الصندوق الأسود لملف الابتعاث الخارجي للدراسية: فساد مالي واستحواذ عائلي يهدر ملايين الدولارات
كشفت تفاصيل التقرير النهائي الصادر عن لجنة مراجعة قوائم المبتعثين وآليات الابتعاث في مناطق نفوذ الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا
(المشكّلة بقرار رئيس الوزراء رقم 39 لسنة 2022) والمؤرخ في 27 فبراير/ شباط 2023، عن اختلالات هيكلية وفساد مالي وشفافية غائبة في إدارة ملف المنح والبعثات الدراسية خارج البلاد، منذ نقل مقر وزارة التعليم العالي إلى عدن عام2016.
وأبرز التقرير ما اعترى مسار الابتعاث الخارجي من فساد هيكلي ومحسوبية عائلية وتجاوز للقانون.
استحواذ عائلي
فعلى صعيد الاستحواذ العائلي، كشف التقرير أن ظاهرة سيطرة العائلات والإخوة استحوذت على نحو 33٪ من إجمالي المبتعثين للخارج، إذ رصدت اللجنة 508 حالات إخوة، تراوح فيها عدد الإخوة المبتعثين بين 2 إلى 5 إخوة في العائلة الواحدة،
كما تم رصد 284 عائلة تسيطر على مقاعد متعددة؛ حيث تحوّلت المنح إلى ما يشبه «الإقطاعيات العائلية».
ومن أبرز أرقام الهيمنة العائلية التي ما زالت مستمرة حسب التقرير الذي اطلعت عليه «القدس العربي»: عائلة أبو حاتم (16 مقعداً) عائلة الفقيه (15 مقعداً) القاضي (15 مقعداً) الطاهري (13 مقعداً) والقدمي والشرجي وكزمان (11 مقعداً لكل منها).
وحسب التقرير، لم تحصل جامعة حكومية مثل «جامعة إقليم سبأ» بأكملها إلا على مبتعث واحد فقط.
وأكّدت اللجنة القانونية في التقرير أن كافة عمليات الابتعاث التي تمت منذ عام 2016م وحتى اليوم تعتبر مخالفة صريحة للقانون رقم (19) لعام 2003 بشأن البعثات والمنح؛
نظراً لتغييب «اللجنة العليا للبعثات» واللجان التنفيذية المحددة قانوناً، واستبدالها بلجان شكلية داخلية لا تضم الجهات ذات الصلة، واقتصار الإيفاد على التوجيهات والوساطات والمحسوبية والبيع والشراء عبر سماسرة.
الإضافات العشوائية
وأشار التقرير إلى ظاهرة «الإضافات العشوائية» في الأرباع المالية؛ حيث سجل التقرير تضخما هائلاً في أعداد الطلاب المضافين بتوجيهات نافذين:
ففي عام 2018 وحده، بلغت الإضافات 1,565 إضافة بكلفة مليونين و910 آلاف و900 دولار في الربع المالي الواحد.
وأوضح التقرير: «في الربع الثالث لعام 2018 شهد إضافة 585 طالباً بكلفة سنوية تبلغ أربعة ملايين و352 ألفا وأربعة دولارات،
شملت 65 توجيهًا من رئيس الوزراء السابق، و8 من نائب الرئيس حينها، و15 من الرئاسة وعدة جهات أخرى، و191 من الوزير السابق، و57 من نائب الوزير السابق، و250 توجيهاً من وكيل قطاع البعثات».
وأشار إلى أن الإضافات ارتفعت مجدداً في الربع الرابع لعام 2021 لتصل إلى 174 إضافة لملفات منتقاة بدوافع شخصية.
وتناول التقرير الهدر المالي، والممارسات غير القانونية، والتجاوزات الأكاديمية، متطرقًا إلى حجم استنزاف أموال الدولة في تخصصات متوفرة محلياً ورسوم باهظة.
وأوضح أن 233 طالباً وطالبة مبتعثين من الجامعات الحكومية في تخصصات أدبية وإنسانية متوفرة بالكامل في الداخل، بكلفة تصل إلى مليون و733 ألفا و520 دولاراً سنوياً،
مشيرًا إلى الابتعاث لدراسة اللغة العربية في دول غير ناطقة بها (مثل الهند وماليزيا وباكستان) ودراسة اللغة الإنكليزية في روسيا وتونس والمغرب، وطالب من جامعة ذمار أبتعث إلى مصر في تخصص انتاج أسماك.
كما أشار إلى دفع رسوم دراسية باهظة في مصر تصل إلى (6000ـ 1500 دولار رسوم قيد) للطب البشري، و (4500 دولار) كحد أدنى للتخصصات الإنسانية،
حيث استحوذت مصر وحدها في عام 2021-2022 على مليون و224 ألفا و868 دولاراً من أصل مليون و784 ألفا و653 دولارًا إجمالي رسوم الابتعاث لكافة الدول.
معدلات ضعيفة ووثائق ناقصة
وتوقف التقرير أمام وجود معدلات ضعيفة ووثائق ناقصة وحالات تزوير، لافتًا إلى ابتعاث طلاب بمعدلات في الثمانينيات، والسبعينيات، والستينيات، بل والخمسينيات في تخصصات طبية وهندسية هامة،
مثل طلاب في مصر بتخصص الطب البشري وهندسة البترول بمعدلات بين 69٪ و74٪، وإيفاد طلاب فشلوا في امتحانات المفاضلة لكافة المواد، بل ومنح أحدهم مقعد طب بشري في جامعة الأزهر.
كما لاحظت لجنة التقرير وجود اسم لأحد أبناء الوزراء في كشوفات المنح الدراسية يُدفع له مبلغ 7000 دولار سنويًا مقابل رسوم دراسة جامعية تخصص تجارة في إحدى الدول الأجنبية.
وأشار التقرير إلى رصد رسالة رسمية تُشير إلى إضافة 44 طالباً بوثائق ناقصة في ربعين ماليين وإصدار قرارات إيفاد لهم، ورصد حالات تزوير توجيهات عليا ونتائج ثانوية أحيل بعضها لنيابة ومحكمة الأموال العامة عدن (منها قضية تزوير 80 توجيهاً وتوقيعاً).
أما عن تجاوزات السلك الدبلوماسي والمنح غير المعلنة فقد استحوذ ـ حسب التقرير- بعض موظفي السفارات في الخارج على مقاعد متعددة لأبنائهم (تصل إلى 4 و5 أبناء للموظف الواحد) في مخالفة للقانون الذي يمنح الدبلوماسي منحة واحدة فقط.
منح غير معلنة
وأشار التقرير إلى وجود منح تبادل ثقافي «مخفية» لا يُعلن عنها تُمنح بتوجيهات مباشرة، مثل منح كوبا، بولندا، باكستان، ومنح جامعة الأزهر التي يقدر عددها السنوي بنحو 100 مقعد،
وحسب التقرير، فبعض مقاعد جامعة الأزهر يتم تقاسمها مع أطراف في الحكومة والوزارة مقابل صمتها، منها عشر منح تصرف لوزير التعليم العالي، وبقية المنح تتصرف بها السفارة في مصر وبطريقة غامضة حسب التقرير.
كما تحدث عن إضافة أسماء من خارج كشوفات المتقدمين الفائزين بالمفاضلة في عدة دول (مثل إضافة 21 طالباً في مصر، و8 في المجر) على حساب الطلاب المستحقين.
وفيما يتعلق بخلل ابتعاث الوزارات الأخرى مثل وزارتي الدفاع والصحة؛ أكد التقرير غياب البيانات والقرارات الرسمية والوثائق طبق الأصل لمبتعثي وزارتي الدفاع والصحة،
مشيرًا إلى ابتعاث منتسبي وزارة الدفاع في تخصصات مدنية لا علاقة لها بالمجال العسكري (مثال: جميع المبتعثين لماليزيا وألمانيا والأردن من وزارة الدفاع يدرسون تخصصات مدنية، وأحدهم يدرس علوما زراعية في ألمانيا).
وتطرق التقرير إلى الوضع الإداري والتنفيذي للوزارة التي بدأت عملها في عدن عام 2016 بطاقم إداري محدود جداً (6 موظفين) وظل القطاع يعاني من غياب قاعدة بيانات إلكترونية.
وأكّد أن عملية الابتعاث لم تخضع لضوابط أو معايير، ولم تتحكم بها رؤية ولم تشرف عليها لجان مختصة، ولا حتى صدرت بها قرارات إيفاد رسمية، لا سيما المساعدات المالية.
وحسب التقرير: «من مظاهر الخلل في إدارة الوزارة وجود وكيل في الوزارة مكلف بإدارة قطاع البحث العلمي، ويتمتع بكل حقوقه ونصيبه من المنح،
لكنه لا يداوم منذ سنوات، وهو مستقر مع عائلته في سلطنة عُمان، بينما القطاع الذي يُشرف عليه (البحث العلمي) والإدارات التابعة له مهملة تمامًا».
أحمد الأغبري