علي شاهر.. حين يصبح الصحفي اليمني نسياً منسياً
على مدى عقود، كان المصور الصحفي علي شاهر يقف خلف عدسته في الملاعب اليمنية، يلاحق لحظات الفرح والانكسار، ويوثق انتصارات الرياضيين وإخفاقاتهم. بقيت صوره شاهدة على مسيرة طويلة من الرياضة اليمنية،
لكن الرجل الذي حفظ بعدسته ذاكرة الآخرين، رحل الإثنين الماضي وحيدًا، بعد سنوات أنهكه فيها المرض والفقر، قبل أن تبدأ رحلة أخرى من المعاناة مع جثمانه بحثًا عن ثلاجة موتى في صنعاء.
تكثف قصة شاهر جانبًا قاسيًا من حياة صحفيين يمنيين أمضوا سنوات طويلة في المهنة من دون أن توفر لهم موردًا ثابتًا أو حماية اجتماعية تقيهم العوز والمرض في سنواتهم الأخيرة.
وبحسب أقارب ، أمضى شاهر نحو ثلاثة عقود من مسيرته المهنية محاولًا الحصول على راتب شهري منتظم من جهة حكومية أو خاصة، من دون أن ينجح في ذلك. ومع تقدمه في العمر وتدهور صحته، أصبحت نفقات العلاج عبئًا يفوق قدرته.
وكان شاهر يعاني مرضًا في القلب وأمراضًا مزمنة أخرى، وسبق أن أطلق مناشدات للمسؤولين لمساعدته في تلقي العلاج، لكنها، وفقًا لأقاربه، لم تفضِ إلى استجابة تنهي معاناته.
ولم تكن هشاشة وضعه المادي مجرد تفصيل في سنواته الأخيرة؛ إذ يقول أقاربه إنها رافقته لسنوات وأثرت في حياته الشخصية، فلم يتمكن من الزواج وتكوين أسرة، قبل أن يصل به الحال، مع اشتداد المرض، إلى العجز عن توفير أدويته بصورة منتظمة.
رحيل في غرفة وحيدة
صباح الاثنين الماضي، انتهت حياة المصور الستيني في الغرفة التي كان يقيم فيها بصنعاء.
كان أحد جيرانه قد اعتاد أن يحمل إليه وجبة إفطار، مما يجود به هو وآخرون من أبناء الحي. وفي ذلك الصباح، ذهب إليه كعادته، لكنه وجده قد فارق الحياة.
يروي الجار أنه حاول الوصول إلى أقارب شاهر، لكنه لم يعثر على هاتفه المحمول الذي كان يحتفظ فيه بأرقام شقيقته وأبناء أشقائه. وأمام غياب وسيلة للتواصل مع عائلته، توجه إلى قسم شرطة قريب وأبلغ عن الوفاة.
انتقل رجال الشرطة إلى المكان، وجمعوا الاستدلالات للتأكد من ملابسات الوفاة. وبعد استبعاد وجود شبهة جنائية، بدأت عملية البحث عن أقاربه لإبلاغهم بما حدث. ويؤكد أفراد من أسرته وجيرانه أن وفاته جاءت بعد تدهور حالته الصحية.
وصل الخبر أخيرًا إلى شقيقته وأبناء أشقائه المقيمين في صنعاء، وبدأت الأسرة ترتب لدفنه مساء اليوم نفسه، إلا أن ذلك لم يكن ممكنًا بسبب منع الدفن ليلًا في المقابر، وفق ما أفاد به أقاربه.
كان عليهم الانتظار حتى اليوم التالي، لكن الانتظار فتح فصلًا آخر لم تتوقعه العائلة: أين سيبقى جثمان علي شاهر حتى الصباح؟
عشر ساعات بحثًا عن ثلاجة
بدأ أقارب شاهر رحلة للبحث عن ثلاجة موتى تستقبل جثمانه حتى موعد الدفن. وعلى مدى أكثر من عشر ساعات، تنقل الجثمان بين شوارع ومستشفيات صنعاء، فيما كانت الأسرة تحاول العثور على مكان يؤويه حتى اليوم التالي.
تحولت القصة سريعًا إلى حديث على مواقع التواصل الاجتماعي. الرجل الذي أمضى سنوات طويلة يتنقل بين الملاعب حاملًا كاميرته، صار جثمانه يتنقل بين المستشفيات بحثًا عن ثلاجة.
ومع اتساع تداول القصة، تدخل رياضيون ومسؤولون للمساعدة والتوسط، إلى أن جرى قبول الجثمان في ثلاجة أحد المستشفيات الخاصة.
وفي ظهيرة الثلاثاء، انتهت الرحلة الأخيرة لعلي شاهر، المولود في خورمكسر بمدينة عدن، حين ووري جثمانه الثرى في مقبرة الصياح بمنطقة شعوب في صنعاء.
رحل شاهر من دون زوجة أو أبناء، بعد مسيرة أمضاها في ملاحقة أحداث الرياضة اليمنية وتوثيق وجوه أبطالها وعدد من محطاتها على مدى عقود.
وقبل وفاته، كان قد تحدث إلى وسائل إعلام محلية عن شعوره بأن سنوات عمله لم تلقَ ما تستحقه من تقدير. وكأن الرجل كان يستشرف النهاية حين قال متسائلًا عن موعد رد الدين إليه وتكريمه:
«يمكن بعد موتي يحصل هذا، كما حصل مع الكثير من الشخصيات الرياضية التي غادرت الحياة».
مات علي شاهر قبل أن يعرف الإجابة، وبقي السؤال الذي تركه خلفه يتجاوز قصته الشخصية: ماذا يتبقى للصحفي بعد أن يمضي عمره في توثيق حياة الآخرين، إذا وجد نفسه، حين يمرض ويعجز، وحيدًا أمام الفقر والنسيان؟
محمد عبدالعزيز