Logo

نزوح اليمنيين... عشرات الآلاف بلا مأوى ولا مساعدات

 تشرّد آلاف اليمنيين منذ اندلاع المواجهات في 3 سبتمبر/ أيلول الجاري، والتي تعد الأعنف منذ عام 2022، وأكدت الأمم المتحدة أن عدد النازحين يزداد مع استمرار وصول الأسر إلى المجتمعات المضيفة ومواقع النزوح.

ودعت المنظمة الدولية للهجرة جميع أطراف الصراع إلى حماية المدنيين، وتوفير ممرات آمنة للأسر التي تحاول الفرار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بلا عوائق. 

وحثّت المانحين على الإسراع في إمداد مخزونات الطوارئ وتمويل الاستجابة.

وكان واضحاً، بحسب المشاهد المنقولة من أماكن النزوح والطرقات، أن النازحين يهربون بلا شيء، لا مأوى، ولا غذاء، ولا سبيل لمعرفة إمكان العودة بأمان.

 وتفيد المنظمة الدولية للهجرة بأن "الكثير منهم سبق أن نزحوا مرة أو مرتين أو حتى أربع مرات، وفي كل مرة يندلع فيها القتال يفقدون ما بنوه سابقاً".

وتعرضت المراكز الحضرية والمجتمعات المضيفة في جنوب تعز والساحل الغربي، من بينها المخا وحيس وموزع والمعافر وجبل حبشي، لضغوط كبيرة نتيجة تدفق الأسر النازحة. 

وشدّدت منظمة الهجرة على أن "الأسر النازحة تحتاج بشكل عاجل إلى مساعدات نقدية، ومأوى طارئ، ومستلزمات منزلية أساسية، ومساعدات غذائية. 

ولا يزال يصعب الحصول على مياه الشرب النظيفة ودعم النظافة الشخصية في مراكز الاستقبال وأماكن المجتمعات المضيفة، كما يحتاج السكان المتضررون إلى رعاية صحية طارئة وآليات لإحالة المصابين".

النازحون الجدد في اليمن... عشرات الآلاف بلا مأوى ولا مساعدات

تتواصل موجات النزوح مع استمرار التصعيد العسكري في مناطق الساحل الغربي لليمن، لكن أوضاع النازحين هذه المرة أكثر قسوة، إذ لا تتوفر مخيمات إيواء، ولا قدرة للمجتمعات المستضيفة على توفير الدعم، 

كما لا تملك السلطات ولا المنظمات الإنسانية حلولاً لتوفير الإيواء أو الطعام والشراب، ما يترك النازحين لمصير مجهول.

تتزايد أعداد النازحين من مناطق الساحل الغربي في اليمن خلال الأيام الماضية، ويتوجه النازحون إلى عدة محافظات، أبرزها عدن، 

وبينما لا توجد أي إحصائية رسمية لأعداد النازحين الواصلين إلى عدن، تتحدث المصادر المحلية عن أكثر من 200 عائلة كبيرة العدد، وأن غالبية هذه العائلات تعيش أوضاعاً متردية وسط ظروف بيئية صعبة.
 
وأعلنت الأمم المتحدة، مساء الاثنين، نزوح 125 ألف شخص جراء التصعيد في اليمن، منذ مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري 

في بيان صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). وقال المكتب الأممي إن "الأعمال العدائية في اليمن تجبر الناس على الفرار من ديارهم، وتتسبب في سقوط ضحايا مدنيين، وتضع العمليات الإنسانية المنهكة أصلا تحت ضغط متزايد".

وتقول المنظمة الدولية للهجرة إن عدد النازحين نتيجة التصعيد العسكري خلال الأسبوع الأول من شهر سبتمبر الجاري، يبلغ 82,164 نازحاً على الأقل،

 بينما تكشف مشاهد إنسانية قاسية ظروف هذا النزوح الذي يعتبر الأكثر تعقيداً نتيجة الأعداد الكبيرة للنازحين، وعدم قدرة المناطق المستضيفة على استيعاب هذه الأعداد.

ونشرت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن إحصائية تضم 11,096 أسرة نازحة بعدد إجمالي 77,789 فرداً، حتى 11 سبتمبر، موجهة نداءً إنسانياً عاجلاً للمنظمات الدولية والجهات المانحة للتدخل السريع. 

وأوضحت وحدة إدارة مخيمات النازحين أن "موجات النزوح شملت ست محافظات، تتصدرها تعز بـ 6,436 أسرة، تليها لحج بـ2,338 أسرة، ثم الحديدة بـ1,471 أسرة، إضافة إلى أعداد أقل من عدن وأبين وشبوة. 

تروي الشابة اليمنية سمية قصة نزوحها مع زوجها وطفليهما وإخوتها الأربعة ووالديها، قائلة  "نزحنا من مدينة المخا مستقلين حافلة عائلتنا الخاصة، وشاهدت خلال الطريق الكثير من العائلات النازحة سيراً على الأقدام، بمن فيهم نساء وأطفال.

 نعيش حالياً في مبنى غير مأهول على أطراف حي دار سعد شمالي مدينة عدن، ولا يضم المبنى حمامات، كما لا نملك ما يكفي من الفراش أو الأغطية. ظروفنا المادية صعبة، ودرجات الحرارة مرتفعة، والبعوض يطاردنا في كل مكان، 

بينما والدي يعاني من ارتفاع الضغط ومرض السكري. تواصلنا مع منظمات أهلية، فأبلغونا أنه لا توجد أماكن في مخيمات في المدينة، وأن علينا الانتظار حتى تشييد المخيم الجديد، ولم يقدموا لنا أية مساعدات".

بدورها، اتخذت عائلة رفيقة سعيد البالغ عددها ثمانية أفراد نازحين من المخا، جدار مدرسة حكومية في وسط مدينة البريقة، غرب عدن، ورصيف الطريق مأوى، ينامون في المكان ليلاً، ثم يخرجون نهاراً للبحث عن لقمة عيش تسد جوعهم. 

تتكون العائلة من ثلاث نساء ورجل وأربعة أطفال، وهم يستخدمون الحمامات العامة البعيدة عن مكان بقائهم، ويعتمدون في الطعام والشراب على ما يحصلون عليه من مساعدات المارة، وهي مساعدات لا تكفي لتغطية الحد الأدنى، 

وفي نفس الوقت، لا يعرفون إذا ما كانوا سيحصلون على سقف ينامون تحته بعدما أغلقت مدارس الإيواء بوجه النازحين الجدد.

تقول رفيقة  "منذ وصولنا إلى البريقة، لم نتوقف عن البحث عن مأوى، وعن عمل لتوفير لقمة عيش منتظمة. وضعنا المادي متردٍ، ولا نملك المال لشراء احتياجاتنا من الطعام والشراب. 

كنت أعتقد عندما وصلنا أن المدرسة ستفتح أبوابها لنا، كما كان يحدث سابقاً في كل المحافظات، لكن هذا لم يحدث هذه المرة، 

كما أن المؤسسات الحكومية، والمنظمات المحلية والدولية المعنية بالنازحين ليست مهتمة بأوضاعنا".

وتؤكد مصادر محلية في مدينة عدن أن موجات النزوح مستمرة، ويتواصل تدفق النازحين على المحافظة في ظل خيارات إيواء صعبة. ووجد من وصلوا في أيام النزوح الأولى مكاناً يؤويهم في مدينة عدن ومدن مديريات المحافظة الأخرى، وأغلبها أماكن سكن عشوائية،

 بينما لا يزال آخرين يتجولون في الشوارع والأحياء للبحث عن مأوى بعدما اتخذوا من ركن أو زاوية مستقراً لهم، خصوصاً من يملكون سيارات، في ظل عدم وجود مخيمات أو مراكز إيواء مخصصة للنازحين الجدد.
 
وأغلقت المدارس والحدائق وغيرها من الفضاءات العامة أبوابها في وجه النازحين، ما فاقم صعوبات الإيواء، ومع بدء نصب خيام لإنشاء أول مخيمات استقبال موجة النزوح الجديدة، لا يزال الأمر معقداً. 

إذ رفض الكثير من النازحين الذهاب إلى المخيم الذي لا تتوفر به أية خدمات أساسية، بينما يستمر وصول المزيد من النازحين.

تؤكد الناشطة المجتمعية أماني سالم أن الوحدة التنفيذية للنازحين في عدن بدأت إنشاء المخيم لاستقبال النازحين القادمين من مناطق الساحل الغربي، ونصبت عشرات الخيام بالفعل داخل المخيم الواقع في منطقة رأس عمران الساحلية في أقصى غرب المدينة، والتي تطل على مضيق باب المندب. رغم أنها خطوة مهمة لاستيعاب النازحين،

 إلا أن المخيم لا يتعامل مع الصعوبات والتعقيدات الحياتية، فهو يقع في منطقة نائية معزولة، وهو بعيد عن وسط المدينة، ولا وجود فيه للخدمات الأساسية، من كهرباء وماء ومواصلات ومدارس ومستشفيات".

تضيف سالم: "أوضاع المخيم جعلت الكثير من النازحين يرفضون البقاء فيه، لأن لديهم أبناء يدرسون في مدارس وجامعات، كما يريدون البحث عن وظائف لتوفير المتطلبات، وهذا لا يمكن توفره في منطقة نائية، بل في وسط المدينة حيث الأسواق والمدارس والشركات والمصانع، والمنظمات الإنسانية والإغاثية ليست لديها أية حلول حتى الآن".

يفترش عمر سيولة مع عائلته المكونة من ستة أفراد الأرض على ساحل مدينة البريقة، تحت قطعة من القماش ممتدة فوق سيارتهم كي تقيهم الحر، وتسمح للبعض بالنوم، فيما يضم الجزء الخلفي من السيارة كل ما تمكنوا من حمله معهم من المنزل خلال رحلة النزوح. لم تجد مكاناً يؤويهم، 

وفي النهار يفترشون أحد جوانب الساحل، وفي الليل يذهبون إلى أي مبنى قيد الإنشاء، حيث ينام البعض، ويواصل آخرون السهر للحراسة، وفي الصباح يغادرون إلى الساحل مجدداً.

يقول عمر (55 سنة) "نحن على هذا الحال منذ وصلنا إلى البريقة، إذ لم نتمكن من استئجار منزل أو غرف في فندق بسبب الأسعار المرتفعة، وما أملكه من مال لا يكفي إلا لتوفير الطعام والشراب بالحد الأدنى".

 وعن سبب عدم الذهاب إلى المخيم الذي شيدته الوحدة التنفيذية للنازحين في عدن، يقول إن "المخيم مقام في أقصى غربي عدن، وهو بعيد عن المدينة، ولا تتوفر فيه الخدمات العامة الأساسية، من مدارس وأسواق ومستشفيات، ولا الكهرباء والماء،

 بينما لديّ أبناء يدرسون، ولا بد أن يدخلوا المدرسة بعدما بدأ العام الدراسي فعلياً".
 
بدوره، وصل النازح محمد عبده من المخا مع عائلته المكونة من تسعة أفراد، هم زوجتان وستة أبناء، أغلبهم أطفال، وبينهم طفل رضيع، 

ويؤكد أنه خرج ليلاً مع أسرته، وأخذ معه بعض الاحتياجات الضرورية، وقام مع عائلات أخرى باستئجار حافلة لنقلهم بمبلغ مالي مبالغ فيه، لكنهم وافقوا على الدفع لشح المواصلات نتيجة الأعداد الكبيرة من النازحين.

يضيف عبده: "تمكنا من النوم لنحو ساعتين في ذباب الواقعة في منتصف الطريق الواصلة بين المخا وعدن، لكن خوفاً من وصول المعارك إلى ذباب، واصلنا الطريق إلى عدن، وبعد وصولنا اكتشفنا أن مصيرنا مجهول لعدم وجود أي اهتمام، سواء من المنظمات الإنسانية، أو الوحدات التنفيذية للنازحين. 

لم يقم أحد بمساعدتنا، أو حتى التواصل معنا للحديث عن إنهاء بعض مشاكلنا، وأقبع حالياً مع أسرتي على شاطئ البحر، وأفكر في الذهاب إلى مخيم النازحين الجديد".

ويتابع: "تنزح عائلتي للمرة الثالثة، والمرة الأولى نزحنا في بداية الحرب من مديرية زبيد في محافظة الحديدة، إلى مديرية التحيتا في جنوب الحديدة، ثم نزحنا للمرة الثانية في 2022، إلى مدينة المخا، والتي عشنا فيها طوال السنوات الأربع الماضية، 
 
ومع عودة الحرب إلى المخا، نزحنا للمرة الثالثة إلى عدن".