Logo

الهاشمية السياسية في اليمن.. رؤية من زاوية وطنية

 الإهداء

إلى روح فقيد الوطن ورسول السلام والتعايش جار الله عمر في ذكرى اغتياله الثالثة والعشرين، وإلى الشباب اليمني الأصيل بناة الغد المشرق والتواقين إلى مستقبل تسود فيه دولة النظام والقانون والمواطنة المتساوية،

 وإلى كل يمني شريف يعتصر ألمًا بسبب ما وصلت إليه اليمن من تشظٍ وصراعات المشاريع الضيقة وصراع المصالح الشخصية والجهوية،

 إلى أولئك المناضلين الذين ارتقوا على درب النضال من أجل الحرية والكرامة للشعب اليمني وبذلوا حياتهم في سبيل القيم الوطنية والأخلاقية التي تعيد الإنسان اليمني إلى التربع على قمة المجد الحضاري بعيدًا عن الزيف والخداع وانتصارًا للهوية والانتماء الوطني العظيم ونبذ الانتماءات الدخيلة على اليمن، 

إليكم جميعًا نقدم هذه الورقة البحثية لتنير جزءًا من الطريق المظلم الذي تسيرون فيه فاقدين للبوصلة التي توصلكم إلى الحقيقة.

تُعدّ الهاشمية السياسية في اليمن واحدة من أكثر الظواهر التاريخية تعقيدًا وتأثيرًا في مسار الدولة والمجتمع، إذ لا يمكن فهم كثير من أزمات الحاضر دون تفكيك جذورها الفكرية والسياسية التي تشكّلت عبر قرون.

 ومن زاوية وطنية، لا يُنظر إلى هذه الظاهرة بوصفها انتماءً دينيًا أو اجتماعيًا بريئًا، بل كمشروع سياسي سلالي استثمر الدين والنسب لإنتاج سلطة مغلقة تقوم على الامتياز الوراثي وتعيد تعريف المجتمع على أساس التفاضل لا المواطنة.

لعل أولى الإشارات الفكرية التي مهدت لظهور الهاشمية السياسية تعود إلى اللحظة المفصلية التي أعقبت وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، حين اجتمع الصحابة في سقيفة بني ساعدة لمناقشة مسألة الحكم. 

ورغم أن ذلك الحدث انتهى بتكريس مبدأ الشورى واختيار الخليفة من خارج البيت النبوي، 

إلا أن الجدل الذي أُثير لاحقًا حول “أحقية القربى” فتح الباب أمام تحويل الخلاف السياسي إلى مسألة نسب وسلالة.

 هنا بدأ التحول التدريجي من دعوة إسلامية رسالتها البلاغ والهداية، إلى تصورات سياسية ترى في القرابة من الرسول مصدرًا للشرعية والسلطة، وهو ما شكّل النواة الأولى للفكر السلالي الذي سيجد لاحقًا تجسيده الأوضح في مشاريع الإمامة.

في اليمن، لم تظهر الهاشمية السياسية بوصفها امتدادًا طبيعيًا للتاريخ المحلي، بل دخلت كفكرة وافدة مع قدوم الإمام الهادي يحيى بن الحسين الرسي في أواخر القرن الثالث الهجري. 

ومنذ تلك اللحظة، جرى تأسيس نموذج حكم يقوم على حصر الحق في الإمامة في سلالة بعينها، مع اشتراط النسب الهاشمي بوصفه شرطًا جوهريًا للحكم. 

لم يكن هذا التحول مجرد اختلاف فقهي، بل انقلابًا عميقًا على البنية الاجتماعية والسياسية اليمنية التي عرفت، عبر تاريخها القديم والإسلامي، أشكالًا متنوعة من الحكم القائم على التوافق القبلي والكفاءة والقدرة على القيادة.

توسّع النفوذ الهاشمي في اليمن لم يكن نتيجة قبول اجتماعي عام، بل جاء عبر مزيج من التحالفات القسرية، والصراعات المسلحة، وإعادة إنتاج خطاب ديني يمنح السلالة موقعًا فوق المجتمع. 

وقد استُخدم مفهوم “الاصطفاء” و”الحق الإلهي” لتبرير احتكار السلطة، وإقصاء بقية اليمنيين من حقهم في الحكم، وتحويلهم إلى رعايا لا شركاء. 

وعلى الرغم من فترات الانقطاع والانحسار، ظل هذا المشروع يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، مستفيدًا من ضعف الدولة، والانقسامات الداخلية، وتوظيف المظلومية التاريخية كلما سنحت الفرصة.

من منظور وطني، تمثل الهاشمية السياسية عائقًا بنيويًا أمام قيام دولة حديثة في اليمن، لأنها تتناقض جوهريًا مع فكرة المواطنة المتساوية، وتعيد المجتمع إلى منطق الامتيازات الوراثية. 

كما أنها تُفرغ الدين من بعده القيمي والأخلاقي، وتحوله إلى أداة سياسية تُستخدم لتكريس الهيمنة وإضفاء قداسة على الصراع.

 إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الانتماء الهاشمي بوصفه هوية اجتماعية، بل في تحويل هذا الانتماء إلى مشروع سياسي مغلق يسعى لفرض نفسه على اليمنيين جميعًا.

إن قراءة نشوء وتوسع الهاشمية السياسية في اليمن قراءة نقدية هادئة لا تهدف إلى استدعاء الصراعات أو تغذية الكراهية، بل إلى فهم جذور الأزمة اليمنية بوعي تاريخي ومسؤولية وطنية.

 فبناء يمن حديث ومستقر يقتضي القطيعة مع كل المشاريع السلالية، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة التي تقوم على الدستور والقانون، لا على النسب والاصطفاء، وعلى الشراكة الوطنية لا الامتياز، وعلى الانتماء لليمن بوصفه وطنًا جامعًا لا غنيمة سياسية.

خرافة آل البيت وسيلة لتوسيع نفوذ الهاشمية السياسية في اليمن

لم تكن خرافة «آل البيت» في اليمن يومًا مسألة دينية خالصة أو امتدادًا طبيعيًا للتدين الشعبي، بل شكّلت منذ نشأتها أداة سياسية مركزية لتوسيع نفوذ الهاشمية السياسية، التي أُعلن تأسيسها مع قدوم الإمام الوافد يحيى بن الحسين الرسي في أواخر القرن الثالث الهجري. 

فمنذ تلك اللحظة، جرى إدخال تصور جديد للحكم يقوم على الاصطفاء السلالي والحق الإلهي الوراثي، في قطيعة واضحة مع البنية التاريخية للمجتمع اليمني التي عرفت التعدد ورفض الاحتكار الوراثي للسلطة، ولم تُؤسَّس يومًا على مفهوم الطبقة المقدسة أو الامتياز العرقي.

في سياق الصراعات الممتدة التي عاشتها اليمن، برزت مخاطر عميقة تهدد جوهر الهوية الوطنية، لا بفعل العنف المسلح وحده، بل نتيجة انزلاق الوعي العام نحو تفسيرات خاطئة لطبيعة الصراع، جرى فيها استبدال التحليل السياسي العقلاني بخطابات مناطقية ومذهبية حجبت جوهر الأزمة. 

وقد أسهم هذا الانزلاق في إعادة إنتاج سرديات دخيلة على المجتمع اليمني، كان أخطرها تلك التي أعادت إحياء فكرة النسب المقدس بوصفها أساسًا للشرعية والامتياز، بما أضعف الانتماء الوطني وعرقل مسارات الديمقراطية والتنمية، وهدد بطمس الهوية اليمنية المتشكلة عبر تاريخ طويل سابق على هذه الانقسامات الطارئة.

عند العودة إلى الجذور التاريخية، يتضح أن مشروع الإمامة الهادوية لم يكن امتدادًا للبيئة اليمنية، بل مشروعًا سياسيًا–دينيًا وافدًا، استند إلى فكرة الإمامة في البطنين والحق الإلهي في الحكم، واحتاج منذ لحظته الأولى إلى أدوات رمزية تمنحه شرعية تفوق شرعية القوة أو القبول الاجتماعي.

 في هذا السياق، جرى توظيف ادعاء النسب إلى «آل البيت» بوصفه رأسمالًا رمزيًا يمنح حامليه مكانة فوق تاريخية، ويعيد ترتيب المجتمع على أساس التمييز السلالي، لا على أساس الكفاءة أو الرضا العام.

تحولت مسألة النسب تدريجيًا من ادعاء عائلي محدود إلى سردية أيديولوجية واسعة، أُعيد إنتاجها عبر قرون، حتى أصبحت أداة لإعادة هندسة المجتمع سياسيًا واجتماعيًا.

 ولم يكن هذا التحول بريئًا أو عفويًا، بل ارتبط مباشرة بالصراع على السلطة، حيث استُخدم النسب لتكريس فكرة الأحقية في الحكم، ومنح الامتياز الاجتماعي، وإضفاء طابع قدسي على منظومة حكم كهنوتية تخفي جوهرها السياسي خلف خطاب ديني.

وعند إخضاع هذه السردية للفحص الديني، يقدم القرآن تصورًا حاسمًا لمسألة النسب، إذ يؤكد انقطاع الذرية الذكورية للنبي محمد ﷺ، وينفي أي امتداد نسلي ذكوري بعد وفاته. 

ويضع هذا المعطى حدًا واضحًا لأي محاولة لإقامة سلالة سياسية دائمة تستمد شرعيتها من القرابة البيولوجية. 

كما أن تحويل النسب عبر الإناث إلى أساس للامتياز السياسي أو الاجتماعي يظل إشكاليًا، خاصة حين يُوظف لتبرير التفاوت والاصطفاء، بما يتناقض مع المقصد الأخلاقي للإسلام القائم على المساواة بين البشر، واعتبار التفاضل قائمًا على العمل والقيم لا على الدم.

تاريخيًا، لم يعرف المجتمع اليمني في مراحله الأولى بعد دخول الإسلام قبولًا واسعًا لفكرة الطبقة السلالية المقدسة. فقد تفاعل اليمنيون مع الإسلام بوصفه رسالة قيمية وأخلاقية، دون أن يتخلوا عن بنيتهم الاجتماعية المتجذرة أو يقبلوا بسهولة بفكرة التفوق الوراثي. 

غير أن فترات الاضطراب السياسي، وتراجع الدولة المركزية، وفرت بيئة مواتية لانتشار الادعاءات النسبية، حيث جرى توظيفها كبديل عن الشرعية السياسية القائمة على الإنجاز أو التوافق المجتمعي.

وعند تفكيك البنية الاجتماعية للعائلات التي تدّعي هذا النسب في اليمن، تتكشف صورة أكثر تعقيدًا مما ترويه السرديات التقليدية. 

فجزء كبير من هذه العائلات يمني الجذور، أعاد تأويل تاريخه تحت تأثير المكانة الرمزية التي يمنحها الادعاء بالنسب، بينما تعود عائلات أخرى إلى أصول غير واضحة تشكلت في سياقات هجرة واضطراب، فوجدت في النسب المزعوم إطارًا يمنحها حضورًا اجتماعيًا مميزًا. 

وفي الحالتين، لا يقوم الأمر على أدلة تاريخية متماسكة، بل على روايات متأخرة أُنتجت في سياق تبريري يخدم السلطة أكثر مما يخدم الحقيقة.

تدعم المعطيات العلمية الحديثة هذا التفكيك، إذ تكشف الدراسات الجينية عن صعوبة، بل استحالة، إثبات وجود نسب واحد متصل ومتجانس يمكن إرجاعه إلى شخصين أو ثلاثة ثم افتراض امتداده عبر أكثر من ألف عام ليشمل نسبة معتبرة من السكان. 

كما أن التباينات الجينية الواضحة بين كثير من العائلات التي تدّعي الانتماء إلى سلالة واحدة تدحض فرضية الأصل المشترك، وتؤكد الطابع البنائي الاجتماعي والسياسي لهذه الأنساب، لا طابعها البيولوجي الحقيقي.

وتزداد الإشكالية وضوحًا عند النظر إلى الأبعاد الديموغرافية، إذ تشير التقديرات المتداولة إلى أن نسبة المدّعين للنسب إلى آل البيت في اليمن تتراوح بين خمسة وسبعة في المائة من السكان، وهي نسبة يصعب تبريرها وفق قوانين الوراثة والتكاثر السكاني، خاصة في بلد عرف الحروب والأوبئة والهجرات والانقطاعات السكانية المتكررة. 

ولا يمكن تفسير هذا التضخم العددي إلا بوصفه نتيجة توسع سياسي واجتماعي في مفهوم النسب، لا امتدادًا طبيعيًا لسلالة واحدة.

تكمن خطورة هذه السردية في أثرها المباشر على الهوية الوطنية، إذ يؤدي إعادة تعريف المجتمع على أساس أنساب متخيلة إلى تقويض مفهوم المواطنة المتساوية، واستبداله بمنطق الامتياز الوراثي، بما يفتح الباب أمام صراعات مستدامة ويغذي الانقسامات المذهبية والمناطقية. 

وبدل أن تكون الهوية اليمنية إطارًا جامعًا يستوعب التنوع، تتحول إلى ساحة صراع بين روايات متنازعة، كل منها تدّعي امتلاك الحقيقة والشرعية.

إن تفكيك خرافة النسب إلى آل البيت في اليمن لا يستهدف الدين ولا ينتقص من مكانة النبي، بل يعيد الاعتبار لجوهر الرسالة الإسلامية في بعدها الإنساني والأخلاقي، بوصفها رسالة مساواة وعدل، لا مشروع حكم كهنوتي سلالي. 

وهو في الوقت ذاته خطوة ضرورية لحماية الهوية الوطنية اليمنية من التفكك، واستعادة الوعي بطبيعة الصراع بوصفه صراعًا سياسيًا على السلطة، لا صراعًا دينيًا أو عرقيًا.

إن قراءة هذه الظاهرة بوصفها ظاهرة سياسية، لا دينية، تتيح فهمًا أكثر اتزانًا لتاريخ اليمن الحديث، وتكشف كيف جرى توظيف المقدس لتكريس الامتياز، وكيف تحولت الأسطورة إلى أداة حكم. 

كما تفتح الباب أمام إعادة بناء الهوية اليمنية الجامعة، القائمة على المواطنة والتاريخ المشترك، لا على الانتساب السلالي، وتضع هذه السردية في إطارها الحقيقي: آلية من آليات السلطة، لا حقيقة ثابتة فوق النقد.

وفي المحصلة، فإن مواجهة المخاطر التي تهدد الهوية اليمنية اليوم لا تتحقق بالشعارات أو الانفعالات، بل عبر قراءة نقدية هادئة للتاريخ، واحتكام واعٍ للنص الديني، والاستفادة الجادة من منجزات العلم الحديث. 

حين تتكامل هذه الأدوات، تتراجع السرديات الهشة، ويبرز الإنسان اليمني بوصفه مواطنًا كامل الحقوق والواجبات، متساويًا في الكرامة والمسؤولية، وقادرًا على بناء مستقبل يتجاوز أوهام الاصطفاء، ويستعيد جوهر الهوية اليمنية الجامعة.

قراءة الباحث: هاشم جوهر