نازحو مأرب... الفرارٌ من الحرب لا يقيهم الجوع والعطش والأمراض
تواجه محافظة مأرب شمال شرقيّ البلاد تحديات جمّة، وسط اتّساع المواجهات وتصاعد حركة النزوح من محافظات تعز والحديدة والجوف، بينما لم تنجُ هي الأخرى من المعارك والهجمات الصاروخية والمسيّرات.
تستقبل محافظة مأرب، شمال شرقيّ اليمن، موجة جديدة من النازحين الفارّين من المواجهات في محافظات تعز والحديدة والجوف، في وقت يطاول فيه التصعيد المحافظة نفسها،
ويعيد القصف على الأحياء السكنية ومخيمات النزوح طرح السؤال عن الحماية المتاحة للأسر التي تبحث عن مكان أكثر أمناً، بعدما اضطرّت إلى ترك منازلها ومصادر عيشها.
ووثّقت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في مأرب، في تقرير أولي صدر أواخر سبتمبر/أيلول الفائت، وصول 412 أسرة تضم 2954 شخصاً من المحافظات الثلاث،
كاشفةً عن حاجة الأغلبية الساحقة من الأسر إلى المأوى والغذاء والمياه، وسط ضغوط إضافية على محافظة تستضيف أكثر من مليوني نازح، بحسب أرقام الوحدة التنفيذية.
وتأتي حركة النزوح هذه بالتزامن مع اتّساع المواجهات في الساحل الغربي ومحافظة الجوف، ومع التقدم الذي أحرزه الحوثيون في مناطق غرب تعز وجنوب الحديدة خلال سبتمبر الماضي،
غير أنّ مأرب شهدت بدورها هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ومواجهات على جبهاتها الجنوبية والغربية، ما يضيف مخاوف أمنية إلى صعوبة الاستقرار فيها والحصول على الخدمات.
في مخيم الرميلة، شرقيّ مدينة مأرب، قال المواطن الخمسيني هزاع يعقوب، الذي وصل إلى المخيم قبل أسبوعين برفقة أسر أخرى قادمة من الخوخة، جنوبيّ محافظة الحديدة
وهي المحافظة التي سيطر الحوثيون على آخر معاقل الحكومة فيها في العاشر من سبتمبر الماضي. إنّه غادر مع زوجته وحفيدَيه في ظروف صعبة، وتنقلوا مرات عدّة قبل أن يصلوا إلى عدن بعد رحلة استغرقت يومين،
ولكنّه وجد هناك أعداداً كبيرة من النازحين، وظروفاً لم تساعده على البقاء.
ويتحدث عن ازدحام مواقع النزوح في عدن وافتقارها إلى الخدمات الأساسية، موضحاً أنّ أحد أقاربه استضافه في مسكنه لأيام، قبل أن يقرّر التوجّه نحو مأرب، بعدما وعده قريب آخر بتوفير خيمة تؤوي أسرته.
وتمكّن هزاع من إقناع سائق سيارة نقل صغيرة باصطحاب أسرته نحو مأرب في صندوق السيارة، مقابل المبلغ الذي كان بحوزته، وهو عشرة آلاف ريال يمني (42 دولاراً أميركياً).
وفي مأرب، استضافه قريبه في خيمة بجوار مسكنه في المخيم، وحصل على فرش وسلّة غذائية من إحدى المنظمات المحلية،
ويقول إنّ الوحدة التنفيذية وعدت بتوفير بعض المستلزمات الأساسية الأخرى لأسرته، ولكنّه ما زال ينتظر وصولها.
ويؤكّد أنّ حاله تبقى أفضل من غيره، كونه في خيمة بجوار قريبه، في حين أنّ هناك نازحين افترشوا الأرض لأيام وناموا في العراء، من دون أيّ مستلزمات، باستثناء بعض البطانيات.
وهذه المرة الثانية التي تضطر فيها الأسرة إلى النزوح، بعدما غادرت منزلها في مديرية حيس إلى الخوخة عام 2021.
ويذكر هزاع أنّه بدأ نزوحه الأول من دون أدنى مقوّمات للحياة، وبذل جهداً لترتيب أوضاع أسرته في الخوخة، قبل أن يضطر إلى ترك ما بناه والفرار مجدّداً.
وعن الأسر الخمس الأخرى التي وصلت إلى المخيم، يقول إنّها جاءت من مديريات جنوبيّ الحديدة وغربيّ تعز، وتواجه ظروفاً مشابهة، بانتظار الفرج.
وبحسب تقرير الوحدة التنفيذية، جاءت 255 أسرة من تعز، تمثل نحو 62% من إجمالي الأسر التي شملها الرصد، مقابل 110 أسر من الحديدة و47 أسرة من الجوف، وهي حصيلة تخصّ الوافدين إلى مأرب الذين وثقتهم الوحدة، لا إجمالي النازحين من مناطق المواجهات.
وتصدّرت مدينة المخا مناطق قدوم الأسر إلى مأرب، بواقع 160 أسرة، إلى جانب أسر من مديريات الوازعية ومقبنة وموزع وحيفان بمحافظة تعز.
ومن محافظة الحديدة، وصلت أسر من مديريات حيس والخوخة والجراحي، بينما قدمت الأسر النازحة من محافظة الجوف من مديرية خب والشعف.
واستقرت معظم الأسر في مديرية مدينة مأرب، التي استقبلت 285 أسرة، مقابل 105 أسر في مديرية الوادي و22 أسرة في مديرية حريب، جنوبيّ المحافظة.
ويؤكد المدير العام للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في مأرب، سيف مثنى، أنّ الحصيلة تقتصر على الأسر والأفراد الذين تمكّنت الوحدة من رصدهم حتى إعداد التقرير، مرجّحاً أن تكون الأعداد الفعلية أكبر.
ويوضح أنّ بعض الوافدين ربما يستقبلهم أقاربهم مباشرة في المخيمات، خصوصاً خارج المدينة، في مديريات حريب والوادي ورغوان، من دون تنسيق مباشر مع الوحدة.
ويشير مثنى إلى أنّ عدد الواصلين إلى مأرب من مناطق التصعيد في غرب تعز وجنوب الحديدة أقلّ بكثير مقارنة بالأعداد التي اتّجهت إلى لحج وعدن ومدينة تعز،
ويعزو ذلك إلى بُعد المسافة وارتفاع تكاليف الانتقال عبر المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة والممتدة في الجنوب والشرق، وصولاً إلى مأرب.
وطاول أثر المواجهات في مأرب حركة التنقل أيضاً،
ففي الثامن من سبتمبر، حذّرت الهيئة العامة لتنظيم شؤون النقل البري من استخدام طريق الجوبة - مأرب بسبب الاشتباكات، ودعت المسافرين وشركات النقل إلى سلوك طريق دمت - الضالع - عدن، في مؤشر إلى امتداد أثر القتال إلى الطرق التي يستخدمها المسافرون.
وعن استمرار التدفق، يقول مثنى إنّ النزوح إلى مأرب لم يتوقف منذ عام 2014، حتى خلال أشد فترات الهجمات الحوثية على المحافظة في أعوام 2015 و2020 و2021، مضيفاً أنّه لا يكاد يمرّ أسبوع من دون استقبال نازحين من محافظات مختلفة.
وبحسب مثنى، تستضيف مأرب حالياً نازحين من معظم محافظات اليمن، يسكن قسم منهم في منازل مستأجرة داخل المدينة، بينما يتوزع آخرون في بعض المرافق الحكومية والمخيمات المحيطة بها وفي المديريات المجاورة.
وإذ تتنوّع مساكن النازحين في المخيمات بين بيوت من الطين والصفيح والقش والخيام، يؤكّد مثنى أنّ الوحدة والسلطة المحلية والحكومة، كلّها جهات تبذل جهوداً لتوفير ظروف عيش لائقة، في ظلّ ضعف الإمكانات وارتفاع الأعداد، وما يصفه بـ"الضعف الكبير لدور المنظمات الدولية المعنية".
ولم تبدأ أعباء الاستضافة في مأرب مع هذه الموجة، إذ يفيد تقرير الوحدة التنفيذية بأنّ إجمالي النازحين في المحافظة قارب مليونين و217 ألف شخص خلال الفترة الممتدة من عام 2014 إلى 2026.
وتُظهر نتائج التقييم حجم الحاجات الأساسية لدى الوافدين، إذ تحتاج 95% من الأسر إلى المأوى والمواد غير الغذائية، و92% إلى تدخلات الأمن الغذائي، و87% إلى المياه والإصحاح البيئي.
وصنّفت الوحدة حاجات المأوى والغذاء بأنّها "حرجة"، وحاجات المياه والحماية بأنّها "مرتفعة".
وتشمل التدخلات المطلوبة توفير مأوى طارئ وتحسين المساكن ومواد الإيواء، والمساعدات الغذائية ودعم التغذية وسبل العيش، إلى جانب المياه الآمنة والصرف الصحي والنظافة.
كما كشف التقرير حاجة 58% من الأسر إلى خدمات الحماية، و44% إلى خدمات التعليم، والنسبة ذاتها من الأسر إلى خدمات الصحة.
وأفادت الوحدة بأنّ فرقها نفّذت زيارات ميدانية إلى مواقع استقرار الأسر، واعتمدت على الرصد المباشر والتواصل مع النازحين لجمع بيانات الأعداد ومناطق القدوم والحاجات
مشيرةً إلى أنّها أبلغت القطاعات الإنسانية والشركاء العاملين بحركة النزوح، وشاركتهم المعلومات لتنسيق التدخلات وتوجيه المساعدات إلى الأسر الأكثر حاجة.
ودعت إلى تفعيل آليات الطوارئ من دون انتظار استكمال الإجراءات أو التقييمات التي قد تؤخر وصول الدعم، وإنشاء مخزون طوارئ يسمح بالتعامل مع التدفقات الجديدة، مع ضمان ألا تُترك أيّ أسرة من دون الحد الأدنى من المساعدة بسبب نقص التمويل أو معوّقات التنسيق.
وتتجاوز حاجات الأسر الغذاء والمأوى إلى الرعاية الصحية واستمرار التعليم والحماية،
ويشير التقرير إلى وجود أطفال ونساء وكبار سن وأشخاص ذوي إعاقة ومصابين بأمراض مزمنة بين الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، فضلاً عن أسر تُعيلها نساء، مطالباً بتوفير الأدوية والرعاية الصحية الأولية والإحالات الطبية، ودعم استمرار تعليم الأطفال.
نايف القداسي
مراسل يمني