Logo

سيطرة الحوثيين على باب المندب: الخلفيات والتداعيات

 أعلنت جماعة الحوثي ، في 11 أيلول/ سبتمبر 2026، سيطرتها على ستِّ مديريات بمحافظتَي تعز والحديدة جنوب غرب اليمن، بمساحة تقدّر بنحو 5400 كيلومتر مربع، بعد انسحاب القوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليًا من المنطقة.

 وشملت السيطرة مديرية المَخَا وميناءها الاستراتيجي، وعددًا من الجُزر أهمها جزيرة مَيُون (بِريم) الواقعة في قلب مضيق باب المَنْدب، وأرخبيل حُنَيش الواقع شمالي المضيق. 

وتُعدّ سيطرة الحوثيين على هذه المنطقة الاستراتيجية في الساحل الجنوبي الغربي لليمن التطور الميداني الأبرز الذي تشهده خطوط التماسّ بينهم وبين القوات الحكومية، منذ سريان الهدنة الإنسانية التي رعتها الأمم المتحدة بين الجانبين، في نيسان/ أبريل 2022. 

خلفيات تجدّد القتال

مثَّلت أزمة طائرة "ماهان إير" Mahan Air الإيرانية، التي أقلَّت وفد الحوثيين إلى طهران، للمشاركة في تشييع المرشد الأعلى، علي خامنئي، في تموز/ يوليو 2026، السبب المباشر لاستئناف القتال بين الطرفين. 

ففي حينه، حاولت الحكومة اليمنية منع هبوط الطائرة الإيرانية في طريق العودة من طهران، متهمة الحوثيين بأنهم ينقلون على متنها أسلحة وخبراء إيرانيين. 

ولذلك، استُهدِف مدرج مطار صنعاء بضربات شنتها مقاتلات حربية منسوبة إلى الحكومة؛ ما اضطُر الطائرة إلى الهبوط في مطار الحديدة، قبل أن تعود إلى إيران. 

فاستغل الحوثيون الحادثة للتصعيد وأعلنوا، في أواخر تموز/ يوليو، حظر الملاحة البحرية على السفن التابعة للمملكة العربية السعودية، وبدء استهداف ناقلاتها النفطية التي ازداد عبورها في المنطقة، بعد أن حوّلت المملكة تصدير النفط من ميناء رأس تنورة على الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بعد إغلاق مضيق هرمز. 

وقد زاد الحوثيون من وتيرة استهدافهم للقواعد العسكرية والمنشآت الحيوية السعودية في مناطق غرب البلاد، وصعّدوا هجماتهم أيضاً على ميناء المخا مستخدمين الصواريخ الباليستية، والطائرات والزوارق المسيّرة.
 
وعلى الرغم من تقاطع مصالح الحوثيين وإيران في الضغط على السعودية، بتعزيز القبضة على حركة الملاحة في عموم المنطقة، بما في ذلك منطقة جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إضافة إلى مضيق هرمز،

 فإن هذه الرواية لا تفسر تأخر التحرّك الحوثي ستة أشهر منذ أن شنّت الولايات المتحدة حربها على إيران في 28 شباط/ فبراير الماضي، ولا إعلان الحوثيين أن حرّية الملاحة في البحر الأحمر لن تتأثر بعد سيطرتهم على مضيق باب المندب. 

لذلك، يُرجّح أن يكون فتح جبهة الساحل اليمني ناتجًا في المقام الأول من حسابات خاصة بالحوثيين، حاولت إيران، الساعية لتشديد الضغط على إدارة دونالد ترمب عبر رفع أسعار النفط قبل الانتخابات النصفية الأميركية، الاستثمار فيها سياسيًا. 

وجاء الهجوم الحوثي تحركًا استباقيًا لمواجهة تحركات القوات الحكومية، الرامية إلى فرض واقع ميداني جديد في المنطقة، مستفيدة من الوضع الإقليمي الناجم عن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. 

وقد بدت هذه التحرّكات واضحة في حديث مسؤولي الحكومة اليمنية عن قرب إعلان "المعركة الفاصلة التي ستحرر صنعاء"، وتسارع خطوات إعادة بناء الجيش اليمني، وتعزيز قدراته، في سياق ما وُصف بأنه "استعداد للمرحلة المقبلة، في حال رفض الميلشيات الحوثية للحلول السلمية". 

بناء عليه، بادر الحوثيون إلى تحديد وقت المعركة وساحتها، وشرعوا في استهداف مدينة المخا، منذ 9 آب/ أغسطس 2026. ثم وسّعوا نطاق عملياتهم العسكرية، في 3 أيلول/ سبتمبر، لتشمل جبهات حَيْس، وجبل راس، ومَقْبِنة، والكَدَحة، والبَرْح، ثم جبل حَبَشي، ومَوْزَع، والوازعية، والخُوخة، والمخاء، وذو باب،

 ولينتهي الأمر بسيطرتهم على أبرز المناطق الاستراتيجية الواقعة على ساحل البحر الأحمر اليمني الجنوبي، بما في ذلك مضيق باب المندب والجزر اليمنية المتحكمة فيه. 

أسباب انهيار القوات الحكومية

يرتبط انهيار القوات الحكومية وانسحابها إلى مسافة تزيد على 120 كيلومترًا، على طول خط الساحل الجنوبي الغربي للبلاد، بمجموعة من العوامل الخارجية والداخلية، أبرزها التنافس السعودي - الإماراتي في اليمن، خلال السنوات الماضية، والخلافات والصراعات بين القوى المسلحة المناهضة للحوثيين؛ ما حال دون بناء جيش يمني موحّد، بسبب تعدد الأهداف والمرجعيات وتضارب المصالح والولاءات. 

ونتيجةً لهذا التنافس، شهد اليمن مواجهات مسلحة عديدة في صفوف التحالف المعادي للحوثيين، بدأت بأحداث عدن عام 2019، وصولاً إلى المواجهات المسلحة التي اندلعت مطلع عام 2026 بعد أن حاولت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي طرد القوات الحكومية، من محافظتَي المهرة وحضرموت، وانتهت بتدخّل عسكري سعودي أسفر عن حلّ قوات المجلس الانتقالي وانسحاب الإمارات نهائيّاً من اليمن.
 
وعلى الرغم مما بدا حسماً للصراع في الجنوب لمصلحة الحكومة الشرعية، ظلّ الانسجام غائباً بين مختلف فصائل القوات الحكومية التي خاضت المعارك أمام الحوثيين، خصوصاً في تعز وجنوبي الساحل الغربي. 

وقد برز ذلك جليّاً بين القوات المسؤولة عن محور تعز، وقوات ما تُسمّى "المقاومة الوطنية" التي أُنشئت برعاية إماراتية، بقيادة العميد طارق صالح، وتتألف من حرّاس الجمهورية، وألوية من المقاومة التهامية والزرانيق، وثلاثة ألوية تابعة لقوات العمالقة. 

وكان لافتا أيضًا أن هذه القوات افتقرت إلى أيّ دعم جوي، أو إمداد لوجستي في المراحل الأولى من المواجهة مع الحوثيين الذين استغلوا فرصة تأخر الدعم الجوي للقوات الحكومية، فبادروا إلى توسيع نطاق عملياتهم العسكرية؛ وهو ما تسبب في انهيارات واسعة في صفوف تلك القوات.
 
ساهمت عوامل أخرى في إضعاف قدرة القوات الحكومية على صد الهجوم الحوثي الذي بدا منسقّاً ومخطّطاً له جيّداً، أبرزها الفساد المنظم في صفوف القوات الحكومية، والذي ظهر في تضخيم أعداد القوات المسجلة في كشف الرواتب، مقارنةً بأعداد القوات الموجودة فعليًا في الميدان. 

وكان للعوامل الجغرافية والمحلية والقبلية دور مهمّ أيضاً في تحديد نتيجة المعركة؛ فمعظم قادة القوات الحكومية المنتشرة في المنطقة ينحدرون من خارجها؛ وهو ما حدّ من قدرتهم على بناء شبكاتٍ محليةٍ داعمةٍ لوجودهم فيها.
 
واجهت القوات الحكومية عبئاً دفاعيّاً يفُوق قدراتها على مواجهته؛ نظراً إلى التفوق العددي والنوعي، وفي القوة النارية التي وظفها الحوثيون في هجومهم، ولا سيما أن جبهة الساحل الغربي شكّلت الاتجاه الرئيس لهجومهم. 

كما أن الجبهات التي فُعِّلت في مأرب والجوف، لتخفيف الضغط عن جبهة الساحل، لم تُحدث أثرًا كافيًا للحدّ من اندفاعة الحوثيين نحو جنوب الساحل الغربي، أو قطع طرق إمداداتهم، فضلًا عن بطء وصول التعزيزات والإسناد الجوي إلى القوات الحكومية. 

وواجهت القوات الحكومية خصمًا مصمّمًا، يتمتع بسيطرة مركزية قوية على قواته، ويتفوق في بعض أنواع الأسلحة التي أمكنه الحصول عليها من إيران، على الرغم من الحصار المفروض عليه.

تداعيات سيطرة الحوثيين على باب المندب

أفرزت السيطرة الكاملة للحوثيين على الساحل الجنوبي للبحر الأحمر تداعيات سياسية وعسكرية مهمّة، ويعتمد استمرارها على قدرتهم على الاحتفاظ بالمناطق التي انتزعوها، وطبيعة الاستجابة لها، محليًّا ودوليًّا. 

سياسيّاً، تمثِّل سيطرة الحوثيين على مناطق استراتيجية، في جنوب غرب البلاد، نكسة كبيرة للحكومة اليمنية، ويُرجّح أن تكون لها تداعيات مهمّة على مجمل أوضاعها، سواء في الداخل اليمني أو على الساحة الإقليمية والدولية. 

وإضافة إلى إضعاف موقف الحكومة داخليّاً، فإنها فقدت القدرة على التعامل مع القوى الإقليمية والدولية باعتبارها الطرف المسيطر على أحد أهم المضائق البحرية في المنطقة والعالم، الذي يمرّ عبره نحو 12% من حركة التجارة العالمية. 

وفي المقابل، منحت هذه السيطرة الحوثيين قدرة أكبر على التعامل مع الدول التي ترتبط مصالحها بهذا المعبر البحري المهمّ، والتأثير حتى في مواقف بعضها من الصراع في اليمن. 

وإذا تمكّن الحوثيون من الاحتفاظ بالسيطرة على مضيق باب المندب، فسوف يفتح ذلك أمامهم مجالاً للتعامل مع المجتمع الدولي، باعتبارهم الجهة المسيطرة على المضيق بحكم الأمر الواقع. 

وأزاحت السيطرة الحوثية على المناطق التي كانت تشغلها قوات المقاومة الوطنية، بقيادة طارق صالح، خصمًا سياسيًا مهمّاً، يمثّل البيئة التي ظلت على ولائها للرئيس الراحل علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون، بعد خلافهم معه في كانون الأول/ ديسمبر 2017. 
 
عسكريّاً، تمكّن الحوثيون من إزاحة أحد أبرز التشكيلات العسكرية المعادية لهم، وأضعفوا قدرة القوات الحكومية وحلفائها على استهداف مسارات تهريب الأسلحة والوصول إليها. 

وعلاوة على هذا، أتاحت سيطرة الحوثيين على الجزء الأكبر من الساحل الغربي ومحيطه البحري لهم موقعاً لوجستيّاً متقدّماً لكسر الحصار المفروض عليهم، وتهديد طرق الملاحة إذا اقتضت مصلحتهم ذلك. 

ويأتي هذا في ضوء تصاعد نشاط جماعات القرصنة البحرية التي استفادت من تركيز سفن البحرية الغربية على حرب إيران، ومحاولات تأمين الملاحة في مضيق هرمز، لتزيد هذه الجماعات نشاطاتها في خليج عدن خصوصًا. 

كما اتسع نشاط تنظيم حركة الشباب الصومالية، على الطرف الآخر من البحر الأحمر، وثمّة احتمال لنشوء تحالف مصلحة بينهم وبين الحوثيين، بحسب ما جاء في تقرير صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. 

إقليميّاً، أضفت سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب بعدًا استراتيجيًا أكبر على الصراع في اليمن، وعززت ارتباطه بعموم الصراع الدائر في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة. 

إلى جانب ذلك، زادت أهمية الحوثيين بالنسبة إلى إيران التي صار في إمكانها أيضًا توظيف الموقع الاستراتيجي لكل من هرمز وباب المندب، من الناحية السياسية، مع أن الحوثيين بدوا حريصين على تأكيد استقلاليتهم في هذا الشأن. 

فقد تجنبوا الدخول في الحرب منذ أن هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، وظلوا ملتزمين بالتفاهمات مع واشنطن منذ يوم 6 أيار/ مايو 2025، التي تتواصل معهم مباشرة. 

وقد أكدوا أن سيطرتهم على مضيق باب المندب لن تؤثر في حرية الملاحة فيه، باستثناء السفن السعودية، وأن هذا مرتبط أيضًا برفع المملكة حصارها عن اليمن، من دون أن يأتوا على ذكر الصراع بين إيران والولايات المتحدة. 

خاتمة

تشكّل سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل اليمني على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والانهيار السريع لـ "قوات المقاومة الوطنية" التابعة للحكومة اليمنية، تحوّلًا مهمًّا في موازين القوى المحلية والإقليمية، وسوف تكون لها تداعيات مهمّة على وضع الحكومة اليمنية، داخليًا، ودوليًا. 

وتنعكس آثار هذا التحوّل على عموم المواجهة الدائرة في المنطقة، بما فيها محاولات السيطرة على المعابر البحرية وخطوط التجارة ونقل الطاقة، والتي صارت أحد أهم أهداف التنافس الإقليمي والدولي، بعد الحرب على إيران. 

ويكتسي هذا التحوّل أهمية أكبر، إذا أدت سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب ومعظم سواحل اليمن على البحر الأحمر إلى تشكّل شبكة نفوذ عابرة للبحر الأحمر وخليج عدن، في اتجاه الساحل الأفريقي، واحتدام التنافس عليها. 
 
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات