سقطت المخا... وبقيت أسئلة الخذلان
لم يقدّم مجلس القيادة الرئاسي ولا الحكومة اليمنية أيّ تفسيرات بشأن ما حدث يوم الخميس، 10 سبتمبر/ أيلول الجاري، عندما استيقظ اليمنيون على انسحاب القوات الحكومية المفاجئ من مدينة المخا الساحلية (75 كيلومتراً من باب المندب)، قبل أن يدخلها الحوثيون بعد انهيار سريع للدفاعات الحكومية. لا أحد يعلم من أعطى أمر الانسحاب،
ولماذا اتُّخذ هذا القرار بعد سبعة أيام فقط من موجة التصعيد التي أشعلتها أخيراً جماعة الحوثيين في جبهات غربي تعز ومناطق الساحل الغربي (3 سبتمبر)، في وقت كانت فيه القوات الحكومية قبلها بساعات تروّج أنّها تتقدّم في المعركة وتسيطر على مواقع الحوثيين، حتّى إنّ كثيرين، خصوصاً مع فتح جبهة الجوف وبعدها مأرب، شمالي البلاد، بدأوا يحلمون فعلياً باستعادة العاصمة صنعاء والعودة إليها بعد معاناة الحرب الممتدّة 12 عاماً.
قد يكون الانسحاب عسكرياً مناورةً مشروعةً لتقصير خطوط الدفاع، أو حفظ قوّة مهدَّدة، أو استدراج الخصم إلى منطقة نيران، لكن ما حصل في المخا لا ينطبق عليه ذلك كلّه
لكنّ المقاومة الوطنية التي يقودها طارق صالح أصدرت بياناً (13 سبتمبر)، حاولت فيه تبرير ما حدث، قائلةً إنّ المعارك التي خاضتها مع الحوثيين على امتداد جبهات الساحل الغربي (من 9 أغسطس/ آب إلى 10 سبتمبر) أسفرت عن مقتل أكثر من 500 من عناصرها وإصابة نحو 1500 آخرين.
وفي معرض تبرير قرار الانسحاب، أضافت: "الهجوم حظي بإسناد مباشر من عناصر وخبرات الحرس الثوري الإيراني وأدواته في المنطقة"،
لافتةً إلى أنّه "أمام الكثافة النارية والحشود المتتالية، اتّخذت قيادتنا قراراً شجاعاً بإعادة التمركز والتجهيز في خطوط دفاعية جديدة، حفاظاً على القوّة الضاربة للمقاومة، ولتفويت مخطّط التطويق والتدمير على العدو".
غير أنّه يصعب وصف ما جرى بأنّه إعادة تموضع بالمعنى العسكري التقليدي، ولم يعد لهذه القوات وجود على طول الشريط الساحلي والمناطق المحيطة بباب المندب.
شعور الخذلان ليس جديداً على اليمنيين، جرّبوه طوال سنوات الحرب العجاف، بدءاً من تهجير الحوثيين أهالي دماج في صعدة (يناير/ كانون الثاني 2014)، إلى سيطرتهم على عمران (يوليو/ تموز 2014)، وصولاً إلى دخولهم العاصمة صنعاء (انقلاب 21 سبتمبر/ أيلول 2014)، وما تبع ذلك من تساقط أحجار الدومينو، حتّى تحوّلت حياة الناس الطيّبة في "اليمن السعيد" إلى يوميات مثقلة بالخوف والفقد والتشرّد والمعاناة.
لنعد إلى المخا، وهي بالمناسبة كانت مركز الثقل للتشكيلات العسكرية الحكومية ضدّ الحوثيين في الساحل الغربي، وكانت تتمركز فيها قيادات تشكيلات تضمّ قوات المقاومة الوطنية بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، وألوية العمالقة الجنوبية بقيادة عضو مجلس القيادة أبو زرعة المحرمي، وألوية المقاومة التهامية، وفيها نحو 30 لواءً عسكرياً أعيد تنظيمها وهيكلتها مطلع 2026 ضمن خمس فرق وقوات رئيسة بإشراف سعودي مباشر، تشمل حراس الجمهورية وألوية تهامة وألوية الزرانيق وألوية العمالقة،
إلى جانب تشكيل بحري وقوات أمنية متخصّصة، فأين تلاشى هذا كلّه في جنح الليل؟
صبيحة اليوم المشؤوم، يوم سقوط المخا، أعلن طارق صالح، في بيان نشرته وسائل إعلام رسمية، توجيه القوات المسلّحة في الساحل الغربي إلى "إعادة ترتيب صفوفها"،
قائلاً إنّ القوات المشتركة أنشأت مركز قيادة جنوب مدينة المخا، عقب ما وصفه بـ"اختراقات قوات الحوثيين لمختلف محاور القتال تحت ضغط ناري كثيف استخدم فيه الحوثيون مختلف أنواع الأسلحة".
ولم يقدّم القائد العسكري أيّ توضيح آخر، وظلّ مختفياً، ولا أحد يعلم ماذا حلّ به وبقواته التي يصل قوامها إلى نحو خمسين ألف مقاتل، بحسب تقديرات، قبل أن تعلن قناته ("الجمهورية") لاحقاً انتقاله إلى منطقة آمنة، ثمّ وصوله إلى الرياض.
عسكرياً، يمكن أن يكون الانسحاب مناورةً مشروعةً لتقصير خطوط الدفاع، أو حفظ قوّة مهدَّدة، أو استدراج الخصم إلى منطقة نيران، لكن ما حصل في المخا لا ينطبق عليه ذلك كلّه،
ويقول مَن كان هناك إنّ آلاف المقاتلين حملوا أسلحتهم وما استطاعوا حمله، وغادروا فجر الخميس من المدينة باتجاه عدن وكأنّهم يهربون من شيء، هكذا، من دون أن يعرف أحد من اتخذ القرار ولماذا وكيف وما المبرِّر؟
مساء يوم سقوط المخا بيد الحوثيين، ظلّ اليمنيون يترقبون أيّ ردّة فعل رسمية، أو توضيح، أو قرار يعيد إليهم شعوراً بأنّ المعركة لم تنته.
وفعلاً، اجتمع مجلس الدفاع الوطني اليمني في الرياض، وخُيّل للناس أنّ هذا المجلس لن يصمت على ما حدث في المخا، وسيصدر قرارات عسكرية مسؤولة. لكن،
وكما العادة، ما نتج منه كان بياناً قال: "أيّ تقدّم ميداني عارض لن يمنح المليشيات حقّ فرض أمر واقع بالقوّة، ولن يغيّر من حقيقة أنّ هذه المعركة ليست معركة موقع أو مديرية أو جبهة منفردة، وإنّما معركة وطنية شاملة لاستعادة مؤسّسات الدولة".
وهذه الأخيرة سمعها اليمنيون 12 عاماًً، ويبدو أنّهم سيواصلون سماعها سنوات مقبلة من دون أن يتحقّق هذا الحلم مع قيادة كهذه، تعوّدت على طعم الخسارة وخبرتها، ولا تعرف طريقاً إلى النصر.
ليست الهزيمة عيباً، فالجيوش تتراجع، وتخسر مواقع، وتستعيدها، لكن الخطر الحقيقي في أن تُهزم مرَّتَيْن: مرّةً في الميدان، ومرّةً في خطابك إلى الناس،
إذ لم يكلّف مجلس القيادة نفسه عناء أن يصدر بياناً أو أن يلقي رئيسه رشاد العليمي خطاباً إلى الناس يوضح لهم ما حدث. هل هو من أصدر قرار الانسحاب، أم لم يعلم به أساساً؟
خلاصة القول، يحتاج اليمنيون، بعد ما جرى في المخا، إلى بيان رسمي، تتبعه مساءلة عسكرية، وإلى الإجابة عن أسئلة أبرزها: من صاحب قرار الانسحاب؟
وهل كان قراراً ميدانياً عاجلاً، أم توجيهاً سياسياً، أم كانت هناك تدخّلات لأطراف خارجية، أم حصيلة سوء تنسيق وقيادة؟
ثمّ: كيف تعطّلت قوّة قوامها نحو خمسين ألف مقاتل، وأين ذهبت فعّالية هذه القوى كلّها؟ وهل المشكلة في العدد، أم في تعدّد الولاءات وغياب القيادة الموحَّدة؟
والإجابة عن هذه الأسئلة مهمة لمعالجة ما حصل والاستفادة منه، كما أنّها شرط عسكري عملي، فلا يمكن إصلاح فشل لم تُعرَّف أسبابه، ولا إعادة بناء ثقة لا يعترف أصحاب القرار بكيفية كسرها.
كما أنّ هناك دعوات يمنية إلى لجنة تحقيق حكومية تُشكّل لبحث ما جرى في الساحل الغربي، وإن كان تاريخنا مع لجان كهذه ليس جيّداً، وأغلبها شُكّلت ولم يصدر عنها أيّ قرار يُذكر.
في المحصّلة، أحكم الحوثيون قبضتهم على الشريط الساحلي الاستراتيجي غربي اليمن، وباتوا يسيطرون على الجانب اليمني من منطقة باب المندب.
وفي وقت خسر فيه المعسكر الحكومي المخا، يرى كثير من اليمنيين أنّ الخسارة الأخطر أن يمرّ ما حدث فيها مثل مدن سبقتها، من دون أن يعرفوا من أصدر أمر الانسحاب، ولماذا، ومن سيدفع ثمنه.
فإن كان سقوط المدينة هزيمةً عسكريةً، فإنّ غياب المساءلة هو سقوط للدولة نفسها.
صدام الكمالي
صحافي يمني