Logo

هل تصبح الحرب طريقاً إلى السلام في اليمن؟

الرأي الثالث 

لم يكن الهدوء في اليمن الذي أعقب انتهاء الهدنة في أكتوبر/ تشرين الأول 2022 سلاماً؛ فقد تجمدت خطوط السيطرة وتراجعت المواجهات الواسعة  

بينما ظلت أسباب الحرب كامنة تحت خطوط التماسّ. احتفظ الحوثيون بسلاحهم وسلطتهم، وتوزعت الحكومة بين الداخل والخارج، وظل كل طرف ينتظر تحولاً يسمح له بتحسين موقعه. 

وفي الشهر الماضي (يوليو/ تموز 2026) بدأ هذا الجمود يتصدع، إذ تحرّكت التعزيزات نحو مأرب والجوف والساحل الغربي، وارتفعت الجاهزية في المعسكرات 

وظهرت مسيّرات هجومية وأسلحة نوعية لدى القوات الحكومية، بالتزامن مع هجماتٍ حوثيةٍ على السعودية والسفن التابعة لها في عرض البحر الأحمر.

ومع انتقال التعزيزات إلى الجبهات، أخذت الحركة العسكرية تتجاوز استعراض القوة إلى بناء القدرة على استخدامها؛ فقد رافق انتشار القوات تجهيز غرف العمليات، وتحريك وحدات قتالية، واختبار النيران، وعودة الإسناد الجوي. 

وهكذا نشأت بنية يمكن تشغيلها عند صدور القرار، ويظل فتح حملة برية واسعة مرهوناً بوجود قيادة قادرة على توحيد الجبهات وتحافظ على تدفق الإمداد، 

لأن حشد القوات لا يصنع معركة متماسكة، ما لم يجمعها هدف واحد وتوقيت واحد، وهذا ما لم يتبلور بعد بشكل كامل لدى الشرعية .

في حسابات الحوثيين، يُقرأ هذا التحول من داخل محور إقليمي يتجاوز حدود اليمن، إذ توفر إيران الإسناد والخبرة، فيما يتيح التنسيق مع فصائل عراقية مسلحة منضوية في الحشد الشعبي توزيع مصادر الضغط على السعودية.

 وقد ظهرت آثار هذا الترابط في الهجمات أخيراً، بعدما نُسب إطلاق بعضها من العراق إلى تنسيق حوثي– عراقي تحت إشراف الحرس الثوري، بالتوازي مع هجمات انطلقت من مناطق سيطرة الجماعة في اليمن. 

ويؤكد وجود عناصر حوثية في العراق، ومشاركتها في التدريب والتنسيق العملياتي، اتساع جغرافيا المواجهة؛ 

فالغاية إشغال الدفاعات السعودية بين حدودها الجنوبية والعراق والبحر الأحمر ومنشآت الطاقة، ومن ثم رفع كلفة أي إسناد تقدّمه الرياض لهجوم برّي داخل اليمن.
 
تواجه شبكة الضغط هذه قوات مناهضة للحوثيين تنتشر في سبعة مسارح قتالية تحيط بمناطق الجماعة، من الساحل الغربي وتعز والضالع إلى البيضاء ومأرب والجوف وحجّة– صعدة. 

فإذا تحرّكت هذه المسارح في وقت متقارب، أمكن لبعضها تثبيت القوات الحوثية واستنزاف احتياطها، بينما يتركز الهجوم في محور أو محورين. وتحتفظ قيادة الحوثيين بخطوط داخلية أقصر وخبرة في التحصينات والألغام والنيران بعيدة المدى؛ 

ولذلك تستطيع معالجة الجبهات تباعاً متى تحركت منفردة. وتزداد هذه المعادلة تعقيداً مع انتشار المسيّرات التي جعلت الحشود ومراكز القيادة والمدفعية ومخازن الذخيرة وطرق الإمداد عرضة للرصد والاستهداف، 

الأمر الذي يرفع الخسائر ويفرض التمويه والتشتيت والتشويش والدفاع الجوي القصير المدى.

تحويل هذا الانتشار إلى حملة واحدة يعتمد على مركز القرار. فقد تقدمت عملية توحيد دوائر وزارة الدفاع، وتشكلت لجنة عسكرية عليا وغرفة عمليات مشتركة، من دون أن تختبر بعد قدرتها على قيادة محاور متزامنة وتوزيع النيران والاحتياط بينها. 

كما يبطئ بقاء جانب أساسي من مجلس القيادة والحكومة في الرياض الاتصال بالقادة والسلطات المحلية؛ إذ يمكن إدارة التمويل والعلاقات الخارجية من هناك، بينما تحتاج الحرب الطويلة إلى سلطة داخل اليمن تدير الموارد والمناطق المستعادة وتتحمل مسؤولية قراراتها.
 
يحتاج تماسك القيادة إلى عمق عملياتي يصل الجبهات بالموانئ والمطارات والطرق والمناطق الخلفية. ويعقد الصراع السعودي–الإماراتي في الملف اليمني، إلى جانب موقف المجلس الانتقالي، 

تأمين هذا العمق. ولا يختزل ذلك الجنوب في الانتقالي، إذ تضم المحافظات الجنوبية قوى تؤيد الحكومة وأخرى تناهض مشروعه. 

وحين تضطرب المناطق الخلفية أو تتعطل طرق الإمداد، يتوقف التقدم مهما بلغ عدد القوات، وهو ما يجعل تحييد النزاعات داخل المعسكر الحكومي جزءاً من خطة الحرب نفسها.
 
في ضوء هذه القيود، يظل التصعيد المضبوط أرجح من الحرب الشاملة؛ فالسعودية تسعى إلى ردع الهجمات وحماية حدودها وممرات الطاقة من دون استنزاف مفتوح، فيما تريد إيران إبقاء الحوثيين قوة قادرة على الضغط على المملكة.

 وتحافظ الولايات المتحدة، من جهتها، على تفاهمها مع الجماعة ما دامت قواتها وسفنها خارج الاستهداف، ولا يظهر في سياستها هدف لإسقاط سلطتها في صنعاء.

 لذلك قد يستمر تبادل الضربات والعمليات الموضعية، ما لم يفرض هجوم كبير على السعودية تغييراً في مستوى الرد.

بالتوازي مع الاستعداد العسكري، تواجه الشرعية مهمة بناء موقف سياسي يشرح للعالم لماذا تخدم استعادة الدولة فرصة السلام في اليمن. فالدعم الدولي يصعب حشده لحرب تُقدَّم باعتبارها دفاعاً عن السعودية وحدها،

 بينما يمكن السعي إلى حشده لمسار ينهي احتكار جماعة مسلحة لقرار الحرب والسلام، ويربط المصلحة اليمنية باستقرار الملاحة والطاقة والحد من تمدد الشبكات المسلحة. 

ولكي تكتسب هذه الحجة صدقيتها، ينبغي أن تقترن بخطة لإدارة المناطق المستعادة، وضمان استمرار الخدمات، وحماية السكان، ومسار تفاوضي يحدد شروط وقف القتال. 

وتتصل صدقية هذه الخطة بكلفتها الإنسانية منذ الضربة الأولى؛ لأن تعطل الطرق والموانئ وحركة الشاحنات سيقلص وصول الغذاء والوقود والدواء، ويفاقم الجوع والنزوح في بلد منهك. 

ومن ثم تصبح حماية الموانئ وممرّات الإغاثة والمخزون الأساسي جزءاً من القدرة على مواصلة العمليات، ويغدو تجاهلها مدخلاً إلى خسارة الحرب سياسيّاً حتى لو تقدّمت القوات ميدانيّاً.

لهذا تظل مصلحة اليمن في سلام يعيد مؤسسات الدولة وقرارها. وقد استخدم الحوثيون سنوات التهدئة لتثبيت سلطتهم وتطوير قدراتهم، وأبقوا السلاح والموارد وقرار الحرب خارج التسوية، 

فأغلقوا عمليّاً أدوات السلام المتاحة. وحين يصبح غياب الحرب وسيلة لإدامة السيطرة المسلحة، قد يغدو تعديل ميزان القوة جسراً اضطراريّاً إلى التفاوض. 

وتبدأ شرعية هذا المسار من حق اليمنيين في دولة تحتكر السلاح وتحمي السكان والموارد، ثم تمتد آثاره إلى أمن السعودية والإقليم والملاحة والطاقة.

 ويتوقف مصير المواجهة على قيادة موحدة وغاية سياسية تعرف ما تريد تحقيقه، ومتى تنتقل من الميدان إلى التفاوض.

أحمد الزرقة
صحافي وكاتب يمني