Logo

محمد قحطان... 11 عاماً من الإخفاء تنتهي بمناورات حوثية

 بعد 11 عاماً من الغموض الذي أحاط بمصير محمد قحطان، القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي اختطفه الحوثيون من منزله في صنعاء في الرابع من إبريل/ نيسان 2015، جاء الحديث عن وفاته ليزيد الغموض حول مصيره، في ظل تضارب الروايات وتناقضها طوال فترة اختطافه، تلك الفترة التي تحوّلت فيها قضية قحطان إلى ورقة ابتزاز بيد الحوثيين تجاوزت الأبعاد السياسية إلى الجوانب الإنسانية، من دون مراعاة لمشاعر أسرته ومحبيه.

 وعلى الرغم من موقف الحكومة الشرعية التي أعلنت عبر قيادات فيها، عدم اكتراثها بالرواية الحوثية الأخيرة، وتمسكها بمطلب الكشف الرسمي عن مصيره، إلا أن ثمة قناعة ضمنية بدأت تترسخ بأن محمد قحطان قد فارق الحياة بالفعل، بغض النظر عن دقة الرواية الحوثية التي ادعت مقتله إثر غارة للتحالف العربي في إبريل 2015.

مصير محمد قحطان

وفي جديد التطورات حول مصير قحطان، قال وكيل وزارة حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية نبيل ماجد، لـ"العربي الجديد" قبل أيام، إن الحوثيين أبلغوا الوفد الحكومي والوسطاء بأن محمد قحطان قُتل في غارة للتحالف العربي عام 2015، 

مؤكداً أن الحكومة اليمنية غير معنية بما تقوله الجماعة، وتطالب بتحقيق دولي مستقل لكشف مصيره الحقيقي. وأضاف ماجد أن قضية محمد قحطان "ليست قضية سياسية فحسب، بل قضية إنسانية وحقوقية"،

 مشيراً إلى أن القيادي الإصلاحي مشمول بقرار صادر عن مجلس الأمن يطالب الحوثيين بالإفراج عنه، في إشارة إلى القرار 2216 الصادر عام 2015.

 وأكد المسؤول اليمني أن الجماعة ماطلت طويلاً في ملف محمد قحطان خلال جولات التفاوض السابقة المتعلقة بتبادل الأسرى والمعتقلين، رغم إدراج اسمه بصورة متكررة في قوائم المشمولين بعمليات التبادل التي رعتها الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
 
ويبرز اسم محمد قحطان بوصفه الوحيد المتبقي من قائمة الأربعة الذين شملهم قرار مجلس الأمن رقم 2216 الصادر في 14 إبريل 2015، والذي نص على الإفراج عن أربع من القيادات السياسية والعسكرية، 

فبينما نال رفاقه في ذات القرار حريتهم، وهم وزير الدفاع الأسبق محمود الصبيحي، والقائدان العسكريان فيصل رجب وناصر منصور هادي، عبر صفقات تبادل سابقة، ظل قحطان الاستثناء الوحيد الذي ترفض الجماعة إغلاق ملفه، ما يضع علامات استفهام كبرى حول أسباب هذا التعنت الاستثنائي تجاهه. 

وعلى الرغم من الصدمة التي أحدثها الإعلان الحوثي الأخير، ولا سيما في هذا التوقيت الحساس، إلا أنه لن يطوي ملف القضية، بل سيفتح فصولاً جديدة من المسارات القانونية والحقوقية المتعلقة بإثبات ملابسات الوفاة وتحديد مكان الجثمان، خصوصاً في ظل شكوك تبديها أطراف في الحكومة الشرعية لا تستبعد فرضية تصفية محمد قحطان من قِبل الحوثيين أنفسهم،

 ثم إخفاء خبر وفاته لتوظيف قضيته أداةً للابتزاز السياسي، وتحقيق مكاسب خلال جولات المفاوضات المتعاقبة بشأن ملف الأسرى والمختطفين.

ودعا عبد الملك المخلافي، مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي، إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية لكشف مصير محمد قحطان، مؤكداً أن التناقضات الحوثية الأخيرة تثبت جريمة إخفاء قسري مكتملة الأركان.

 وشدد المخلافي في تغريدة على منصة إكس، الجمعة الماضي، على أن استمرار تغييب محمد قحطان منذ عام 2015 يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، 

مطالباً المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لمحاسبة المسؤولين عن التلاعب بهذا الملف الإنساني طوال سنوات احتجازه. 

وفي محاولة لاستيضاح الموقف الرسمي لـ"التجمع اليمني للإصلاح"، تواصلت مع المتحدث الرسمي للحزب، عدنان العديني، الذي أكد أن الحزب يتريث في إعلان موقفه بانتظار الموقف الحكومي الرسمي، 

لافتاً إلى عدم وجود أي إعلان رسمي حتى الآن من قبل الجهة الخاطفة، وموضحاً أن موقف "الإصلاح" سيتحدد بناءً على ما ستعلنه الحكومة اليمنية لاحقاً.

 ومع اعتماد الحوثيين رواية غارات التحالف العربي بأنها سبب لوفاة قحطان، تبرز فرضية التعذيب أو الإهمال الطبي كاحتمال أكثر واقعية، لا سيما أنه كان يعاني من أمراض مزمنة، 

وما يزكي هذا الاحتمال هو منع الزيارات عنه طوال سنوات، باستثناء زيارة وحيدة لنجله (عبد الرحمن) في 10 إبريل 2015 (بعد خمسة أيام من اختطافه)، تمت بوساطة عبد القادر هلال، وبحضور القيادي الحوثي مهدي المشاط،

 حيث حولت الجماعة هذا الغموض من قضية أمنية إلى أداة ابتزاز سياسي لتحقيق مكاسب، دون أي اعتبار للجانب الإنساني.

وفي أول رد فعل رسمي لأسرة قحطان، أكدت الأسرة في بيان لها كذب المزاعم الحوثية جملة وتفصيلاً، مستندة إلى معطيات ملموسة تثبت زيف ادعاء مقتله في عام 2015، 

حيث أوضحت الأسرة أن عبد القادر هلال استمر في طمأنتها وإيصال الطعام والملابس لوالدها بانتظام حتى مقتل هلال في أكتوبر/تشرين الأول 2016، وهو ما يتطابق مع شهادات حية نقلها مختطفون مفرج عنهم، 

وفي مقدمتهم الفريق فيصل رجب، الذين أكدوا وجود محمد قحطان على قيد الحياة حتى مطلع العقد الحالي. 

وشددت الأسرة على أن مناورات الوفد الحوثي المفاوض طوال السنوات الماضية كانت تقر ضمنياً بحياته عبر طرح استحقاق الإفراج عنه، 

معتبرة أن مقترح مقايضة الجثث الذي قُدم في مفاوضات عمان 2024 لم يكن سوى محاولة للالتفاف على القرار الدولي 2216، وهو ما دفعها لتحميل الجماعة المسؤولية الكاملة عن حياته، 

معلنة تأييدها المطلق لتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة بمشاركة الأسرة للكشف عن مصيره الحقيقي وإنهاء جريمة إخفائه القسري المستمرة منذ 11 عاماً.
 
وتنتقل قضية محمد قحطان اليوم من البحث عن المصير إلى معركة الجثمان كاستحقاق إنساني وقانوني لا يقبل التجاوز، فرفض الحوثيين تسليم الجثة أو الكشف عن مكانها ليس مجرد تعنت، بل هو محاولة لتعطيل التشريح الجنائي الذي قد يكشف التوقيت الحقيقي للوفاة ويحدد أسبابها بدقة، ما قد يدحض رواية الغارات الجوية. 

وبناءً على ذلك، يصبح استلام الجثمان شرطاً أساسياً لغلق الملف، فلا يمكن أن تنتهي القضية في أروقة المفاوضات السياسية كرقم ضمن كشوفات التبادل، من دون منح أسرته حق الدفن اللائق والوصول إلى الحقيقة القضائية الكاملة.

يُمثل محمد قحطان المولود في محافظة إب وسط البلاد عام 1958، عقل التوافق السياسي في اليمن وأحد أبرز مهندسي العمل المدني، فمنذ مساهمته في تشكيل تحالف اللقاء المشترك، الذي ضم أحزاباً إسلامية واشتراكية وقومية، وقيادته للدائرة السياسية للتجمع اليمني للإصلاح، وصولاً إلى موقعه نائباً لرئيس مؤتمر الحوار الوطني في 2013، ظل قحطان رجل الحوار الذي سعى لترميم الدولة عبر التفاهمات السياسية.

لم يكن محمد قحطان مجرد قيادي حزبي، بل كان بمثابة مؤسس وصانع التحولات الفكرية لحزب الإصلاح، حيث نجح في تفكيك الصورة النمطية للحركة الإسلامية ودمجها في تحالفات عابرة للأيديولوجيا،

 وقد تجلى ذلك بوضوح في هندسته لتكتل اللقاء المشترك، الذي جمع الأضداد من يساريين وقوميين وإسلاميين على طاولة واحدة، في تجربة سياسية فريدة أربكت حسابات السلطة آنذاك، وجعلت منه رجل الحوار الأول في الساحة اليمنية. 

هذا الوزن الثقيل جعل منه هدفاً مبكراً للحوثيين، ففي 5 إبريل 2015، وبعد أيام من فرض الإقامة الجبرية عليه، اختطفته قوة مسلحة تابعة للحوثيين من منزله في صنعاء لتغيّبه خلف قضبان الإخفاء القسري من دون الكشف عن مصيره، على الرغم من شموله بقرار مجلس الأمن الدولي 2216 الذي نص على إطلاق سراحه فوراً وبدون قيد أو شرط.

منذ لحظة اختطافه من منزله بصنعاء، تحول محمد قحطان من فاعل سياسي إلى عنوان للمخفيين قسراً، ورغم صدور قرارات دولية، أبرزها قرار مجلس الأمن 2216 الذي نص صراحة على إطلاقه، 

إلا أن ملفه ظل بمثابة العقدة في كافة جولات المفاوضات الخاصة بتبادل الأسرى والمختطفين، إذ ترفض جماعة الحوثي حتى اليوم تقديم معلومات بشكل رسمي وتفصيلي عن وضعه، مما يجعل قضيته تتجاوز البعد السياسي لتصبح اختباراً حقيقياً للضمير الإنساني والجهود الدولية في اليمن. 

وأكد رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، المحامي توفيق الحميدي،  عدم وجود قيمة قانونية لأي تسريبات إعلامية تتحدث عن وفاة قحطان، مشدداً على أن الأصل هو اعتباره مخفياً قسراً حتى يتم إثبات عكس ذلك بصورة رسمية. 

وأوضح الحميدي أنه يفترض بجماعة الحوثيين إصدار إعلان رسمي بخطاب واضح يحدد أسباب الوفاة، معتبراً أن ما جرى لا يعدو كونه إبلاغاً شفهياً تتناقض حقائقه حول تاريخ الوفاة المزعوم في 2015،

 لافتاً إلى أنه لا يمكن الأخذ برواية الحوثيين حول أسباب مقتله، كونهم الجهة المتهمة باختطافه وإخفائه قسراً، ومن هنا تبرز أهمية تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة لمعرفة الأسباب، وتشريح الجثة، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية.
 
القيمة القانونية لقضية محمد قحطان

وحدد الحميدي القيمة القانونية للقضية في ثلاث نقاط: "أُولاها أن محمد قحطان لا يزال مخفياً قسراً لدى الجماعة، وثانيتها أن الحوثيين هم المسؤولون قانونياً عن إخفائه وتعذيبه المحتمل حتى هذه اللحظة، وثالثتها ضرورة وجود تقرير لجنة تحقيق مستقلة عقب تشريح الجثة في حال إعلان الوفاة رسمياً". 

وشدّد على أن "كل هذه المعطيات لا تسقط المساءلة عن جماعة الحوثي، التي تظل مدانة بجريمة الاختطاف غير القانوني، والإخفاء القسري، وجريمة القتل حال ثبوت الوفاة، خصوصاً مع ما يُثار عن نقله إلى أحد المواقع لاستخدامه درعاً بشرياً".

وفي قراءته لهذا المسار، رأى المحلل السياسي خالد المقطري، أن تعمّد جماعة الحوثيين إبقاء مصير محمد قحطان طيّ الكتمان طوال العقد الماضي يهدف حصراً إلى الاستغلال السياسي، 

مشيراً إلى أن الجماعة تعمدت خلال جولات التفاوض السابقة الحديث عن إمكانية الإفراج عنه من دون توضيح ما إذا كان حياً أو جثماناً، مستغلةً حالة التراخي من قبل المبعوث الأممي والمجتمع الدولي في الضغط لتنفيذ القرار الأممي 2216، الذي نص على إطلاقه من دون قيد أو شرط. 

وأضاف أن الحوثيين رأوا في الكشف عن حقيقة مصيره فقداناً لامتياز استخدام ملفه ورقة ابتزاز رابحة في المفاوضات،

 محذراً من أن هذا السلوك الحوثي في ملف قحطان، بصفته أحد أبرز قيادات حزب الإصلاح، المكون الأكبر في معسكر الشرعية، من شأنه أن ينسف جميع إجراءات بناء الثقة التي سعى الوسطاء لترسيخها. 

وشدّد المقطري على أن "ذلك سيعزز القناعة لدى السلطة الشرعية باستحالة التوصل إلى حل سياسي مع جماعة لا تلتزم بالعهود ولا تعير القضايا الإنسانية اعتباراً، بل توظفها لتحقيق مكاسب سياسية، ما يجعل خيار الحسم العسكري هو المرجح، ويضع عقبات كبرى أمام أي مفاوضات مستقبلية".

فخر العزب
صحافي يمني