Logo

اليمن... شبح الحرب الطائفية

 كثيراً ما يُصوَّر البعد الطائفي للنزاع اليمني تصويراً كاريكاتورياً، إذ يُدرَج ضمن رهانات التنافس الإقليمي بين السعودية السنّية وإيران الشيعية. 

ولئن كان هذا البعد مكوّناً لا يمكن إنكاره في المواجهة بين الحوثيين وأعدائهم، فإنه جرى تفعيله بدرجات متفاوتة مع توالي المعارك. بيد أنه يبدو في طريقه إلى العودة، في وقت يتصاعد العنف درجةً أخرى.
 
لا يمكن فصل الحركة الحوثية عن مسار إحياء الهوية الدينية الزيدية.

 فهذه الهوية، التي ينفرد بها اليمن اليوم، نشأت في القرون الأولى للإسلام في العراق الحالي، في أعقاب ثورة أنصار علي بن أبي طالب، ابن عم النبي محمد وصهره، ومنهم تفرّعت لاحقاً مختلف الفرق الشيعية. 

ثم امتدت في أواخر القرن التاسع الميلادي إلى جنوب غرب شبه الجزيرة العربية.

 وفي جبال اليمن، مارس الزيديون وصاية سياسية ودينية من خلال نظام الإمامة الذي ظل قائماً قرابة ألف عام. 

وبعدما تحوّل هذا النظام في مطلع القرن العشرين إلى ضرب من الملكية الوراثية، أُطيح عام 1962 قيام النظام الجمهوري الذي انخرطت السعودية في مواجهته.

إعادة ابتكار الهوية الزيدية

ومنذ ذلك الحين، فقدت الزيدية، التي يُقدَّر أن نحو 40% من اليمنيين ينتسبون إليها رسمياً، جانباً من دلالتها السياسية والدينية. 

ورغم أن النخب الجمهورية تنحدر في معظمها من أصول زيدية، فإنها لا تولي هذه الهوية عموماً أهمية خاصة. 

وهي تُسهم، شأنها شأن الرئيس السابق علي عبد الله صالح، في تطوير شكل من أشكال الهوية الإسلامية الجامعة التي تزعم محو الفوارق مع الأغلبية السنّية (1). 

وابتداءً من تسعينيات القرن العشرين، بات هذا المسار، الضارب بجذوره في التاريخ والمستند إلى حركة إصلاحية قديمة من داخل الزيدية، موضع طعن من جيل سياسي جديد لم يعرف عهد الإمامة، ويدعو إلى إعادة ابتكار الزيدية، منبهراً بنجاحات الجمهورية الإسلامية الفتيّة في إيران.

وكان هؤلاء الشباب يشعرون، علاوة على ذلك، بالإحباط من تهميشهم الاقتصادي والرمزي والسياسي، ومن تنامي السلفية في محيطهم بتشجيع من الدولة. 

ومن بين دعاة هذا التوجه الهويّاتي، الذي كان لا يزال محصوراً في أقلية ضئيلة، احتل حسين بدر الدين الحوثي (المؤسس الفعلي لجماعةالحوثي)، النائب البرلماني ونجل شخصية دينية، مكانةً محورية. 

وكان ينظّم أنشطة دينية وتربوية تُعلي من شأن الزيدية. كما كان يلقي محاضرات تناهض، على وجه الخصوص، النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

جاء البروز السياسي للحركة الحوثية في سياق حرب العراق التي أعقبت الغزو الأميركي

حروب صعدة

ومن جهة أخرى، جاء البروز السياسي للحركة الحوثية في سياق حرب العراق التي أعقبت الغزو الأميركي عام 2003، والتي غذّت التوترات بين السنّة والشيعة على امتداد الشرق الأوسط. 

وقد أضفى هذا الإطار على هذه الجماعة، منذ الوهلة الأولى، صبغةً طائفية. فأمكنت بلا عناء نسبتها إلى هوية شيعية موالية لإيران، مع أن هذه الهوية لم تكن جلية آنذاك، لفرط ما كان الحوثيون متجذرين في تاريخ يمني متفرد.

 ولإضفاء الشرعية على هجومها المسلح ضد الحوثيين، الذي شنّته في صعدة في يونيو/حزيران 2004، شدّدت السلطة اليمنية بوجه خاص على تواطئهم مع إيران وحلفائها. 

فاتهمتهم، على سبيل المثال، باعتماد العلم الأصفر لحزب الله اللبناني، وهو حركة شيعية، بديلاً من العلم الوطني. ولم تضع وفاة حسين الحوثي في سبتمبر/أيلول 2004 حداً للنزاع (قتل خلال حملة القوات الحكومية). 

وقد خلفه والده (بدر الدين)، ثم أخوه غير الشقيق عبد الملك الحوثي (الزعيم الحالي للجماعة).

وبعد بضع سنوات، في عام 2009، وفيما كانت حروب صعدة متواصلة، قررت الحكومة اليمنية تغيير اسم شارع طهران في صنعاء، عقاباً للإيرانيين على دعمهم للحوثيين. 

فأُطلق عليه اسم ندا آغا سلطان، ملهمة الحركة الخضراء (2) وشهيدتها، تلك الحركة التي طعنت في نتيجة الانتخابات الرئاسية في الجمهورية الإسلامية. 

وبالتوازي مع ذلك، وظّفت الحكومة اليمنية التيارات الإسلامية السنّية لتطوير خطاب ديني يقوم على وصم الزيدية، وأدمجتها أحياناً في صفوف القوات المسلحة التي كانت تقاتل الحوثيين في شمال البلاد. 

وشهد الربيع اليمني في عامي 2011 و2012 توحّد معارضي حكم علي عبد الله صالح. واتسمت التعبئة الثورية التي أفضت إلى سقوط الحاكم المستبد، الماسك بالسلطة منذ عام 1978، بتغييب المسألة الطائفية. 

فتوارت إلى حد بعيد الاتهامات بالتواطؤ مع إيران وبالدفاع عن تشيّع يُزعم أنه دخيل. وانخرط الحوثيون، على الرغم من نزعاتهم المتأصلة ونهجهم المنتقد علناً الحكومة الجديدة، في عملية الانتقال السياسي.

 فقد شاركوا مثلاً، طوعاً أو كرهاً، في مؤتمر الحوار الوطني الشامل (2013-2014).

على حساب الإخوان المسلمين

وبعد انقضاء هذا الفاصل الثوري، شكّلت نهاية عام 2013 لحظة قطيعة.

 فمن جهة، قبِل الرئيس السابق علي عبد الله صالح التحالف، سراً في البداية، مع أعدائه السابقين الحوثيين.

 فقوّض بذلك عملية الانتقال السياسي، وانتقم من حلفائه السابقين الذين خانوه أثناء "الربيع اليمني". 

ووفّر للحوثيين إمكانات عسكرية ومالية، ومكّنهم من التحضير للاستيلاء على السلطة في صنعاء. 

ومن جهة أخرى، اصطدم الحوثيون بالسلفيين في مواجهة محلية حول صعدة (شمال غرب). وحين هُزم هؤلاء، راحوا يبثون خطابهم الطائفي الصريح الذي يربط الحوثيين بإيران وبـ"البدعة" الشيعية. 

وكان هؤلاء السلفيون مستعدين، هم أيضاً، للسعي إلى الانتقام. وفرّ الشيخ السلفي الأبرز، يحيى الحجوري، إلى السعودية، حيث أخذ يدعو إلى شن هجوم على أعدائه الزيديين.
 
وخلال صيف 2014، جاء استيلاء الحركة الحوثية على السلطة أيضاً على حساب الإخوان المسلمين الذين كانوا قد ساندوا الانتقال السياسي. 

وقد تزعزعت مواقعهم (الإخوان) داخل الجيش، وسقطت معاقل عدة لهم في صنعاء ومحيطها. 

وهكذا تركت هذه المرحلة الإسلاميين السنّة في موقع الضحية، وباتوا مستعدين لتبنّي قراءة طائفية للمواجهة مع الحوثيين الذين أذلوهم.

وحين أطلقت السعودية عملية "عاصفة الحزم" ضد الحوثيين في مارس/آذار 2015، زعمت أنها تسعى قبل كل شيء إلى إعادة الحكومة الشرعية.

 وطوّرت سردية تفسح حيزاً واسعاً للقانون الدولي ولاحترام روح النظام الجمهوري اليمني. غير أن من الجلي أن السلطة السعودية فعّلت أدوات طائفية ضد الحوثيين.

 فقد استُنفرت السلطات الدينية السعودية لربط الحوثيين بالاستراتيجية الدينية لإيران، بوصفها مشروعاً شيعياً تخريبياً يندرج في صراع عمره ألف عام. 

وكان السلفيون والإخوان المسلمون، على الرغم من التنافس بينهم، في طليعة القتال ضد السيطرة الحوثية على الأرض. وكتائبهم هي التي حققت، خلال صيف 2015، تحرير عدن. 

وحول تعز (جنوب غرب)، وهي جبهة أخرى، انخرط مثلاً الفصيل السلفي بقيادة أبي العباس مباشرةً في المجهود الحربي للتحالف. وكان للحرب في اليمن آنذاك بُعد طائفي لا يمكن إنكاره.

التمسك بشكل من أشكال الإسلام الجامع

وفي حين كان بالإمكان توقّع أن تزداد هذه المسألة الدينية حدّةً، وفق منطق دموي سبق اختباره في العراق قبل ذلك بعقد، أفضت الحرب إلى عكس ذلك.

 فالجانب الديني، وإن ظل حاضراً، بات أشبه بالمحظور، وتبدلت المرجعيات الهويّاتية. ويحرص الحوثيون، داخلياً وفي خطاباتهم، على تقديم أنفسهم ممثلين لجميع الأطياف الدينية. فهم يضمون إلى صفوفهم سلفيين على وجه الخصوص. 

وصحيح أن سياساتهم تنطوي على قدر كبير من الالتباس، ومن شأنها أن تولّد توترات بين الفاعلين الدينيين، لا سيما في ما يتعلق بالسيطرة على المساجد ومضامين المناهج الدراسية. 

ومع ذلك، يبقى أن رفض الحوثيين الرسمي خطابات الطائفية، مقروناً بتمسك السكان بشكل من أشكال الإسلام الجامع، يحد من حضور البعد الديني في النزاع.

كما أن تمسك الحوثيين بالدفاع عن الفلسطينيين يدرجهم في إطار عروبي أوسع. 

وفي عامي 2024 و2025، مكّنت هجمات الجماعة اليمنية في البحر الأحمر على السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل، ثم الغارات الأميركية والإسرائيلية التي تعرضت لها (مواقعها)، الحوثيين من تجاوز التصنيفات الدينية. 

والأمر نفسه ينطبق على الجانب السعودي. فمنذ عام 2018، أخذت تتضح تدريجياً رغبة قادة المملكة في الخروج من المستنقع اليمني.

 وقد تُوّجت هذه الرغبة في عام 2022 بتطبيق وقف لإطلاق النار ظل قائماً، بحكم الأمر الواقع، حتى صيف 2026. 

وبالتوازي مع ذلك، هُمّش الفاعلون الدينيون في الفضاء العام السعودي، بل غُيّبوا عنه، ومعهم بالتالي خطابهم القادر على تغذية منطق طائفي ضد الحوثيين.

عودة القراءة الدينية

منذ صيف 2026، وفي سياق الحرب التي اندلعت في إيران، عادت بقوة القراءة الدينية للنزاع اليمني. فلا يزال السلفيون يحتلون مكانة راجحة في المجهود الحربي المبذول على الأرض. 

وقادتهم مُدمَجون في الهيئات العسكرية، وخطابهم القائم على وصم الزيدية برمتها يظل كامناً، وإن لم يكن صريحاً.
 
وبقدر لا بأس به من البراعة، حرص الخطاب الإعلامي للحوثيين على ربط هجومهم الجديد باتجاه باب المندب بالحصار السعودي، ومن ثم فصله عن الحرب في إيران أو عن أي منطق طائفي قوامه الدفاع عن التشيع. 

أما المملكة، التي وجدت نفسها في موقف حرج وباتت في موقع الضحية منذ استئناف الحرب وإعلان الحوثيين حصار موانئها، فباتت تحرص أكثر فأكثر على إضفاء شرعية دينية على سياستها. 

وقد أعاد الإعلان عن هجوم بطائرة مسيّرة في محيط مكة، في 15 سبتمبر/أيلول 2026، إذكاء الخطابات ذات الطابع الطائفي. 

ونفى الحوثيون مسؤوليتهم عنه، وسارعوا إلى تنظيم تظاهرة كبرى في صنعاء دفاعاً عن مكة ضد آل سعود، بهدف إثبات تعلقهم بالمدينة المقدسة.

عندها كتب المفتي السعودي صالح الفوزان، الذي تولى هذا المنصب المرموق في أواخر عام 2025، نصاً يدين الحوثيين بعبارات مباشرة، يربطهم فيه بالشيطان، ويجعل من التصدي لسيطرتهم واجباً يقرّه الله.

 وكان تعيينه، الذي حظي حتماً بموافقة ولي العهد محمد بن سلمان، قد جاء على نحو غير متوقع بعض الشيء. 

ذلك أن منطق التغييب والضغط الذي مورس على رجال الدين منذ عام 2015 كان يدفع إلى توقع شخصية ذات طابع مؤسسي أكبر، وأقل بريقاً، ومن ثم عاجزة عن تطوير خطاب متفرد يتمتع ولو بقدر يسير من الاستقلالية عن السلطة. 

والفوزان، وإن لم يكن شخصية ناقدة، يحظى بجمهور، وقد اتسمت مسيرته بمواقف انتقادية، لا سيما تجاه الإخوان المسلمين والشيعة. 

وفي إبريل/نيسان 2026، أي بعد ستة أشهر من تعيينه، حُذف أرشيفه الإلكتروني من الإنترنت، بما فيه آلاف الفتاوى التي أصدرها على مر العقود، بغية محو آثار مواقفه السابقة.
 
ويجسد نص صالح الفوزان عن الحوثيين تحولاً من الجانب السعودي، تؤكده بعض مداخلات أفراد من الأسرة المالكة على شبكات التواصل الاجتماعي. 

وقد تعرض هذا الانعطاف لانتقاد غير مباشر من مفتٍ آخر، هو مفتي سلطنة عُمان أحمد الخليلي، الذي طالما أشاد بسياسة الحوثيين الداعمة للفلسطينيين، ودعا إلى وحدة المسلمين. 

وفي إشارة ضمنية للفوزان، صرّح بأن الأولوية ينبغي أن تكون لحماية فلسطين وتحريرها، لا للتفرق. ولإطفاء النار الطائفية، تحاول وجوه أخرى من الحقل الإعلامي السعودي الإسهام في التوعية. 

فعلى القناة السعودية "الخليجية"، حاور الصحافي المؤثر عبد الله المديفر، في 27 سبتمبر/أيلول 2026، محمد عزان (باحث مختص بالفكر الإسلامي)، رفيق الدرب السابق للحوثيين، في حلقة حملت عنواناً جاء في أوانه: "هل كل زيدي حوثي؟".

ومن الواضح أن الإجابة المنتظرة لا تزال تميل، في الغالب، إلى النفي. لم يعد للفاعلين في الحقل الديني ثقل كبير في شبه الجزيرة العربية أمام صنّاع القرار السياسي، أمراء كانوا أو ملوكاً أو سلاطين، أو أمام المؤثرين. 

وثمة رهانات أخرى تفعل فعلها في إضفاء الشرعية على السياسات المنتهجة، وفي مقدمتها الأمن والاقتصاد. فالخطابات الطائفية لا تبشر أبداً بالوئام، وإذا انطلقت آلية الاستقطاب على أساس الهويات الدينية، صَعُبَ وقفها.
 
[1] لوران بونفوا، "الهويات الدينية المعاصرة في اليمن: التقارب والمقاومة والتوظيف"، Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée، 2008.

[2] بدأت الحركة الخضراء في 13 يونيو/حزيران 2009. واتهم المتظاهرون محمود أحمدي نجاد بتزوير الانتخابات. وجرت التظاهرات في طهران ومدن كبرى أخرى. وانتهت الحركة في ديسمبر/كانون الأول 2010.
 
لوران بونفوا

يُنشر بالتعاون مع "أوريان 21"

https://orientxxi.info/ar