Logo

الحوثيون من معارك العصابات إلى الحرب الإقليمية

 بعد مرور شهر على اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، قال ‌الجيش الإسرائيلي اليوم السبت إنه تم رصد إطلاق صاروخ من اليمن للمرة الأولى.

ولم تتوفر حتى الآن سوى تفاصيل قليلة، بما في ذلك عمن أطلق الصاروخ وعلى أي هدف، لكن أنباء الهجوم جاءت بعد ساعات قليلة من إعلان الحوثيين المتحالفين مع إيران ​استعدادهم للتدخل إذا استمر ما وصفته الجماعة بالتصعيد ضد طهران و"محور المقاومة".

ولأن الحوثيين مدججون بالسلاح وقادرون على توجيه ضربات لجيرانهم في الخليج، فإن أي تدخل لهم في الصراع قد يسبب اضطرابات كبيرة بحركة الملاحة البحرية حول شبه الجزيرة العربية، في وقت تعاني فيه التجارة العالمية من الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز.

 دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الحرب، بعد إعلان جماعة الحوثي انخراطها إلى جانب إيران، وتنفيذ أول عملية عسكرية ضد "إسرائيل"، ليكتمل بذلك انخراط جميع أعضاء ما يسمى "محور المقاومة" في الحرب.

الجماعة الحوثية التزمت الحياد طيلة شهر، ثم أعلنت تنفيذ أول عملية استهدفت بها ما قالت إنها مواقع حساسة في جنوب "إسرائيل". في المقابل، أعلن جيش الاحتلال اعتراض صاروخ وتدميره دون أضرار.

جاء انخراط الحوثيين في أعقاب تهديدات إيرانية بفتح جبهة باب المندب والبحر الأحمر، في إشارة لجماعة الحوثي، وكيل إيران في ركن الجزيرة العربية الجنوبي، الأمر الذي يضع المنطقة والعالم أمام تحدٍ جديد للملاحة وخطوط نقل الطاقة.

وفي ما يلي نظرة على الأسباب المحتملة لذلك:

من هم الحوثيون؟

الحوثيون هم حركة عسكرية وسياسية ودينية تقودها عائلة الحوثي وتتمركز في شمال اليمن. وهم ينتمون إلى المذهب الزيدي، إحدى فرق الشيعة.

وللحوثيين تاريخ في خوض حروب عصابات مع الجيش اليمني، لكنهم وسعوا نطاق نفوذهم وأقاموا علاقات أوثق مع إيران بعد احتجاجات "الربيع العربي" عام 2011.

واستغلت الجماعة حال ‌عدم الاستقرار في ‌البلاد، وسيطرت على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014.

وفي العام التالي ​قادت ‌السعودية ⁠تحالفاً من ​دول ⁠عربية في تدخل عسكري لمحاولة طرد الجماعة.

أظهر الحوثيون قدرات كبيرة في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة، وهاجموا منشآت نفطية وبنية تحتية حيوية في السعودية والإمارات.

وبعد سنوات من القتال الذي أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، توسطت الأمم المتحدة في إبرام هدنة عام 2022 بين الأطراف المتحاربة في اليمن، والتي لا تزال سارية حتى الآن.

هجمات البحر الأحمر

بعد الهجوم الذي قادته حركة "حماس" على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي قوبل بشن حملة عسكرية إسرائيلية مدمرة على قطاع غزة، بدأ الحوثيون قصف السفن في البحر الأحمر، قائلين إنهم ⁠يفعلون ذلك دعماً للفلسطينيين.

وأطلقوا طائرات مسيرة وصواريخ على إسرائيل، التي ردت بشن غارات جوية ‌على أهداف للحوثيين. وشنت الولايات المتحدة أيضاً غارات ضد الحوثيين، الذين أوقفوا ‌هجماتهم عقب وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين ​إسرائيل و"حماس" في أكتوبر 2025.

لماذا ‌لم يدخلوا الحرب في وقت سابق؟

في الخامس من مارس (آذار) قال زعيم الحركة عبدالملك الحوثي ‌إن الجماعة جاهزة للهجوم في أية لحظة. وذكر في خطاب بثه التلفزيون "إيادينا على الزناد فيما يتعلق بالتصعيد والتحرك العسكري في أية لحظة تقتضي التطورات ذلك".

ولكن على عكس جماعة "حزب الله" اللبنانية والجماعات المسلحة العراقية، لم يصدر الحوثيون أي إعلان رسمي عن انضمامهم إلى الحرب. 

و الجمعة كررت الجماعة تحذيرها مع احتدام الحرب، وبعد بضع ساعات، قالت إسرائيل إنها رصدت إطلاق صاروخ من ‌اليمن.
 
وعلى رغم أن إيران تدعم جماعة الحوثي باعتبارها جزءاً من "محور المقاومة" في ⁠المنطقة، يقول متخصصون في ⁠الشأن اليمني إن الجماعة مدفوعة في المقام الأول بأجندة داخلية على رغم تقاربها السياسي مع إيران و"حزب الله".

وتقول الولايات المتحدة إن إيران قامت بتسليح الحوثيين وتمويلهم وتدريبهم بمساعدة الحزب.

وينفي الحوثيون أنهم وكلاء لإيران، ويؤكدون أنهم يطورون أسلحتهم بأنفسهم.

ما الذي يمكن أن يقدموا عليه؟

تنقسم آراء المراقبين في شأن المسار الذي قد يتخذه الحوثيون، وهم جماعة معروفة بتقلب مواقفها.

ويعتقد بعض الدبلوماسيين والمحللين أنهم ربما نفذوا بالفعل هجمات متفرقة على أهداف في دول مجاورة. ولم يتسن لـ"رويترز" التحقق من صحة هذه الأقوال.

ويقول آخرون إن الحوثيين يترقبون اللحظة المناسبة للدخول في الصراع، بالتنسيق مع إيران، بهدف ممارسة أقصى قدر من الضغط.

ويمكن أن يتيح الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز أمام صادرات النفط والغاز من دول الخليج العربية والتحول إلى الاعتماد بصورة كبيرة على البحر الأحمر فرصة مواتية لذلك.

وقالت الجماعة الجمعة انها مستعدة للتحرك إذا انضمت دول أخرى إلى الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما على إيران، أو إذا تم استخدام البحر ​الأحمر لشن هجمات عليها.

وأثار هذا التحذير ​احتمال حدوث مواجهة إقليمية أوسع نطاقاً، لا سيما بالنظر إلى قدرة الحوثيين على قصف أهداف بعيدة من اليمن وتعطيل ممرات الشحن البحري حول شبه الجزيرة العربية، وهو ما من شأنه أن يعرقل التجارة العالمية.

انخراط متأخر

على لسان المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثي، يحيى سريع، أعلنت الجماعة رسمياً الانخراط في الحرب، إسناداً ودعماً لإيران وجبهات المقاومة في لبنان والعراق وفلسطين، بعد شهر من بدء الحرب.

وقال سريع في بيان صدر السبت (28 مارس)، إنه ونظراً إلى استمرار التصعيد العسكري واستهداف البنية التحتية والمجازر في لبنان وإيران والعراق وفلسطين، فإن قوات الجماعة نفذت أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية ضد أهداف عسكرية حساسة جنوب الأراضي المحتلة.
 
وفجر السبت (28 مارس) أعلن الجيش الإسرائيلي رصد إطلاق صاروخ من اليمن باتجاه جنوب "إسرائيل"، بالتزامن مع إعلان جماعة الحوثي استعدادها للتدخل العسكري في حال استمرار التصعيد ضد إيران.

من جانبها، قالت القناة "12" الإسرائيلية إنه جرى اعتراض صاروخ باليستي أُطلق من اليمن باتجاه مناطق جنوبي "إسرائيل"، دون وقوع إصابات، بينما أشارت هيئة البث إلى أن صفارات الإنذار دوّت في ديمونة وبئر السبع وإيلات.

كما أعلنت إسرائيل، في وقت مبكر من فجر اليوم الإثنين، إعتراض مسيرتين في منطقة إيلات جنوب إسرائيل، أطلقتا من اليمن.
 
وقال الجيش الإسرائيلي في بيان مقتضب، إنه اعترض مسيرتين أطلقتا من اليمن باتجاه إيلات خلال ساعة واحدة.
 
وذكرت الجبهة الداخلية الإسرائيلية أن صفارات الإنذار دوت في إيلات خشية تسلل مسيرة.

بينما قال مصدر أمني إسرائيلي لصحيفة "معاريف" الإسرائيلية إن "إطلاق الحوثيين صاروخاً اتجاه النقب لن يمر مرور الكرام".

شروط الجماعة

ومساء الجمعة (27 مارس)، أصدرت جماعة الحوثي بياناً عسكرياً حول الحرب الدائرة، بالتزامن مع تزايد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على إيران.

ووضع يحيى سريع مجموعة من المحددات والشروط لانخراطه في الحرب إلى جانب إيران، وهي كالتالي:

 - انضمام أي تحالفات أخرى مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضد إيران ومحور المقاومة.
 - استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عسكرية من قبل أمريكا وإسرائيل ضد إيران.
 - استمرار التصعيد ضد إيران ومحور المقاومة وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية.    

هذا التطور يعكس انتقال الحوثيين من موقع التهديد إلى الفعل، بعد فترة من الترقب. فمنذ بداية الحرب في 28 فبراير الماضي، التزمت الجماعة موقفاً حذراً، رغم خطابها الداعم لإيران ومحور "المقاومة".

لكن مع تصاعد التهديدات الأمريكية، خاصة بعد تلويح الرئيس دونالد ترامب بضرب منشآت الطاقة الإيرانية، وظهور مؤشرات على تشكيل تحالف دولي لإعادة فتح مضيق هرمز، بدا أن قرار الانخراط أصبح جزءاً من حسابات أوسع.

ورقة إيرانية

ويمكن قراءة خطوة الحوثيين كأداة ضغط إيرانية غير مباشرة، فطهران كانت قد لوّحت، عبر وسائل إعلامها وتصريحات مسؤولين، بإمكانية فتح جبهة البحر الأحمر ومضيق باب المندب إذا استمر التصعيد.

ومع إغلاق مضيق هرمز فعلياً، يصبح باب المندب أحد البدائل الاستراتيجية، ما يمنح الحوثيين دوراً محورياً في معادلة الضغط على التجارة العالمية، خاصة أن هذا المضيق يمثل شرياناً رئيسياً لحركة النفط والبضائع نحو أوروبا.

تمتلك جماعة الحوثي بالفعل خبرة ميدانية في هذا النوع من الحروب. فمنذ أواخر 2023 وحتى 2025، خاضت الجماعة مواجهات ممتدة ضد "إسرائيل" والولايات المتحدة في البحر الأحمر دعماً لغزة، عبر استهداف السفن وتهديد الملاحة الدولية.

كما تعرضت خلال تلك الفترة لضربات أمريكية وإسرائيلية مباشرة استهدفت مواقعها العسكرية والبنية التحتية المرتبطة بقدراتها الصاروخية والبحرية، ما أكسبها خبرة في إدارة حرب غير متكافئة ذات طابع إقليمي.