Logo

نَكف آل فَاضِل: لَحظة اسْتيقاظ "ريدان" في وَجْدان "يَحْصِب"

 لم يكن الاحتشاد المهيب الذي شهدته محافظة إب استجابةً لدعوة (نَكف آل فاضل) مجرد تظاهرة قبلية عابرة، أو فزعة محدودة لرفع مظلومية أسرة؛ بل كان استعادة حية لذاكرة الأرض وإرثها التاريخي.

 لقد أعاد هذا الاحتشاد صياغة "خارطة التموضع" القبلي الوطني في اليمن، معلناً الوفاء لإرث يمني أصيل لا يرى في القبيلة أداة للفوضى، بل راعية للحق وسنداً للمظلوم حين تغيب مؤسسات الدولة أو ينال منها عبث الفاسدين. 

وحين وصف أديب اليمن الكبير خالد الرويشان هذا الحدث بـ (النكف الأعظم) ونعته الأديب خَرْصان بأنه (تجاوز حدود التوقع وسبق الفرضيات)، لم يكن ذلك من باب المبالغة، بل هو إقرار لسطور الماضي في كتاب الحاضر، وقراءة واعية لحدث استثنائي أيقظ في وجدان اليمنيين إرثاً ضارباً في عمق المجد والسيادة.

استدعاء التاريخ: من ظفار إلى قمم العود

رسم مشهد الحشود التي تقاطرت لتلبية دعوة (بيت فاضل) بعثاً جديداً لخارطة التموضع التي شيدتها "دولة ذي ريدان" في قلب أرض يَحْصِب وقمم العود؛ تلك الجغرافيا التي انطلقت منها أعظم إمبراطورية يمانية عرفها التاريخ. 

ومن بين ثنايا تلك القمم، صِيغت أسفار المجد لـ (أسعد الكامل) الذي لم يشيّد ملكه بالسيف وحده، بل بإقامة العدل على أساس "المواطنة" قبل أن يعرفها العالم، وتأمين السبل (طرق القوافل وإيلاف اليمن) والحقوق قبل تأمين العصبة، مستفيداً بعبقرية سياسية من تجارب قَتبان ليؤسس لدولة النظام والقانون ويبني مجداً لا تغيب عنه الشمس.

ولعل الربط بين "النكف" والتاريخ ليس ترفاً، بل دلالة على أن (المناطق الوسطى - إب) ليست مجرد جغرافيا خضراء، بل هي عاصمة وجدانية عبر التاريخ، تفرض إيقاعها على مسار التحولات الوطنية.

من المظلومية الفردية إلى إحياء الدولة

تجاوز "النكف" بتفاعله الوجداني حدود المظلومية الشخصية، ليعانق مظلومية "اليمن الكبير". وقوبلت دعوة (آل فاضل) باستجابة عارمة لأنها لمست جرحاً وطنياً غائراً يتمثل في تآكل مبدأ المواطنة واختلال قيم العدالة. 

وعلى عكس المقارنات السطحية للمشهد بوضع حال المواطن غير القادر على الحشد، فإن نَكف (آل فاضل) قد قام بالدور عن الجميع، وكان بمثابة "مكبر صوت" لكل مواطن يرفض الالتفاف على العدالة، ويستهجن التمييز الذي يهتك النسيج الاجتماعي وينخر في هيبة الدولة. 

فمن لا يذود عن كرامة الإنسان، ولا ينتصر لسيادة الحق، هو أعجز من أن يدافع عن كرامة وطن أو سيادة أمة.

المناطق الوسطى: حارس الجمهورية والنسيج الاجتماعي

تختزل الحروف وصف هذا المشهد الذي أعاد للمناطق الوسطى هيبتها كحارس أمين لإرث الدولة.

 وبربط هذا الإرث بقراءة مشهد الالتفاف نجد أنه ليس وليد اللحظة، بل هو استدعاء لذاكرة التضحيات النضالية التي قدمتها المناطق الوسطى في سبيل بناء الدولة وإرساء النظام. 

وأوضح التفاعل العام مع الاحتشاد عمق الفجوة بين تضحيات الشعب وسطوة مراكز النفوذ، معلناً بلسان فصيح: "إن المواطن يستجير بالعدل من سطوة الاستعلاء، وبسيادة القانون من طغيان التمييز". 

وأكدت المناطق الوسطى في هذا (المشهد الجامع) أنها تنحاز للعدل، وتشهر وفاءها للإرث التاريخي للقبيلة المتمدنة. 

وأثبتت أن إب كانت دوماً حجر الزاوية في بناء الأنظمة السياسية اليمنية، ولا تقبل بأن يكون النظام ستاراً للمتسلطين، بل سيفاً للمظلومين، وذلك بإجماع كافة التوجهات والأطياف.

دلالات المشهد: رسالة للداخل والخارج

حمل مشهد النَكف لبيت فاضل تفاعلات واسعة جعلت من القضية ليست مظلومية أسرة وحسب، بل هي انحياز للكرامة والمواطنة والمساواة. وتجاوز التفاعل الإطار الفردي ليلامس وجع اليمن الكبير في انتهاك أركان عدالته. 

وتحول الداعي القبلي إلى دعوة رسمية عامة، وحشود لبَّت الدعوة، وحضور القامات الوازنة، والتفاف تأييد وطني عام من أقيال وحكماء اليمن في كل ثَرَى الوطن. 

وكان المشهد بمثابة إعلان الاحتماء بالعدل والقانون من سطوة النفوذ، وبالمواطنة والمساواة من ثقافة الاستعلاء التي تحاول خدش وجه الدولة بسيوف التمييز السقيمة. 

وأصبحت الرسالة التي خرجت من قمم (المناطق الوسطى - إب) لا تحتمل التأويل: (من لا يدافع عن كرامة الإنسان وسيادة الحق وإرساء النظام العادل، هو أعجز من أن يدافع عن كرامة وسيادة وطن.

 وأن من يرتهن سيادة الأوطان هو أعجز من أن يحافظ على كرامة إنسان).

الخلاصة: بيان للتاريخ

سجل مشهد النكف الدور الرائد لأسرة بيت فاضل في محطات تاريخ المناطق الوسطى. وتحول مشهد (القضية العادلة) لأسرة إلى تفاعل والتِفاف شعبي ورسمي ضد انحدار الدولة وانتهاك أركان عدالتها ومواطنتها وسيادتها، جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً، في لحظة يمر بها الوطن لا تحتمل الترف أو الحياد الزائف.

وعلى عكس القراءات القاصرة التي تحاول ربط المشهد بتفاعلات واهية وعدم التفاعل بالاستجابة الفورية الموازية لحجم المشهد، فإن نَكف (آل فاضل) قد أطلق صرخةً يمنية خالصة مفادها: (إن هتك أركان الدولة بالعمالة، وقيم العدالة بالتمييز، هو الخيانة العظمى التي تنتهك وحدة النسيج الاجتماعي في الدفاع عن الوطن، وتنال من التضحيات والمواقف الثابتة في مواجهة العدوان والارتهان).

وخلاصة البيان الذي حُمِّلت حروفه على أكتاف الرجال من كل حدبٍ وصوب تقول: كفى استهانةً بالنسيج الاجتماعي، وكفى نخراً في ما تبقى من ظل الدولة.

 فمن يعجز عن حماية كرامة الإنسان وسيادة الحق في أرض يحصب وإب والوطن عامة، فهو أعجز من أن يذود عن سيادة وطن. فكرامة اليمن تبدأ من كرامة مواطنه، وسيادة القانون وإرساء النظام والعدل هي الطريق الوحيد لسيادة الأوطان.

بقلم: إبراهيم أحمد الشعيبي