من أزمة الخدمات إلى سؤال الدولة… أين اختفى الأصل؟
تبدو النقاشات العامة اليوم مشدودة بشكل شبه كامل إلى الأزمات اليومية الملموسة: انقطاع الكهرباء، تأخر الرواتب، تدهور المياه، وتراجع الخدمات الأساسية. وهذه قضايا محقة وملحّة ولا يمكن التقليل من أثرها على حياة الناس ومعيشتهم.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في هذه النتائج بحد ذاتها، بل في الطريقة التي يُدار بها النقاش حولها؛ إذ يتم التعامل مع الأعراض وكأنها هي المرض، بينما يغيب السؤال الجوهري: لماذا وصلنا إلى هذه الحالة أصلًا؟
إن معظم هذه الأزمات ليست سوى انعكاس مباشر لغياب الدولة أو تآكلها. فحين نتحدث عن كهرباء لا تعمل، أو رواتب لا تُصرف بانتظام، أو خدمات لا تُدار بكفاءة، فإننا في الحقيقة نصف نتائج غياب منظومة دولة قادرة على التخطيط والتنفيذ والرقابة.
الدولة ليست مجرد حكومة أو وزراء أو قرارات يومية، بل هي بنية متكاملة تشمل مؤسسات فاعلة، وسلطة قرار موحدة، ورؤية استراتيجية، ونظام محاسبة، ومرجعية سيادية واضحة.
وعندما تتفكك هذه البنية أو تصبح منقسمة ومتنازعة، يصبح من الطبيعي أن تتراجع كل وظائفها الأساسية.
في الواقع الحالي، تبدو السلطات القائمة أقرب إلى كيانات إدارية متفرقة تعمل داخل فراغ سياسي ومؤسسي واسع. فهي تتحرك ضمن حدود ضيقة، وتواجه قيودًا بنيوية تمنعها من إحداث تغيير جذري،
لأنها ببساطة لا تمتلك أدوات الدولة الكاملة التي تمكّنها من التخطيط الشامل أو فرض السياسات أو بناء نظام محاسبة فعال.
ولهذا يصبح التركيز على الأشخاص أو تحميل مسؤول واحد أو جهة بعينها كامل المسؤولية نوعًا من تبسيطٍ مُخلّ، لأنه يتجاهل السياق الأكبر: غياب الدولة بوصفها المرجعية العليا المنظمة لكل شيء.
الأزمة اليوم ليست أزمة إدارة فقط، بل أزمة كيان سياسي غير مكتمل أو متنازع عليه، وهو ما ينعكس في صورة انقسام في الهوية، وتعدد في مراكز القرار، وتشتت في الرؤية الوطنية.
هذا التنازع لا يضعف الأداء فحسب، بل يعمّق حالة الإنهاك العام ويجعل أي محاولة للإصلاح محدودة الأثر.
إن السؤال الذي يجب أن يتقدم على كل النقاشات الأخرى هو:
أي دولة نريد أن نبني؟ ومن أين نبدأ إعادة تأسيسها؟
بدون الإجابة عن هذا السؤال، ستظل كل المعالجات مجرد حلول إسعافية تتعامل مع النتائج دون الاقتراب من الجذر الحقيقي للمشكلة.
أما إذا تم تثبيت فكرة الدولة كأولوية، عندها فقط يمكن تحويل الحديث من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن ردود الأفعال إلى بناء مشروع وطني مستقر.
في النهاية، ليست المشكلة في كثرة الأزمات، بل في غياب الإطار الذي يحكمها وينظمها ويعيد إنتاج حلولها. وهذا الإطار هو الدولة… أو ما يجب أن يكون دولة.
أحمد ناصر حميدان