اليمنيون وخديعة السلالة: ألف عام من الإجابة على السؤال الخطأ
تتشكل في المجتمعات العربية والإسلامية عموماً، وفي اليمن خصوصاً، ظواهر اجتماعية معقدة تختلط فيها المعتقدات الدينية بالتراكمات السياسية والتاريخية، فتتحول إلى مسلمات يصعب نقاشها أو مراجعتها.
من أخطر هذه الظواهر وأكثرها تعقيداً ظاهرة ادعاء النسب إلى البيت النبوي الشريف من قبل أسر يمنية، وهي ظاهرة تجاوزت كونها مجرد نسب فخري إلى أن أصبحت قضية مركزية تتحكم في بنية المجتمع اليمني، وتقسمه إلى طبقات وتذكي صراعات داخلية لا طائل منها.
إنها حكاية تم زراعتها بعناية على مدى قرون، فتحولت إلى هوية مزيفة يتقاتل الناس حولها، بينما تغيب عنهم أسئلة جوهرية حول حقيقتها وأصولها السياسية.
تمتد جذور هذه الظاهرة إلى القرن الثالث الهجري تزامنا مع قدوم الامام الهادي يحيى بن الحسين الرسي الفارسي حيث بدا بتاسيس المذهب الزيدي ، حيث بدأ اتباعه الأئمة الزيديون في ترسيخ نظام حكم قائم على فكرة الامتياز النسبي، فكان ادعاء النسب إلى آل البيت بمثابة صك شرعي يمنح الحكام الشرعية،
وفي المقابل يمنح الأسر الموالية لهم نفوذاً وسلطة ومكانة اجتماعية لا يمكن بلوغها بأي طريق آخر.
لم يكن هذا النسب حقيقة بيولوجية يمكن إثباتها بالوثائق أو العلوم الوراثية الحديثة، بل كان جزءاً من أيديولوجيا سياسية متكاملة، هدفت إلى تكريس نظام كهنوتي طبقي، تقوم شرعيته على فكرة الاصطفاء الإلهي المزعوم، وليس على الكفاءة أو العدالة أو إرادة الناس.
وهكذا تحولت القبائل والأسر اليمنية التي كانت تحظى بمكانتها الاجتماعية المستقلة إلى تابعة لهذا النظام، مقابل منحها امتيازات نسبية جعلتها في قمة الهرم الاجتماعي.
النتيجة المباشرة لهذا البناء الهش كانت انزلاق المجتمع اليمني إلى دائرة صراع عقيم، دارت فيه الأسئلة حول "من هو السيد؟ ومن هو القبيلي؟"
وكأن هذه التقسيمات هي المعيار الوحيد للقيمة الإنسانية والاجتماعية.
لقد أُهدرت طاقات هائلة من الجدل والصراع والتناحر حول إجابات لأسئلة خاطئة أصلاً،
فانشغل الناس بفهرسة الأسر وتصنيفها وتتبع سلاسل نسب وهميه وهي موضوعة في معظمها ولا تستند الى اي اثبات علمي او وراثي بيولوجي حقيقي ، بدلاً من الانشغال ببناء الدولة والمجتمع على أسس المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.
حتى أصبحت هذه الخرافة حقيقة ثابتة في أذهان كثير من الأسر، تتناقلها الأجيال وكأنها مسلمات دينية لا تقبل النقاش.
وهنا يحضرنا المثل الذي يُروى عن البرت أينشتاين، حين سأله أحد تلامذته عن معنى المنطق، فلم يجب مباشرة بل ضرب مثالاً قال فيه: لنفترض أن عاملين دخلا مدخنة لتنظيفها، خرج أحدهما بوجه متسخ والآخر بوجه نظيف، من منهما سيذهب ليغسل وجهه؟
أجاب التلميذ بثقة: ذو الوجه المتسخ بالطبع. لكن أينشتاين صحح له: الذي سيغسل وجهه هو صاحب الوجه النظيف، لأنه نظر إلى زميله فظن أن وجهه متسخ مثله، بينما ذو الوجه المتسخ رأى زميله نظيفاً فظن أنه نظيف أيضاً.
وعندما أبدى التلميذ إعجابه بالمنطق السليم للإجابة، فاجأه أينشتاين بقوله: لا، السؤال نفسه غير منطقي، فكيف يدخل رجلان إلى مدخنة واحدة في وقت واحد ويخرج أحدهما نظيفاً والآخر متسخاً؟
هذه القصة تعبر تماماً عما يحدث في المجتمع اليمني فيما يخص قضية النسب، فكل النقاشات والصراعات حول من هو السيد ومن هو القبيلي، وكل المحاولات لترتيب الأولويات الاجتماعية على أساس هذه التصنيفات،
هي بمثابة انشغال بالإجابة على سؤال خاطئ من الأساس. فليس من المنطقي أن تستمر أسر بأكملها في العصر الحديث في التمايز الاجتماعي على أساس نسب بيولوجي لم يثبت بأي دليل علمي،
وليس من المنطقي أن يظل المجتمع اليمني منقسماً بهذه الطريقة على أساس خرافة عمرها أكثر من ألف عام، كانت في جوهرها أداة للسيطرة السياسية والاستبداد الكهنوتي.
السؤال الصحيح الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس "من هو السيد ومن هو القبيلي؟" بل "هل هذه الأسر اليمنية التي تدعي النسب إلى البيت النبوي تمتد جذورها فعلاً إلى آل البيت بنسب بيولوجي مؤكد؟
أم أن هذه الادعاءات كانت مجرد جزء من مشروع سياسي كرسه الأئمة لشرعية حكمهم ومنحوا بموجبه صكوك النسب لأسر قبلية يمنية مقابل ولائهم؟"
والأهم من ذلك: متى نصحو من غفلتنا ونؤمن بهويتنا الحقيقية المتمثلة في انتمائنا لهذه الأرض الطيبة، وتاريخنا الحضاري العريق، وإرثنا الثقافي المتنوع، بدلاً من التمسك بهويات دخيلة ومزيفة زرعت فينا لتكون أدوات للصراع والانقسام والاستبداد؟
إن الخروج من هذه المتاهة يتطلب شجاعة في مواجهة المسلمات، وعقلية نقدية قادرة على تفكيك الخطابات الموروثة، وإرادة سياسية واجتماعية تضع حداً لهذا التقسيم الطبقي الذي لا يمت إلى الإسلام بصلة، ولا إلى الحضارة اليمنية العريقة بشيء.
فاليمن اليوم أحوج ما تكون إلى الوحدة والتسامح والمساواة، وإلى الالتفات نحو بناء مستقبل يقوم على المواطنة المتساوية، بعيداً عن أوهام النسب التي طالما استُخدمت لتبرير الظلم والاستبداد.
لقد حان الوقت لنضع الأسئلة الصحيحة في مكانها الصحيح، ولنترك الأسئلة الخاطئة وما يترتب عليها من صراعات وهمية، لنبدأ رحلة تصحيح الوعي التي طال انتظارها.
* هاشم جوهر
كاتب وباحث يمني