Logo

مخاوف من توسع رقعة الصراع: إلى أين يمضي التصعيد في البحر الأحمر؟

الرأي الثالث - متابعات

 في ظل تطور متسارع للأحداث على مسرح أزمة البحر الأحمر، تتصاعد حدة المواجهة، ما يزيد من المخاوف من توسع رقعة الصراع وانزلاق المنطقة نحو مزيد من التوتر؛ لاسيما بعد غارات سعودية استهدفت محافظة الحُديدة غربي البلاد؛ بالتزامن مع إعلان رسمي سعودي، الجمعة، عن تعرض سفينة لهجوم.

وقابل الحوثيون الغارات السعودية بارتفاع نبرة التهديد، وإعلان الانتقال إلى «معادلة التصعيد بالتصعيد»، ما يفتح الباب لاحتمالات كثيرة لما ستكون عليه طبيعة ردهم؛ وهو أمر يفضي إلى توقع بتوسع جغرافيا المعركة لتتجاوز البحر الأحمر إلى المنشآت في الداخل.

وبينما نفى المتحدث الرسمي باسم الجماعة، مُحمّد عبدالسلام، ما تردد عن إغلاق مضيق باب المندب الاستراتيجي، كشف قيادي في وزارة الدفاع في حكومة الجماعة، عن الاستعداد لاتخاذ هذه الخطوة «بمجرد تدخل الولايات المتحدة في عمليات عسكرية ضدهم»، ما يُشير إلى استعداد مسبق لرفع سقف التصعيد رداً على أي تدخل خارجي، وخاصة من الولايات المتحدة.

وجاءت هذه التصريحات على وقع سلسلة إجراءات عسكرية تصعيدية خلال الأيام الماضية، أبرزها إعلان الجماعة الاثنين الماضي بدء «حظر بحري» على الملاحة السعودية، تلاه إعلانها ليل الأربعاء استهداف سفينتين نفطيتين سعوديتين في البحر الأحمر.

غير أن المصادر الرسمية السعودية اختلفت في روايتها، إذ تحدثت الخميس عن استهداف سفينة واحدة فقط، بينما تحدثت الجمعة، عن استهداف سفينة أخرى تابعة لإحدى الشركات السعودية خلال إبحارها في البحر الأحمر، نتج عنه إصابة طفيفة في بدن السفينة. 

وهو الهجوم الذي تزامن مع إعلان الحوثيين، ليل الجمعة، عن تعرض منشآت تابعة لمؤسسة الاتصالات بمدينة الحُديدة لغارات سعودية، كما استهدفت الغارات جزيرة كمران.

فيما قال المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، في بيان، «إن قيادة القوات المشتركة للتحالف نفذت عملية عسكرية متناسبة لأهداف عسكرية مشروعة تابعة للحوثيين في محافظة الحديدة» وذلك «ردًا على استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر».
 
فيما قالت وزارة الخارجية في حكومة الجماعة، في بيان، إن ما وصفته بـ«بالخطوة الإجرامية التي أقدم عليها النظام السعودي باستهداف محافظة الحديدة تكون معادلة التصعيد بالتصعيد، هي عنوان المرحلة القادمة».

وأثار الحظر البحري للحوثيين ضد السعودية ردود فعل أممية ودولية رافضة؛ لكن الجماعة أكّدت عبر متحدثها الرسمي أن ما تقوم به يأتي «رداً على حصارها لليمن».

وفي سياق ردود الفعل الدولية، أصدرت سلطنة عُمان بياناً أشارت فيه إلى التنسيق مع السعودية والأطراف اليمنية والمبعوث الأممي لاستئناف المسار السياسي، ما فُهم منه أن مفاوضات قد استؤنفت أو يُرتب لها.

وفي هذا، قال مساعد رئيس دائرة التوجيه المعنوي بوزارة الدفاع في حكومة الجماعة، العميد عابد الثور، «لنا شرط واحد هو رفع الحصار كاملًا، وعودة الأمور إلى ما قبل 26 آذار/مارس 2015. عندها سنخوض المفاوضات، لكن في الوقت الراهن لن نقبل بالتفاوض؛ لأن السعودية لا تحترم الاتفاقيات». 

وقال: «صنعاء لن تقبل اليوم إلا بحلول جذرية. وقبل كل شيء رفع الحصار الكامل عن اليمن وعودة الموانئ وكل الحقوق، بعدها ستكون هناك مفاوضات».

وأكّد العميد الثور أن «التصعيد في البحر الأحمر سيستمر، حتى وإن تم التوصل إلى مفاوضات، لكن لن يتوقف التصعيد إلا بالاتفاق على رفع الحصار مقابل التفاوض».

وفي حال فشلت المفاوضات، قال «سيستمر التصعيد، وسيمضي في نفس السيناريوهات التي سار عليها التصعيد ضد إسرائيل».

وفيما يتعلق بتهديد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، باستئناف عملياته ضد الجماعة في حال استمر استهداف السفن السعودية في البحر الأحمر، قال إن تصعيدهم سيستمر، «ولن تمر أي سفينة سعودية من باب المندب، ولن نأبى لتهديد ترامب. نحن نعلم أن ترامب لن يغامر؛ لأننا في حال استهدف صنعاء سنغلق باب المندب».

وأضاف: «لو نفذ ترامب تهديده؛ فمعنى ذلك أنه وضع نفسه بين جبهتين: جبهة إيران من الشرق وجبهة صنعاء من الغرب، ولن تكون لديه قدرة على التحرك، علاوة على أنه بحاجة إلى وقت لاستجلاب سفنه وقطعه الحربية. حتى وإن نفذ تهديده؛ ففي الأخير لن يصح إلا ما هو في الميدان، وسنعتبر حينها كل مصالح أمريكا أهدافًا مشروعة لنا».

الوساطة العُمانية

فيما يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي بمركز الدراسات والبحوث اليمنيّ، عبدالكريم غانم، أن «إعلان سلطنة عُمان عن تواصلها مع السعودية والأطراف اليمنية والمبعوث الأممي بعد استهداف السفينتين السعوديتين يأتي امتدادًا لدور السلطنة في خفض التصعيد».

ويعتبر أن «مسقط التي تنتهج الحياد والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، هي المؤهلة للعب دور الوسيط، الذي يجعل العودة إلى حالة التهدئة أمرًا ممكنًا».

ويرى أنه «بعد أن حلت لغة الحرب محل مفردات التهدئة من شأن الوساطة العُمانية أن تعمل على خفض كلفة التراجع أمام الرأي العام لكل طرف».

ويعتقد غانم أن «ما ستسفر عنه المفاوضات المتوقعة على المدى القصير هو نزع فتيل التوتر بين الطرفين، في البحر الأحمر، فالعودة إلى حالة التهدئة أقصى ما يمكن توقعه خلال المرحلة الراهنة، 

وفي مقابل توسيع الاتفاقية الأمنية بين الحوثيين والسعودية لتشمل ضمان أمن السفن السعودية في البحر الأحمر وخليج عدن، يتوقع الحوثيون تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية».

ويذهب إلى القول، إن «المفاوضات المتوقعة بوساطة عُمانية قادرة على احتواء التصعيد جزئياً، فعُمان نجحت سابقاً في تجميد جبهات القتال وتحويل المواجهة من عسكرية إلى تفاوضية».

لكنه يرى «أن مسقط لن تتمكن من ايقاف التصعيد العسكري الراهن نهائياً؛ لأن جذره ليس يمنياً فحسب، بل مرتبط بالصراع بين إيران والحوثيين من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة ثانية،

 فالمفاوضات التي يتوقع إجراؤها بوساطة عُمانية ستحول دون انفجار التصعيد العسكري لحرب شاملة، وفي الوقت نفسه من الصعب أن تمتلك الوساطة العُمانية القدرة على إخماد جذوة الصراع، أو التوصل إلى اتفاقية سلام دائم وشامل».

مآلات التصعيد

إزاء ذلك، يبقى من المهم السؤال: إلى أين سيمضي التصعيد في البحر الأحمر؟

يقول عبد الكريم غانم: «فشل المفاوضات يعني الانتقال من هجمات بحرية منضبطة إلى حرب استنزاف بحرية، فالبحر الأحمر قد يتحول إلى ساحة حرب بالوكالة، بين أطراف متعددة، 

الحوثيون سيوسعون بنك الأهداف لتشمل ناقلات وسفنا مرتبطة بالسعودية وموانئ تصدير النفط في ينبع. الهدف ليس إغراق السفن، أو التطور إلى حرب شاملة بل رفع كلفة التأمين على السفن وتعطيل الاقتصاد السعودي والتأثير على أسعار النفط عالميًا».

ويضيف: «ولتجنب تداعيات ذلك على الاقتصاد السعودي وعلى أسعار النفط، من المتوقع أن تنظم الولايات المتحدة إلى جانب السعودية في ضربات جوية أوسع على البنية التحتية الساحلية في الحُديدة، ومحاولة فرض منطقة حظر قد تصل إلى الموانئ ولا تقتصر على المطارات».

حملة أمريكية ثالثة

وهدد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، باستئناف استهداف الحوثيين في حال استمر استهداف السفن السعودية. ما يفرض سؤالا مفاده: ما إمكانات نجاح ترامب في حملته الجديدة، وقد فشلت واشنطن في حملتين سابقتين في اليمن ضد الحوثيين، خصوصًا وهي حاليًا مشغولة بجبهة إيران؟

يقول غانم: «تهديد الرئيس الأمريكي بتصعيد عسكري جديد ضد جماعة الحوثي في حال تكرار استهداف السفن السعودية يُعيد إلى الأذهان العملية العسكرية الأمريكية ضد الحوثيين عام 2025، 

فرغم نجاحها التكتيكي في تعطيل قدرات الحوثيين على استهداف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، إلا إن ذلك لم يترتب عليه تغير موازين القوى على الأرض، فمن دون الدخول في حرب برية يصعب الحديث عن حسم الصراع عسكريًا.

 كما أن المجتمع اليمني يفسر أي تدخل خارجي، باعتباره عدوانًا، الأمر الذي يمنح الحوثيين شرعية المقاومة والتصدي لعدوان خارجي».

وأكمل: «يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة حاليًا مشغولة بجبهة إيران مباشرة. وفتح جبهة ثانية في اليمن من شأنه أن يشتت الموارد، ويسهم في تراجع مستوى التأييد لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. لذا تبقى فرص نجاح العملية العسكرية محدودة».

ويرى أن «السيناريو الأقرب للتحقق أن التصعيد الأمريكي سيكون رمزيًا لإرضاء السعودية، لكنه سيزيد من قدرة الحوثيين على الحشد والتعبئة للمقاتلين إلى جبهات القتال.

 فتجدد الصراع في البحر الأحمر بمثابة مرآة لعجز السياسة، والوساطة العُمانية صمام الأمان الوحيد، إذ بدون حل سياسي شامل في اليمن، سيبقى التصعيد يتأرجح بين التهدئة والهجمات المنتظمة التي لا تتجاوز قواعد الاشتباك».

مزيد من التصعيد

مما تقدم، يتضح أن أزمة البحر الأحمر تتجه نحو مزيد من التعقيد والاحتدام؛ فجماعة الحوثي تُصارع على تحقيق مطالبها، وفي مقدمتها رفع ما تصفه بـ«الحصار» المفروض على اليمن منذ 12 عاماً، وإعادة إعمار ما خلفته سنوات الحرب من دمار، 

وهي مطالب تلقى من الرياض إنكاراً ورفضاً قاطعاً، إذ تُصرّ السعودية على تقديم نفسها في المشهد اليمني «وسيطاً» لا «طرفاً»، كما انتقلت الأزمة إلى مرحلة جديدة مع إعلان الحوثيين عن غارات سعودية على الحديدة، 

كل ذلك يُفاقم من تعقيدات الملف، ويُضيّق هامش التفاوض والحلول؛ وخاصة بعد التهديد الصادر عن وزارة الخارجية في حكومة الجماعة، والذي اعتبر أن «معادلة التصعيد مقابل التصعيد» ستكون هي عنوان المرحلة القادمة.

وبهذا المعطى، يبدو المشهد أكثر عرضة للانزلاق نحو تصعيدٍ عسكريٍ جديد ومختلف، ما لم تنجح جهود دبلوماسية في كسر حلقة الجمود.

وهنا تبرز أهمية الدور العُماني كفرصةٍ مواتية لتحقيق اختراقٍ حقيقي في جدار الأزمة؛ إذ إن مسقط تملك من المصداقية والعلاقات المتوازنة مع الأطراف ما يؤهلها لرعاية حوارٍ يُذوّب التباينات، ويحتوي التصعيد الراهن، ويُقيم منطقةً مشتركةً يلتقي عليها الخصوم.

وإذا ما نجحت هذه الجهود، فإنها قد تُمهد لمعالجةٍ شاملة وتسويةٍ دائمة للأزمة اليمنية، تُؤسس لمسارٍ سياسيٍ ينهي معه مشاريع الانفصال والتمزق، ويُعيد بناء الدولة اليمنية المدنية الموحدة، بما يضمن مستقبلاً يتسع لجميع اليمنيين.

 أحمد الأغبري