تظاهرة النكف لأبناء المناطق الوسطى
عندما نتابع ردود الافعال على النكف القبلي في المنطقة الوسطى، فان بعض القراءات السطحية تتجه إلى تفسيره باعتباره حنينًا إلى كيانات ما قبل الدولة، أو محاولة لإحياء أعراف تقليدية على حساب النظام والقانون.
بينما يذهب آخرون إلى تحميله أبعادًا سياسية أو توظيفه ضمن صراعات لا تمت بصلة لدوافعه الحقيقية.
غير أن هذا الفهم يجانبه الصواب ويتناقض جذريًا مع تاريخ ومزاج المنطقة الوسطى، التي تميّزت، منذ أكثر من ستة عقود، بنضال ابناءها المستمر من أجل قيام الدولة المدنية الحديثة، القائمة على سيادة القانون والمواطنة المتساوية، ورفضها لكل أشكال الامتياز الطبقي أو المناطقي.
إن النكف القبلي في هذا السياق لا يُفهم إلا بوصفه فعل احتجاج جماعي اضطراري، فرضته حالة انسداد قانوني وحقوقي مزمنة، لا بوصفه بديلًا عن الدولة أو نقيضًا لها.
فالمنطقة الوسطى لم تلجأ إلى النكف إلا بعد أن تراكمت علي ابناءها مظالم جسيمة، شملت جنايات بحق أبنائها، واعتقالات خارج إطار القانون، وتطبيقًا انتقائيًا للعدالة، يُسرّع تنفيذ الأحكام حين تكون ضد أبناء المنطقة، ويُماطل ويُسوّف حين تكون في صالحهم.
هذا الاختلال البنيوي في عمل مؤسسات الدولة، لا سيما القضائية والتنفيذية، هو ما دفع المجتمع إلى البحث عن وسائل ضغط سلمية، يكون هدفها الأساس استعادة حضور الدولة وخضوع الجميع لها لا القفز عليها.
لقد عانت المنطقة الوسطى على مر الزمن من ممارسات تنمّ عن عقلية استعلاء وتمييز، ما تزال تتعامل مع اليمن بمنطق التقسيم غير المعلن بين “يمن أعلى” و“يمن أسفل”،
وكأن هناك يمن اعلى يمتلك حق الفعل دون مساءلة، مقابل يمن اسفل يُطلب منهم تقبّل الظلم بإذعان، والتخلي عن حقهم في الدفاع عن أنفسهم أو المطالبة بحقوقهم المشروعة.
أمام هذا الواقع، يصبح النكف تعبيرًا عن رفض جماعي لهذه الثنائية الجائرة، ورسالة واضحة بأن الصبر على الظلم لم يعد خيارًا امام المنطقة باسرها ، وأن الاحتجاج السلمي المنظم يظل حقًا مشروعًا يكفله الدستور والقانون حين تغيب العدالة.
ومن هنا، فإن أي محاولة للتعامل مع النكف خارج إطاره القانوني والحقوقي، أو السعي لتحويله إلى قضية أمنية أو سياسية، تمثل التفافًا مرفوضًا على جوهر المطالب التي دفعت إليه، وفي مقدمتها تنفيذ الأحكام القضائية الواجبة النفاذ، ووقف الاعتقالات غير القانونية، وإنهاء سياسة الكيل بمكيالين.
كما نحذر من أي مساعٍ لتشويه النكف أو توجيه اتهامات جماعية لأبناء المنطقة الوسطى، أو استخدام هذه القضية كوسيلة ابتزاز سياسي أو مناطقي، لأن ذلك لا يؤدي إلا إلى تعميق الشرخ وتقويض ما تبقى من الثقة بين المجتمع والدولة.
إن النكف، في جوهره، ليس خروجًا على الدولة، بل صرخة في وجه غيابها، ومحاولة أخيرة لاستدعائها إلى القيام بواجبها.
وهو، بهذا المعنى، فعل احتجاج سلمي مشروع، يضع المسؤولية كاملة على عاتق السلطات، ويؤكد أن الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر القمع أو التشويه، بل عبر العدالة، وسيادة القانون، واحترام كرامة المواطنين دون تمييز.
قراءة: د. عمر العودي