Logo

جحيم التنقل في اليمن... مسافرون معرضون للقتل والاعتقال والنهب

الرأي الثالث 

ألقى التصعيد العسكري الأخير في اليمن بظلال كارثية على الأوضاع الإنسانية المتردية، كما رسم فصولاً جديدة من المعاناة الناتجة عن قطع الطرق، وتقييد حركة السكان.

​على جانبي أحد طرق اليمن الترابية الملتوية، تقف العشرات من سيارات الأجرة المحملة بأجساد أنهكتها الحرب، بينما يرتفع غبار المنحدرات الجبلية ليحجب رؤية الأفق. 

هنا، لا يبدو السفر مجرد تنقل، بل طقس يومي من العذاب يعيد تعريف أبسط حقوق الإنسان، فالمسافة التي لم تكن تتطلب سوى ساعة من الزمن قبل الحرب، باتت رحلة شاقة تمتد لساعات، وقد يضطر خلالها الناس إلى سلوك طرق بديلة أطول، وأكثر وعورة، وأغلى كلفة.

وبدأ التصعيد العسكري الحالي بمواجهات عنيفة في 6 يوليو/تموز الماضي، في محافظة الحديدة، ثم توسع في 20 يوليو، حين أعلن الحوثيون فرض حظر ملاحة بحرية على السفن المرتبطة بالسعودية. 

ومع تجدد التصعيد، باتت طرق رئيسية مغلقة، من بينها طريق تعز - المخا الأسفلتي، ما جعل السائقين مرغمين على سلوك طريق كربة - الصحي باتجاه محافظة لحج، وهو طريق وعر يسبِّب أعطالاً جسيمة بالمركبات وحوادث متكررة، 

وباتت طرق أخرى عرضة للقصف، كطريق هيجة العبد الذي تعرض خلال شهر سبتمبر/ أيلول الجاري لاعتداءات دامية، وثالثة تحولت إلى مصائد لاختطاف المسافرين أو التنكيل بهم في حواجز التفتيش، ليجد الأهالي أنفسهم محاصرين بخيارات صعبة تدفعهم إلى تجنب السفر إلا للضرورة القصوى، ويتحول الوصول إلى مدينة مجاورة إلى رحلة يغامر فيها اليمنيون بأرواحهم وأرزاقهم.

و​في ظل إغلاق الطرق الرئيسية تتكشف أقسى فصول المأساة التي تخوضها الفئات المجتمعية الأضعف، مثل كبار السن والأطفال، والذين يقطعون المنحدرات الصخرية الوعرة داخل سيارات قديمة، وسط خطر الانهيارات الصخرية أو انزلاق المركبات. 

وتمتد الأزمة إلى الكلفة، إذ أدى طول الطرق البديلة ووعورتها إلى تضاعف أجور النقل واستنزاف وقود المركبات، ما يضطر البعض، خصوصاً المرضى، إلى بيع ممتلكاتهم الشخصية أو الاستدانة لتأمين تكاليف السفر.

ويلقي هذا بظلاله أيضاً على حركة الشاحنات التجارية ونقل المساعدات الإنسانية، ما ينعكس سلباً على أسعار المواد الغذائية والسلع التموينية، ويفتح الأبواب على تنامي السوق السوداء، ولا سيما الغاز والمشتقات النفطية.

في الخامس من سبتمبر الجاري، أفادت وكالة الأنباء اليمنية "سبأ" بمقتل أربعة مدنيين وإصابة تسعة آخرين نتيجة استهداف جماعة الحوثي بصاروخ باليستي شاحنة وحافلة على طريق هيجة العبد، 

وجرى نقل الضحايا إلى مستشفى خليفة في مدينة التربة، وأغلق الطريق مؤقتاً لتسهيل عمليات الإسعاف قبل أن يُعاد فتحه لاحقاً. وفي العاشر من سبتمبر، استهدف الحوثيون الطريق نفسه، ما خلف قتلى وجرحى، وفق المصادر المحلية.
 
يقول علي حميد، وهو سائق حافلة ركاب على خط تعز - عدن "نستخدم حالياً الطريق البديل بسبب قطع الحوثيين للطريق الرئيسي الذي يمر عبر الراهدة، والذي كان يقطع المسافة خلال ساعتين، بينما الطريق البديل يمر بالتربة وهيجة العبد، وتستغرق المسافة خمس ساعات على الأقل كونه طريقاً وعراً. 

رغم ذلك، كرر الحوثيون استهداف الطريق البديل بالصواريخ، ما جعله غير آمن، وصار الكثير من المسافرين يتحاشون السفر عبره".

و​لا يقتصر جحيم التنقل في اليمن على خطر القصف ووعورة الطرق، بل يمتد إلى مخاطر الحواجز والنقاط الأمنية المستحدثة على خطوط التماس، والتي باتت أشبه بمصائد الاختطاف والاعتقال التعسفي.

 وتتجلى أبشع الصور في طريق تعز - المخا، والذي شهد حالات احتجاز واختطاف طاولت مسافرين مدنيين من مسلحي جماعة الحوثي.

​ويعيش آلاف المسافرين حالة من الرعب النفسي المستمر، محاصرين بهاجس الموت أو الإخفاء القسري لمجرد اقتراب سياراتهم من حواجز التفتيش، ولا تتوقف الانتهاكات عند حدود الاعتقال، بل ترافقها عمليات نهب ممنهجة، وابتزاز مالي، وتفتيش للهواتف المحمولة بحثاً عن أي ذريعة أمنية تبرر الاعتقال.

يقول عمار العزعزي "أعمل بالبناء في مدينة المخا، ولا أنشغل بالسياسة ولا أتدخل فيها، وخلال سفرنا مع مجموعة من العمال من تعز إلى المخا بصحبة أحد المقاولين، فوجئنا بأن الحوثيين سيطروا على الطريق، وفرضوا نقطة تفتيش؛ وقاموا بإنزالنا من السيارة، وتفتيشنا، والتحقيق معنا، وحين لم يجدوا بحوزتنا شيئاً، اشترطوا أن نؤدي 'الصرخة' ليفرجوا عنا، وهي الشعار السياسي لهم".
 
ومن زاوية حقوقية، تشكل هذه الممارسات القمعية انتهاكاً صارخاً لحرية التنقل التي كفلتها المواثيق والإعلانات الدولية لحقوق الإنسان، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. 

وأسفر التصعيد العسكري الأخير عن إغلاق عدد إضافي من الطرق الحيوية، وإحكام الخناق على مئات الآلاف من السكان، محولاً الخريطة الجغرافية للبلاد إلى كانتونات معزولة.

وأمام هذا التعسف، وجدت الحكومة المعترف بها دولياً نفسها أمام مسؤولية حماية أرواح المدنيين؛ وأصدرت الهيئة العامة لتنظيم شؤون النقل البري، في مطلع سبتمبر، تحذيرات متتالية للمواطنين وسائقي المركبات بتجنب استخدام الطرق والمحاور الرئيسية المعرضة للخطر في محافظات مأرب والجوف وصنعاء،

 فضلاً عن طرق تعز - المخا، والمخا - ذو باب، داعية الجميع إلى الالتزام بالمسارات البديلة كطريق دمت – الضالع – عدن، في إجراء احترازي مؤقت حرصاً على السلامة العامة.

​ورغم الطابع الوقائي لهذه التحذيرات، صارت تفاقم الأزمة، إذ أدت تداعيات التصعيد الميداني وإجراءات إغلاق الطرق إلى توقف رحلات النقل البري، المحلي والدولي، وتأجيل أو إلغاء العديد من الشركات رحلاتها المباشرة من تعز نحو السعودية جراء الأوضاع المشتعلة في غربي المحافظة، خصوصاً على طريق الكدحة، ما دمر مؤقتاً ثمار افتتاح طريق المخا – موزع – المعافر بطول 81 كيلومتراً، والذي خفف سابقاً جزءاً كبيراً من معاناة المسافرين، ليعودوا مجدداً لمواجهة مشقة السفر عبر طرق بديلة أطول وأكثر كلفة.
 
قبيل بدء التصعيد العسكري، أنهت أم بشير وزوجها تجهيزاتها للسفر إلى السعودية لزيارة ولديهما المغتربين، وأداء شعيرة العُمرة، لكن التصعيد أفسد خططهما، واضطرهما إلى تأجيل السفر إلى أجل غير مسمى. 

تقول المسنة اليمنية "لدي ولدان يعملان في السعودية، ومنذ نحو عامين وهما يُلحان عليّ لزيارتهما وأداء العمرة، وكنت في كل مرة أسوِّف، لكنهما أصرّا هذه المرة؛ فجهزت مع زوجي جوازات السفر، وجهّزنا التأشيرات وتذاكر السفر عبر حافلات النقل الدولي، 

وحين أصبح كل شيء جاهزاً، اندلعت المعارك فجأة. بعد ذلك، سمعنا عبر وسائل الإعلام عن إغلاق الطرق، ولم يتبقَّ أمامنا سوى تأجيل السفر".

​وقوبلت هذه التطورات بموجة انتقادات واسعة واتهامات لجماعة الحوثي بتعمد استخدام ملف الطرق العامة ورقة تفاوض سياسية وعسكرية على حساب معاناة المدنيين. 

وتعالت أصوات منظمات المجتمع المدني والأهالي مطالبة بضرورة تحييد الطرق العامة عن الصراع، وفتح كل الممرات الإنسانية أمام حركة المدنيين من دون شروط أو قيود، مؤكدة أن التنقل هو حق إنساني أساسي لا يجوز المساومة عليه أو استخدامه سلاح حرب.

​وليست أزمة الطرق في اليمن مجرد تفصيل عابر، بل قضية حياتية تمس بقاء ملايين البشر، ما يجعل تحويل الطرق العامة إلى ركام، والطرق البديلة إلى مصائد يعكس القسوة البالغة التي يواجهها المواطن اليمني بحثاً عن حقه في الوصول إلى عمله أو جامعته، أو إلى المستشفى. 

وأمام هذا الأفق المغلق، تتكرر صرخة الشارع مدوية: كفى استخداماً للطرق بصفتها سلاحاً، وكفى استهتاراً بأرواح الأبرياء الذين أثقلهم الحصار، وضغطت عليهم سنوات الحرب الطويلة.
 
فخر العزب
صحافي يمني