حين تسقط أخلاق الخصومة… لا ينتصر أحد، بل يخسر الجميع
من المؤسف أن تتصفح ما ينشره بعض اليمنيين على منصات التواصل الاجتماعي، فتجد نفسك أمام مشهدٍ لا يليق بتاريخ اليمنيين، ولا بقيم مجتمعهم، ولا بمكانة بعض الأسماء التي تتصدر المشهد الاجتماعي.
والأشد إيلامًا أن ترى بين هؤلاء شخصياتٍ اجتماعية يُفترض أن تكون مرجعًا للحكمة، ومثالًا للرزانة، وقدوةً في السلوك، فإذا ببعض ما يكتبونه أو يعلقون به لا يعكس مكانتهم، ولا يليق بما يُنتظر منهم من اتزانٍ ومسؤولية.
تختلف الآراء، وتتباين المواقف، وتتعارض المصالح، وتشتد الخصومات السياسية والاجتماعية، وهذا كله من طبيعة الحياة. لكن الذي ليس طبيعيًا، ولا مقبولًا، أن يتحول الاختلاف إلى مبررٍ للإهانة، وأن تصبح الخصومة تصريحًا مفتوحًا للسباب والتشهير والتجريح، وأن يظن بعض الناس أن ارتفاع الصوت دليل قوة، وأن قسوة العبارة دليل حجة، وأن إسقاط الخصم أخلاقيًا يعفيهم من واجب احترام أنفسهم قبل احترام الآخرين.
فليست المشكلة أن نختلف، بل أن ننسى، ونحن نختلف، من نكون.
وليس العيب أن تعارض رأيًا، أو تنتقد موقفًا، أو تكشف خطأً، أو تدافع عن قناعتك بكل قوة؛ إنما العيب أن تعجز عن فعل ذلك دون أن تهين، وأن تفقد حجتك فتستدعي الشتيمة، وأن تضيق بك مساحة الحوار فتفتح أبواب الإساءة.
إن الكلمة التي تكتبها ليست مجرد حروف تظهر على شاشة ثم تختفي؛ إنها تعبير عن صاحبها، وشاهد على أخلاقه، وأثر قد يبقى أطول مما يتصور.
وما أكثر الذين يكتبون في لحظة غضب ما يعجزون عن الاعتذار عنه طوال سنوات! وما أكثر الذين يظنون أنهم ينتصرون بتعليقٍ جارح، بينما هم في الحقيقة يقدمون للناس صورةً عن أنفسهم لم تكن لتظهر لولا ذلك التعليق!
الخصومة أخلاق قبل أن تكون معركة
هناك فرق كبير بين رجلٍ يخاصمك لأنه يختلف معك، ورجلٍ يريد أن يهينك لأنه يكرهك.
الأول يناقشك في فكرتك، ويعترض على موقفك، ويقدم حجته، وقد يشتد في نقده، لكنه يترك لك حقك في الكرامة. أما الثاني فلا تعنيه الفكرة بقدر ما يعنيه صاحبها، ولا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن إيلام خصمه، ولا يريد أن ينتصر لرأيه بقدر ما يريد أن يراك مهزومًا أمام الآخرين.
الأول يمارس الاختلاف، والثاني يختبر حدود سقوطه الأخلاقي في الخصومة.
ولذلك، فإن شرف الخصومة ليس شعارًا نرفعه عندما نكون في موقع القوة، ثم نتخلى عنه عندما نغضب أو نخسر أو نختلف؛ بل هو اختبار حقيقي لأخلاق الإنسان، يظهر في اللحظة التي يكون فيها قادرًا على الإساءة، ثم يختار ألا يفعل.
فالأخلاق التي لا تصمد أمام الخصومة ليست أخلاقًا راسخة، وإنما سلوكٌ مؤقت تحكمه المصلحة والظروف.
ومن السهل أن تتحدث عن التسامح وأنت لا تختلف مع أحد، وأن تدعو إلى الاحترام وأنت لا تواجه من يعارضك، وأن تتغنى بالحكمة حين تكون كلمتك مقبولة لدى الجميع.
لكن الحكمة الحقيقية تظهر عندما يخالفك إنسانٌ في رأيه، ويستفزك في موقفه، ويعارضك في قناعتك؛ فهل تستطيع أن ترد عليه دون أن تهينه؟ وهل تستطيع أن تنتقده دون أن تنكر إنسانيته؟ وهل تستطيع أن تختلف معه دون أن تتحول إلى نسخةٍ من السلوك الذي تنتقده فيه؟
هنا تحديدًا تُعرف معادن الرجال.
وماذا عن الشخصيات الاجتماعية؟
حين يصدر السلوك المسيء عن شخصٍ عادي، فإنه يسيء إلى نفسه، وقد يمر أثره في نطاق محدود. أما حين يصدر عن شخصية اجتماعية لها حضورها وتأثيرها، فإن أثره يتجاوز صاحبه إلى الصورة التي يقدمها عن المجتمع الذي ينتمي إليه.
فالمكانة الاجتماعية ليست حصانةً من النقد، ولا امتيازًا يسمح لصاحبها بأن يقول ما يشاء دون حساب أخلاقي. بل هي مسؤولية إضافية، لأن الناس لا تنظر إلى الاسم والموقع وحدهما، وإنما تراقب السلوك، وتقارن بين ما يقوله الإنسان عن القيم وما يمارسه حين يختلف مع الآخرين.
وليس مطلوبًا من الشخصيات الاجتماعية أن تكون معصومة من الخطأ، فالعصمة ليست من صفات البشر؛ لكن المطلوب منها أن تعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن النفوذ المعنوي أمانة، وأن احترام الناس لا يُفرض بالألقاب، وإنما يُكتسب بالمواقف.
فليس كل مشهورٍ قدوة، وليس كل صاحب مكانةٍ أهلًا لأن يُقتدى به، وليس كل من امتلك منبرًا امتلك حكمة الكلمة.
وقد ينسى البعض أن الناس ربما لا تتذكر تفاصيل مئات المنشورات التي كتبها الإنسان، لكنها قد تتذكر طويلًا تعليقًا واحدًا كشف عن تعصبه، أو شتيمةً فضحت عجزه، أو موقفًا سقط فيه احترامه لخصمه ولذاته معًا.
لسنا مطالبين بأن نحب بعضنا، بل بأن نحترم إنسانيتنا
قد لا أتفق معك في السياسة، وقد أختلف معك في التاريخ، وقد أرى في موقفك خطأً كبيرًا، بينما تراه أنت صوابًا لا يقبل النقاش.
هذا حقك، كما أن الاختلاف حقي.
لكن ليس من حقي أن أسلبك كرامتك لأنك خالفتني، وليس من حقك أن تجعل رأيي سببًا لإهانتي.
لا يلزمني أن أحب كل من أخالفه، ولا يلزمك أن تتبنى قناعاتي؛ لكننا جميعًا ملزمون بألا نحول الاختلاف إلى عداوةٍ تُسقط كل قيمة، أو خصومةٍ تُبيح كل وسيلة.
ومن حق الإنسان أن يكون حادًا في نقده، صريحًا في موقفه، قويًا في حجته، دون أن يكون فاحشًا في عبارته أو ظالمًا في حكمه.
فالاحترام لا يعني الضعف، والهدوء لا يعني العجز، وضبط اللسان لا يعني غياب الحجة.
بل إن الإنسان الواثق من رأيه لا يحتاج إلى إهانة مخالفه كي يثبت أنه على حق.
إلى الذين يظنون أن الإساءة انتصار
تمهلوا قليلًا قبل أن تضغطوا زر النشر.
اسألوا أنفسكم: هل أضفنا بهذه الكلمات شيئًا إلى النقاش؟
هل قدمنا حجةً تستحق القراءة؟ هل دافعنا عن موقفنا أم كشفنا عن غضبنا؟
وهل سنرضى غدًا أن يقرأ أبناؤنا ما كتبناه اليوم، وأن يروا فيه الصورة التي نحب أن يعرفونا بها؟
فما يُنشر اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من الذاكرة العامة، وما يُكتب في لحظة انفعال قد يتحول إلى شاهدٍ دائم على صاحبه.
ولا تجعلوا من منصات التواصل ساحةً لتصفية الحسابات، ولا من الاختلاف السياسي مبررًا لتمزيق الروابط الاجتماعية، ولا من الخصومة وسيلةً لإسقاط القيم التي تربينا عليها.
فاليمنيون، بما مروا به من حروبٍ وانقساماتٍ ومآسٍ، أحوج ما يكونون إلى كلمةٍ تجمع، وحوارٍ يفتح نافذةً للفهم، واختلافٍ لا يتحول إلى عداوةٍ شخصية.
لقد اختلفنا كثيرًا، وربما سنظل مختلفين طويلًا، لكن لا شيء يفرض علينا أن نخسر أخلاقنا في كل معركة، أو أن نترك خلافاتنا تسرق منا ما تبقى من احترامنا لبعضنا.
فالخصومة التي تفقد أخلاقها لا تصنع منتصرًا؛ إنها تصنع جروحًا جديدة، وتترك خلفها ضحايا، وتضيف إلى خراب الواقع خرابًا في النفوس.
كلمة أخيرة
لست أكتب هذه الكلمات دفاعًا عن شخصٍ بعينه، ولا انتصارًا لطرفٍ على طرف، ولا طلبًا لأن يتفق الناس معي في آرائي ومواقفي.
أكتبها لأنني أؤمن أن الاختلاف حق، وأن الكرامة حق، وأن النقد ضرورة، وأن شرف الخصومة قيمة لا ينبغي أن تسقط مهما اشتدت الخلافات.
وأؤمن أن بإمكاننا أن نعارض دون أن نهين، وأن ننتقد دون أن نتجنى، وأن نخاصم دون أن نفقد إنسانيتنا.
ومن أراد أن ينتصر لرأيه، فليقدّم حجته. ومن أراد أن ينتقد خصمه، فليناقش موقفه. ومن أراد أن يدافع عن الحقيقة، فليتحرَّ الإنصاف.
أما الشتائم والسباب والتشهير، فلا تجعل الباطل حقًا، ولا تجعل المخطئ مصيبًا، ولا ترفع قدر صاحبها، مهما ظن أنه حقق بها انتصارًا.
إن شرف الخصومة ليس أن تنتصر على خصمك بأي وسيلة، بل أن تخرج من خلافك معه دون أن تخسر احترامك لنفسك.
وما أجمل أن نختلف، ثم يبقى في نفوسنا متسعٌ للإنصاف؛ وأن نتخاصم، ثم لا نندم على كلمةٍ جارحة؛ وأن تتباعد مواقفنا، دون أن تسقط بيننا آخر جسور الاحترام.
فالرجال لا تُعرف أخلاقهم بمن يحبون، وإنما تُعرف حين يختلفون مع من لا يحبون.
وتلك، في نظري، هي العلامة الفارقة بين خصومةٍ يصونها الشرف، وخصومةٍ لا يبقى منها في النهاية سوى الندم.
بقلم : أحمد سود أحمد هفج