"المجلس الانتقالي الجنوبي" منحلّ في الرياض… قائم في عدن
بعد مرور شهرين على إعلان قيادات من المجلس الانتقالي الجنوبي حله بكافة أجهزته ومكاتبه في الداخل والخارج،
يبدو أن مفاعيل القرار لم تُترجم على الأرض، فالوقائع الميدانية في العاصمة المؤقتة عدن وعدد من المحافظات الجنوبية تكشف عن فجوة واسعة بين الإعلان والقدرة على التنفيذ، لا سيما أن رئيس المجلس عيدروس الزبيدي إلى جانب قيادات أخرى وازنة رفضت الحل.
وفي التاسع من يناير/كانون الثاني الماضي، ظهر الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي، عبد الرحمن الصبيحي، في مقطع مصور من الرياض، محاطاً بوفد يضم أكثر من خمسين كادراً من هيئة الرئاسة والقيادات التنفيذية،
ليعلن في بيان رسمي حلّ المجلس بكافة أجهزته ومكاتبه في الداخل والخارج، والتحول نحو "حوار جنوبي شامل" برعاية سعودية.
وكان من المفترض أن ينهي هذا الإعلان حقبة "السلطة الموازية" التي بدأت في مايو/أيار 2017، ويضع حداً لنفوذ الكيان الذي نافس الحكومة المعترف بها دولياً بسطوة السلاح والتمثيل السياسي تحديداً في المحافظات الجنوبية والشرقية.
قيادات "المجلس الانتقالي" تمارس مهامها
لكن حتى اليوم لا تزال قيادات المجلس ممن رفضت قرار الحل تمارس مهامها في تأكيد على عدم اعترافها بقرار الحل، فيما تراهن بشكل رئيسي على المزاج الشعبي الذي يميل في جزء منه إلى معسكر الزبيدي إلى جانب احتفاظ هذا التيار بولاءات عسكرية.
وامتد الانقسام إلى شاشات التلفزة؛ فبينما تستمر قناة "عدن المستقلة" التابعة لـ"الانتقالي" في خطابها التصعيدي من قلب الجنوب، بزغت من الرياض قناة "الجنوب اليوم" بدعم سعودي، وجهاً جديداً يحاول إعادة صياغة الهوية الجنوبية بلهجة أقل حدة.
وهكذا يجد المتابع نفسه أمام مشهد سريالي: مجلس "منحلّ" سياسياً في الرياض، لكنه "قائم" سياسياً وعسكرياً وإعلامياً في عدن.
وكان قرار حل المجلس قد أحدث انقساماً حاداً في صفوف قياداته؛ فبينما شكك التيار المؤيد لرئيس المجلس عيدروس الزبيدي، والذي لا تزال قيادات منه في عدن ومحافظات جنوبية عدة، في مشروعية القرار،
معتبراً أنه صدر تحت ضغوط "الإقامة الجبرية" في الرياض، برر تيار آخر الخطوة بأنها ردة فعل طبيعية على تحركات عسكرية أحادية.
ويرى المدافعون عن الحل أن انفراد رئيس المجلس عيدروس الزبيدي، بقرار التصعيد في حضرموت والمهرة، بتوجيهات إقليمية، قد مسّ الأمن القومي السعودي بشكل مباشر، مما دفع الرياض إلى التدخل لضبط المشهد بعد تجاوز التنسيق المشترك في المحافظات الشرقية.
وعلى الرغم من الزخم السياسي الذي رافق قرار الحل، إلا أنه يفتقر حتى اللحظة إلى آليات عملية موازية تجرّد المجلس المنحل من ركائز قوته التي تكرّسه سلطةَ أمر واقع.
فلا تزال أعلام الانفصال وصور عيدروس الزبيدي ترفع في المناطق الجنوبية فيما تحتفظ القوات المسلحة الجنوبية" برمزيتها السياسية ولا تزال ترفع أعلام الانفصال وصور الزبيدي وإن كانت الفترة الأخيرة بدأت تقلّص من رفع صور الزبيدي الى حد كبير،
فيما أعطت السلطات أخيراً توجيهات بمنع طباعة صور الرموز السياسية الا بموافقة إدارة الأمن، في خطوة قرئت على أنها محاولة لتقليص انتشار صور الزببدي.
وتضع كل هذه التطورات توجهات الحكومة المعترف بها دولياً لتوحيد القرار العسكري والأمني أمام استحقاقات معقدة لم تُترجم بعد على أرض الواقع.
بموازاة ذلك، شهدت الفترة الماضية إعادة تموضع سياسي تمظهر عقب الإعلان عن الحكومة اليمنية الجديدة من الرياض في 6 فبراير/شباط الماضي، والتي ضمت ستة وزراء كانوا محسوبين على الخط السياسي نفسه للمجلس الانتقالي الجنوبي وباتوا عملياً ضمن ما يطلق عليه معسكر الانتقالي المحسوب على الرياض.
وهم: سالم السقطري (الزراعة والثروة السمكية)، وسالم العولقي (الخدمة المدنية)، ومختار اليافعي (الشؤون الاجتماعية)، وعدنان الكاف (الكهرباء)، إضافة إلى وزيري الدولة عبد الرحمن شيخ وهو أيضاً محافظ عدن، وأحمد الصالح.
وتأتي هذه المشاركة الحكومية في وقت لا تزال فيه هيئات "الانتقالي" تمارس أنشطتها الاعتيادية وتعقد اجتماعاتها في المقرات الرسمية للمجلس، متحديةً محاولات الإغلاق التي تنفذها القوات الحكومية بين الحين والآخر،
كما حدث أخيراً مع مقر الأمانة العامة لهيئة الرئاسة، الذي عاود نشاطه الأحد الماضي بعد وقت قصير من إغلاقه.
وفي مقابل قرارات الحل الرسمية، يواصل المجلس الانتقالي تصدير خطابه السياسي والإعلامي المنادي بالانفصال عبر منبر قناة "عدن المستقلة"، بالتوازي مع استمرار هيئاته في إصدار البيانات الصحافية التي تحدد مواقفها من القضايا الوطنية والدولية.
وجاءت إعادة هيكلة مجلس القيادة الرئاسي لتعمّق مأزق "الانتقالي"، مع استبعاد الزبيدي وفرج البحسني وتعيين محمود الصبيحي وسالم الخنبشي بديلين، مع الإبقاء على عبد الرحمن المحرمي.
وقد قيّد هذا الإحلال نفوذ المجلس عبر تصدير شخصيات وازنة تحظى بثقة الرياض وثقل ميداني، ما جرّد تيار الزبيدي من غطائه الرسمي وحوّله إلى كيان موازٍ يفتقر للاعتراف الإقليمي المباشر والمناورة السياسية.
تمسك بالبقاء في المشهد
وقال القائم بأعمال رئيس الجمعية الوطنية بالمجلس الانتقالي الجنوبي نصر هرهرة ، إن شرعية المجلس الانتقالي تستمد وجودها من التفويض الشعبي المباشر للزبيدي عبر "إعلان عدن التاريخي" في مايو/أيار 2017، والذي كلف القيادة السياسية بحمل قضية الجنوب حتى استعادة الدولة.
ووفقاً للمادة 30 من النظام الأساسي، لا يحل المجلس نفسه إلا عقب استعادة الدولة وتكوين مؤسساتها الوطنية عبر صناديق الاقتراع؛ مما يجعل أي قرار بالحل صادر من الخارج فاقداً للصلاحية القانونية التي ينفرد بها "مجلس العموم" بهيئاته التشريعية والرقابية".
وأضاف هرهرة أنه في الجانب التنظيمي يتبين أن الكتلة المرتبطة ببيان الحل في الرياض هي "القيادة التنفيذية العليا" الممثلة لحصة المجلس في الحكومة، وهي هيئة وظيفية متغيرة لا تملك حق اتخاذ قرارات سيادية،
كما أن قيادات الصف الأول من رؤساء الغرف التشريعية يديرون العمل المؤسسي من الداخل، مما ينفي وجود انقسام حقيقي في الهياكل الأساسية".
وفي الجانب الميداني، أشار هرهرة إلى أن القوات العسكرية الجنوبية "تظل متمسكة بولائها المطلق للرئيس الزبيدي بصفته القائد الأعلى، مستندة إلى عقيدة وطنية ثابتة ترى في الهوية الجنوبية منطلقاً لا يتأثر بتجاذبات الأجنحة السياسية أو الضغوط الإقليمية،
وقد تعزز هذا الاستقرار بتفعيل القيادات المحلية في كافة المستويات السيادية لضمان وحدة القيادة والقرار".
وشدد هرهرة على أن "محاولة تصفية المجلس سياسياً لن تنهي القضية الجنوبية، بل ستخلق فراغاً أمنياً قد تملؤه قوى راديكالية مثل "القاعدة" و"داعش"،
كما أن استهداف الحامل السياسي للجنوب في ظل استمرار نشاط الأحزاب الأخرى ومحاولات "تفريخ" مكونات بديلة يعد تناقضاً يعيق الحل الشامل، خصوصاً أن المجلس يمثل ركيزة أساسية في السلطة الشرعية القائمة، وتجاوزه سيدفع بالمشهد نحو تشظٍ سياسي وميداني يهدد استقرار المنطقة برمتها".
بدوره، رأى المحلل السياسي خالد المقطري ، أن الفجوة بين "شرعية القرار" في الرياض و"سطوة السلاح" في عدن تضع الجنوب أمام سيناريو استنزاف بارد، لا صدام مسلح وشيك؛
وأوضح أن "قرار حل المجلس سياسياً لم يمسّ الهيكل العسكري المتجذر، مما يجعل أي مواجهة عسكرية مباشرة مغامرة انتحارية لكافة الأطراف، فالقوات الموالية لقرار الحل تدرك أن تجاوز "خطوط التماس" الميدانية في عدن سيفجر صراعاً أهلياً واسعاً،
لذا سيبقى المشهد معلقاً بين سلطة سياسية معترف بها دولياً وقوة عسكرية تفرض أمراً واقعاً ميدانياً، بانتظار توافقات إقليمية أعمق".
وأضاف المقطري أنه بخصوص "فائض القوة"، من المرجح أن تلجأ السعودية إلى سياسة "الاحتواء المالي" وتجفيف منابع التمويل تدريجياً لإضعاف الولاءات التنظيمية بدلاً من الصدام العسكري.
واستردك بالقول: "مع ذلك، فإن السيطرة الميدانية الراسخة لألوية الانتقالي ستجعل تجاوزها أمراً بالغ الصعوبة، مما قد يجبر الرياض في نهاية المطاف على العودة إلى طاولة التفاوض،
ليس للاعتراف بالمجلس بما هو كيان سياسي، بل للبحث عن "صيغة دمج" تضمن استيعاب هذه القوة داخل هيكل الدولة الرسمي مقابل ضمانات سياسية للقيادات الميدانية".
فخر العزب
صحافي يمني