Logo

صهاريج عدن... منشأة مائية تاريخية تعاني الإهمال

 تعد "صهاريج الطويلة" واحدة من أبرز المعالم التاريخية والسياحية لمدينة عدن جنوب اليمن، إضافة إلى كونها واحدة من بدائع الهندسة المعمارية التي تثبت قدرة الإنسان القديم على تطويع الهندسة لخدمته.

تشتهر صهاريج عدن محلياً باسم "صهاريج الطويلة"، نسبة إلى الحي الذي تقع فيه بمديرية كريتر، أو ما يعرف بعدن القديمة، 

وتقع الصهاريج عند السفح الشمالي لجبل شمسان، وهي منطقة بركانية تمثل قلب مدينة عدن الواقعة أصلاً على فوهة بركان، وبسبب موقع الجبل، بُنيت الصهاريج عند سفحه للاستفادة من مياه الأمطار المنحدرة منه، والتي تنساب نحو وادي الطويلة لتتجمع في الصهاريج القديمة.

ويرتفع جبل شمسان حوالي 1,700 متر فوق مستوى سطح البحر، ويقع الجبل في قلب مدينة عدن، حيث أعلى نقطة في المحافظة، وأحد أبرز معالمها الجغرافية والتاريخية، وهو يمتد على شكل نصف دائرة مقوسة تحضن كريتر من ثلاث جهات، ما يجعله درعاً طبيعياً يحميها من الرياح والسيول.

والصهريج كلمة معربة من اللغة الفارسية، وتعني "حوض الماء"، وصهاريج عدن عبارة عن خزانات لتجميع مياه الأمطار بغرض استخدامها لاحقاً في الشرب والزراعة، وكذا لحماية المدينة من خطر السيول،

 وقد بنيت من الصخور البركانية في مضيق بوسط سفح الجبل يصل طوله إلى 750 قدماً، ويحيط بها الجبل بشكل دائري باستثناء منفذ يؤدي إلى مدينة كريتر، ويعد المدخل الرئيسي للزوار حالياً.

وبنيت الصهاريج باستخدام أحجار تم جلبها من المكان نفسه، فضلاً عن الملاط الرملي الجيري الذي يشبه مادة الأسمنت، وتختلف أحجام الصهاريج وفقاً لانحدار الوادي، إذ تتفاوت بين الكبيرة والصغيرة، ولكل صهريج بوابات ومصارف حجرية للتحكم في تدفق المياه وتوزيعها، 

كما تضم بعض الصهاريج أنفاقاً، إضافة إلى مدرجات داخل كل صهريج تسمح بالنزول إلى عمقه عند جفاف المياه.

ويتجلى الإبداع الهندسي في تصميم الصهاريج وبنائها، والذي يمكّنها من تحقيق الأهداف التي بنيت من أجلها، وهي معالجة ندرة المياه العذبة في المنطقة البركانية التي بنيت فيها للاحتفاظ بمياه الأمطار، وحماية المدينة من السيول والفيضانات، 

إضافة إلى تغذية الآبار الجوفية في المدينة من خلال الفتحات الخاصة التي صممت بشكل دائري في قاع كل صهريج، وجميعها مصممة بنظام هندسي معقد يسمح بتصريف المياه تدريجياً، وتنقيتها من الرواسب، ما يجعلها خزانات مياه ونظام تصريف في الوقت نفسه.
 
ويقدر غالبية الباحثين أن تاريخ بناء الصهاريج يعود إما إلى العصر الحميري أو السبئي، أي قبل ظهور الإسلام بعدة قرون، وأن عدد هذه الصهاريج كان يبلغ 55 صهريجاً في وقت بنائها، ومعظمها مطمور تحت الأرض، أو أصابه الخراب بفعل الزمن،

 وما هو قائم منها حالياً لا يزيد على 18 صهريجاً فقط، وهي تستوعب نحو 20 مليون غالون مياه.

في حين يرى باحثون أن الشكل الحالي للصهاريج يعود إلى فترة مبكرة من العهد الإسلامي، وقد جُددت خلال فترة الحكم العثماني، وكذلك خلال فترة الاحتلال البريطاني في القرن التاسع عشر، 

وجرت عملية ترميم كبيرة فيها بعد احتلال مدينة عدن عام 1839، للحفاظ على وظيفتها، وحمايتها من الانهيار.

وبحسب ما توثق لوحة حجرية مكتوبة باللغة الإنكليزية موجودة في مدخل الصهاريج، كتب عليها ما ترجمته: "تم اكتشاف هذه الخزانات وإصلاحها بعد أن كانت مخفية تحت الأنقاض. اكتشفها الملازم لامبرت بليفير في عام 1854. 

تم فتحها وإصلاحها من قبل الحكومة البريطانية. تتجاوز السعة الإجمالية لجميع الخزانات عشرين مليون غالون. تم وضع اللوحة في 20 فبراير 1899".

واكتشف الملازم البريطاني الذي أصبح لاحقاً السير لامبرت الصهاريج بالصدفة، حين كان المقيم المساعد في عدن، وكانت حينها مغطاة تماماً بالأنقاض والركام المتساقط من التلال، لكنها فُتحت ورُممت بواسطة الحكومة البريطانية. 

بينما الصهريج الدائري السفلي، المسمّى صهريج بليفير، تم تنظيفه لاحقاً.

وتعد تلك الصهاريج حالياً مزاراً سياحياً يؤمه الآلاف سنوياً، وهو يضم حديقة صغيرة، ومتحفاً يحكي تاريخ الصهاريج، إضافة إلى مسرح مفتوح تقام فيه بعض الفعاليات الثقافية والفنية خلال المناسبات الوطنية والدينية. 

وقد أُدرجت الصهاريج ضمن قائمة التراث الوطني اليمني، مع مطالبات بإدراجها في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو. 

وفي يوليو/ تموز الماضي، أدرجت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) صهاريج عدن في سجلها للتراث العمراني العربي، ما مثل إنجازاً مهماً للمعلم العمراني الأبرز في عدن.

وعلى الرغم من الأهمية التاريخية والثقافية للصهاريج إلا أنها تعاني من إهمال كبير، إذ تغيب عنها فرق الترميم والصيانة، 

كما أن موقعها يتعرض للنهب أو وضع اليد من قبل بعض المواطنين، وجرى الاستيلاء على مساحات تابعة لها، والبناء العشوائي أسفلها، وفي داخل حرمها، من دون اتخاذ أي موقف من قبل السلطات المحلية.

 فخر العزب
صحافي يمني