثيق تجنيد 214 طفلاً منذ أواخر يونيو/ حزيران 2024 وحتى أغسطس/ آب 2025. 

وبيّن التقرير أنّ عمليات التجنيد لا تقتصر على الإغراءات المالية فحسب، بل تشمل الإكراه، والضغط الاجتماعي، والحرمان من الحقوق الأساسية.

وأوضح التقرير أنّ الحوثيين يعتمدون أساليب ممنهجة عبر وزارة التربية والتعليم في حكومتهم غير المعترف بها، وتتركّز عمليات تجنيد الأطفال بغالبيتها في محافظات صنعاء وعمران وحجّة والبيضاء وذمّار. 

وبيّن أنّ الأطفال الذين رفضوا دورات سابقة أو فرّوا منها حُرموا من شهادات التعليم الأساسي، فيما تعرّضت أسرهم للضغط والحرمان من المساعدات الإنسانية، مثل السلال الغذائية وغاز الطهي.

ولفت تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي المعني باليمن إلى أنّ أطفالاً في سنّ العاشرة خضعوا لدورات أيديولوجية امتدّت على 40 يوماً، 

فيما أُجريت تدريبات عسكرية امتدّت على 45 يوماً للأطفال ما بين 15 عاماً و18، قبل نشرهم في جبهات القتال أو تكليفهم بمهام خطرة، من قبيل التصوير الدعائي وأعمال التمويه وزرع الألغام. 

ووفقاً للتقرير نفسه، فقد خُرّجت ثماني دفعات من المجنّدين الأطفال، بلغ قوام كلّ دفعة نحو سبعة آلاف طفل، أي ما يقارب 56 ألف طفل.
 
في سياق متصل، يقول الناشط الحقوقي عبد العليم أحمد سلطان إنّ تجنيد الأطفال في المدارس والشبّان في الجامعات "يُعَدّ جريمة حرب وانتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني". 

ويشير إلى أنّ اتفاقية حقوق الطفل، والبروتوكول الاختياري الملحق بها بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، يجرّمان بصورة واضحة تجنيد أو استخدام أيّ شخص دون 18 عاماً في الأعمال القتالية. 

ويؤكد سلطان أنّ "ما يجري في مناطق سيطرة الحوثيين يمثّل انتهاكاً صارخاً لهذه المواثيق، ويضع المسؤولين عنه تحت طائلة المساءلة الدولية".

من جهتها، كانت منظمة "ميون" لحقوق الإنسان قد أفادت، في تقرير أصدرته في فبراير/ شباط 2025، بأنّها وثّقت استخدام نحو 700 مدرسة حكومية وأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين مراكزَ تجنيد للأطفال وتدريبهم على مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بإشراف مباشر من وزارتَي الدفاع والتربية والتعليم التابعتَين للجماعة.

 يُذكر أنّ "ميون" منظمة يمنية مستقلة تُعنى برصد انتهاكات حقوق الإنسان وتوثيقها، وتعمل على مناصرة الضحايا وتعزيز العدالة والمساءلة، مع السعي إلى ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وبناء شراكات فاعلة تعزّز الحرية والكرامة في اليمن.

تجدر الإشارة إلى أنّ عمليات التعبئة لا تقتصر على المدارس، إذ شهدت الجامعات الواقعة في مناطق سيطرة الحوثيين، في الأعوام الماضية، حملات استقطاب واسعة عبر اتحادات طالبية موالية لهؤلاء، ودورات فكرية إجبارية، وربط الحصول على الخدمات الأكاديمية أو السكن الجامعي بالمشاركة في أنشطة الجماعة.

وفي الرابع من فبراير/ شباط 2025، أفادت منظمة "صحافيات بلا قيود" بأنّ "جماعة الحوثي تواصل تحويل الجامعات والمعاهد التعليمية إلى مراكز للتعبئة العسكرية والأيديولوجية، 

واستخدمت 23 جامعة حكومية وخاصة وسبعة معاهد تعليمية في محافظات عدّة بين أكتوبر/ تشرين الأول 2024 ويناير/ كانون الثاني 2025، في شكل ممنهج، للتجنيد والتدريب العسكريَّين".

وذكرت المنظمة غير الحكومية، التي تتبنّى وتناصر قضايا حقوق الإنسان، بحسب تعريفها عن نفسها، أنّ "الحوثيين فرضوا التجنيد الإجباري على آلاف الطلاب، من خلال دورات طوفان الأقصى التي تضمّنت تدريبات على استخدام الأسلحة النارية والثقيلة، وجرى دمج طلاب كثيرين قسراً في ما يُسمّى قوات التعبئة العامة". 

وتابعت أنّ "الذين يرفضون الامتثال يواجهون الطرد أو الاحتجاز أو أشكالاً أخرى من الاضطهاد، وهذا اعتداء مباشر على الحريات الأكاديمية والفكرية، وتهديد خطر للحريات الأكاديمية، وانتهاك لقوانين حقوق الإنسان الدولية".

فخر العزب
صحافي يمني