Logo

التحديات التاريخية أمام بناء الدولة اليمنية الحديثة

 في الحديث عن أزمة بناء الدولة المدنية الحديثة في اليمن، لا يمكن التعامل مع المسألة بوصفها نتاج إخفاقات سياسية معاصرة فقط، بل هي حصيلة تراكم تاريخي طويل من الصراعات على السلطة، وتضارب الهويات، وتوظيف الدين والنسب بوصفهما أدوات حكم، بما أعاق تشكّل مفهوم الدولة بوصفها عقدًا اجتماعيًا يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون. 

فاليمن، خلافًا للصورة النمطية التي تُقدَّم أحيانًا، ليس مجتمعًا طارئًا على فكرة الدولة أو التنظيم السياسي، بل يمتلك إرثًا حضاريًا ومدنيًا عميقًا سبق الإسلام بقرون طويلة.

عرف اليمن القديم أشكالًا متقدمة من التنظيم السياسي والإداري، تجلّت في دول ومعابد وقوانين مكتوبة، كما في سبأ وقتبان ومعين وحِمْيَر، حيث كان الحكم مؤسسيًا نسبيًا، وتداخلت السلطة السياسية بالدين دون أن تتحول إلى ثيوقراطية مغلقة. 

وتشير النقوش المسندية والدراسات الأثرية إلى وجود مفهوم للصالح العام وإدارة الموارد والعلاقات بين المركز والأطراف، وهو ما يؤكد أن المجتمع اليمني كان مهيأً تاريخيًا لتطوير مفهوم الدولة، لا لتلقيه من الخارج. 

ومع دخول اليمنيين في الإسلام طواعية في القرن السابع الميلادي، لم يحدث قطيعة مع هذا الإرث، بل جرى تكييفه مع القيم الإسلامية القائمة على العدل والمساواة ونفي الامتيازات العرقية، وهو ما انعكس في سرعة انتشار الإسلام في اليمن دون حروب كبرى أو فرض قسري.

غير أن التحول المفصلي الذي أثّر بعمق في مسار الدولة والمجتمع حدث في نهاية القرن الثالث الهجري، مع قدوم الإمام الهادي يحيى بن الحسين الرسي إلى صعدة عام 284هـ/897م.

 فقد أدخل هذا الحدث نموذجًا جديدًا للحكم لم يكن منسجمًا مع البنية الاجتماعية والسياسية اليمنية، قائمًا على فكرة “الحق الإلهي” في الحكم، المحصور في سلالة بعينها تُنسب إلى آل البيت، وتحديدًا ما عُرف فقهيًا بإمامة “البطنين”.

 هذا التصور لم يُؤسَّس على عقد اجتماعي أو اختيار عام، بل على تأويل ديني يمنح الشرعية السياسية بالنسب لا بالكفاءة أو الرضا الشعبي.

وتشير المصادر التاريخية المبكرة، مثل روايات الهمداني وابن الأثير، إلى أن القبائل اليمنية قاومت هذا النموذج منذ البداية، ورفضت الخضوع لسلطة لا ترى فيها امتدادًا طبيعيًا لتقاليدها السياسية. 

وقد وجد الإمام الهادي نفسه معزولًا اجتماعيًا في كثير من المراحل، ولم يتمكن من بسط نفوذه إلا عبر التحالفات القبلية المؤقتة أو توظيف الخطاب الديني لتجاوز هذا الرفض. 

ومن هنا بدأ توظيف النسب الهاشمي كأداة سياسية، لا بوصفه حقيقة تاريخية قابلة للتحقق العلمي، بل باعتباره رمزًا للقداسة يمنح صاحبه امتيازًا سياسيًا واجتماعيًا.

ومع تطور منظومة الحكم الإمامي، جرى توسيع دائرة “الاصطفاء” عبر منح صفة الانتماء إلى آل البيت أو القرب منهم لعدد من الأسر اليمنية، مقابل الولاء والطاعة، وهو ما أسهم في تشكّل طبقة سياسية-دينية مغلقة، محاطة بهالة من العصمة والقداسة، في مقابل غالبية مجتمعية وُضعت في موقع “الرعية”.

 هذا التقسيم الطبقي، الذي وثّقه عدد من الباحثين المعاصرين في دراساتهم حول البنية الاجتماعية للإمامة الزيدية، شكّل حجر الزاوية في تعطيل تطور مفهوم الدولة المدنية، لأنه قوّض مبدأ المساواة، وحوّل الانتماء السياسي من رابطة وطنية إلى رابطة نسبية متخيَّلة.

وقد ترتب على ذلك زرع هويات دخيلة على المجتمع اليمني، لا تستند إلى حقائق بيولوجية أو تاريخية ثابتة، منها الهوية التي تدّعي النسب إلى آل البيت النبوي، بينما جميعهم عائلات يمنية لم تخرج عن إطار التنوع الاجتماعي، وتم تعزيزها من خلال سرديات فقهية وسياسية جرى تكريسها عبر التعليم الديني والخطاب الوعظي، ما أدى إلى إعادة إنتاج الصراع الاجتماعي عبر القرون.

 فكل محاولة لبناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية كانت تُواجَه باعتبارها تهديدًا “للنظام الإلهي”، وهو ما يفسر إخفاقات متكررة في إقامة كيان سياسي جامع، حتى في الفترات التي شهدت ضعفًا أو انحسارًا للحكم الإمامي.

وفي العصر الحديث، مثّلت ثورة 26 سبتمبر 1962 لحظة تاريخية فارقة، إذ سعت إلى إسقاط النظام الإمامي وإقامة دولة جمهورية مدنية تقوم على مبدأ المواطنة لا السلالة. 

كما جاءت ثورة 14 أكتوبر 1963 في الجنوب في السياق ذاته، كحركة تحرر وطني تهدف إلى بناء دولة حديثة بعد الاستعمار. 

غير أن هاتين الثورتين، رغم أهميتهما الرمزية والسياسية، واجهتا مقاومة شرسة من قوى اجتماعية وسياسية ارتبطت تاريخيًا بالامتيازات السلالية، أو رأت في الدولة المدنية تهديدًا لبنيتها التقليدية. 

وتشير دراسات حديثة في علم الاجتماع السياسي اليمني إلى أن هذا “اللوبي السلالي” لم يختفِ بسقوط الإمامة، بل أعاد إنتاج نفسه بأشكال جديدة، متكيفًا مع التحولات الإقليمية والدولية، ومحتفظًا بجوهر الفكرة نفسها: نفي الدولة لصالح الجماعة المقدسة.

إن المعضلة الأساسية التي حالت دون قيام دولة مدنية حديثة في اليمن لا تكمن في “فشل اليمنيين” في إدارة شؤونهم، بل في صراع عميق بين مشروعين: مشروع الدولة بوصفها كيانًا قانونيًا محايدًا، ومشروع السلطة بوصفها امتيازًا موروثًا ومحصنًا بالدين. 

وما لم يُحسم هذا الصراع لصالح مفهوم الدولة الجامعة، عبر تفكيك الأسس الفكرية والتاريخية للتمييز السلالي، وإعادة الاعتبار للهوية اليمنية بوصفها هوية سياسية وثقافية جامعة، فإن أي محاولة لبناء دولة مدنية ستظل عرضة للانتكاس، مهما تبدلت الشعارات أو النخب.

وفي هذا السياق، فإن استعادة الذاكرة التاريخية اليمنية، لا بوصفها حنينًا للماضي، بل كمصدر للشرعية الوطنية، تمثل مدخلًا أساسيًا لرؤية وطنية جديدة، تعيد وصل ما انقطع بين اليمني والدولة، وتؤكد أن الدولة المدنية ليست فكرة دخيلة، بل امتداد طبيعي لإرث حضاري عريق، جرى تعطيله طويلًا بفعل منظومات حكم قامت على القداسة لا على المواطنة.

المراجع:
1- الهمداني، صفة جزيرة العرب، تحقيق محمد بن علي الأكوع.
2- ابن الأثير، الكامل في التاريخ.
3- حسين بن عبد الله العمري، الإمامة الزيدية: نشأتها وتطورها.
4- عبد الله البردوني، اليمن الجمهوري.
5- أحمد عبد الرحمن الشامي، الفكر السياسي الزيدي.
6- بول دريش، تاريخ اليمن الحديث (ترجمة عربية).
7- دراسات مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية حول الهوية والدولة في اليمن.

قراءة: هاشم جوهر
كاتب وباحث يمني