Logo

نازحو اليمن... تخريب المنازل ونهب الممتلكات يهددان حق العودة

 على امتداد خريطة المعاناة التي رسمتها سنوات الحرب في اليمن، لم تقتصر خسائر المدنيين على الأرواح والممتلكات وسبل العيش، بل امتدت لتطاول الذاكرة المكانية للإنسان. 

وخلال التصعيد الأخير، شهدت القرى انتهاكات ممنهجة تستهدف المساكن الخاوية بفعل النزوح.

لم يكن الشاب علي، يدرك حين غادر مع أسرته المكونة من سبعة أفراد مدينة المخا (غرب)، في صباح العاشر من سبتمبر/ أيلول الماضي، أن البيت الذي خرج منه على عجل لن يبقى كما تركه،

 إذ لم يكن وقتها يفكر إلا في النجاة من منطقة تتسارع فيها المعارك وتتبدل فيها السيطرة، على أمل أن تكون الغيبة قصيرة، وأن يعود إلى منزله بعد أن تهدأ أصوات القصف.

يقول "كانت حياتنا عرضة للخطر، لذا قررت النزوح، فالروح لا يمكن تعويضها. 

خرجت مع زوجتي وأطفالي بما استطعنا حمله من خفيف الأمتعة، واضطررنا إلى ركوب شاحنة نقل للوصول إلى مدينة عدن. بعد نحو أسبوع، بلغني خبر عبر أحد الجيران، أن مسلحي جماعة الحوثي اقتحموا المنزل، ونهبوا كل محتوياته.

 ليست المفقودات مجرد أثاث، بل بعض مما تبقى من حياة عائلية كانت محفوفة بالسكينة. صور، وأغراض شخصية، وتفاصيل صغيرة لا تساوي الكثير من المال، لكنها تحمل في الذاكرة قيمة لا يمكن استبدالها. شعرت بعد نهب المنزل بأنهم اقتطعوا جزءاً من روحي".

تعكس قصة علي واقع مئات العائلات التي فرّت من جحيم المعارك في الساحل الغربي ومناطق غربي محافظة تعز، حيث وجد السكان الذين فرّوا بحثاً عن الأمان أنفسهم أمام خسارة مزدوجة، تمثلت بنزوح وفقد ممتلكات، ما يجعل العودة أصعب،

 فالمنازل التي بُنيت بالعرق وشقاء العمر تحولت إلى "غنائم حرب" تعبث بها أيادي المسلحين، ما يترك النازح معلقاً بين حنين قسري إلى ماضٍ سُلِب، ومستقبل مجهول في منافى النزوح.

وتمتد رقعة الجغرافية المنكوبة من المديريات الشمالية الغربية لمحافظة تعز، مثل مقبنة والوازعية، إلى مديريات الساحل الغربي، مثل حيس والخوخة والمخا، 

وفي هذه المساحات المترامية التي غادرها سكانها قسراً، غدت المنازل أهدافاً مستباحة لعصابات النهب والتشكيلات المسلحة المسيطرة على تلك الجبهات.

 ​ولا يتوقف هذا العبث عند حدود النهب العشوائي للمنقولات، بل يتخذ طابعاً تخريبياً منظماً يعكس استباحة تامة لحرمات المدنيين؛ 

إذ تكشف التقارير الميدانية وشكاوى الأهالي المتكررة تعرّض المساكن لعمليات خلع وتكسير ممنهج للأبواب والنوافذ، وسرقة الأسلاك الكهربائية، وتجريدها حتى من بلاط الأرضيات، ومن خزانات المياه والأنابيب الصحية.

وفي حالات عديدة، تحولت منازل مدنيين نازحين إلى ثكنات عسكرية، أو مخازن للعتاد، أو متاريس تحتمي خلفها العناصر المسلحة، ما أدى إلى تدمير كلي أو جزئي.

​وإن كانت الأرقام الدقيقة لأعداد مساكن النازحين المنهوبة أو المدمرة تغيب عن التوثيق الرسمي نظراً لاتساع رقعة المعارك وصعوبة الوصول الميداني، إلا أن الجهات الحقوقية بدأت توثق جانباً من هذه المأساة؛

 فخلال الفترة من 3 يوليو/ تموز إلى 22 سبتمبر/ أيلول الماضي، وثقت منظمة "سام" للحقوق والحريات، بشراكة مع منظمتين محليتين، وقائع متعددة مرتبطة بالتصعيد في تعز والساحل الغربي، من بينها اقتحام منازل، ونهب أثاث وأجهزة وممتلكات شخصية. 
 
​ولا تقدم المنظمة تقديراً نهائياً لعدد المنازل المنهوبة، لكن تقديراتها تتحدث عن مئات المساكن، مشددة على الحاجة الملحة إلى مسح مستقل شامل لتحديد حجم الظاهرة، وأسماء المالكين، ومصير الممتلكات. 

وأشار التقرير، في مثال، إلى شهادة النازح عمر دبلة، الذي أفاد بتعرض منزله في المخا للنهب بالكامل عقب مغادرته، بما في ذلك وثائقه الشخصية وصوره العائلية ومقتنياته الخاصة.

و​في الثقافة الشعبية اليمنية، يتجاوز البيت مفهوم الجدران والسقف ليكون "صندوق أسرار" يختزن ذاكرة الأسرة وتفاصيل عمرها من صور وموروثات ووثائق.

 ومع تكرار النزوح القسري، يفرّ المدنيون بأرواحهم تاركين خلفهم ممتلكات لا تقدر بثمن، ينهبها اللصوص أو المسلحون، لتتجلى قسوة "الاغتيال المعنوي" حين يكتشف النازحون بيع ذكريات طفولة أبنائهم وأرشيف حياتهم في أسواق الخردوات.

وبينما يمكن تعويض خسارة الأثاث والممتلكات بجهد السنين، يترك نهب الذاكرة أو تخريبها ندوباً نفسية غائرة. 

يقول الأخصائي النفسي وليد عقلان إن "التهجير القسري وتدمير المنازل وفقدان أفراد الأسرة والتعرض المتكرر للعنف كلها أمور يمكن أن تتراكم بوصفها تجارب صادمة، مع ظهور أعراض مرضية مثل اضطرابات النوم، ونوبات الخوف والقلق، وتجنب استحضار التجربة، والانغلاق العاطفي، خصوصاً لدى صغار السن. 

الأطفال النازحون تعرضوا لأنماط متكررة من الصدمات، وفقدان الإحساس بالأمان الذي يتجدد مع كل موجة نزوح مدمر للبعض منهم".

​يضيف عقلان: "لا تتوقف التداعيات عند حدود الصدمة الفردية، بل تتجاوزها لتؤسس لشرخ نفسي واجتماعي طويل الأمد. 

فالنازح الذي يعتقد أن لديه مكاناً سيعود إليه، يحتفظ -ولو نفسياً- برابط مع حياته السابقة، وما إن تبلغه أخبار اقتحام منزله ونهب أثاثه وضياع وثائقه، 

حتى تبدأ فكرة العودة نفسها في التآكل، ما يحوّل تدمير البيوت إلى حاجز نفسي يكبل رغبة العودة طوعياً، حتى في ظل التهدئة، ومن يقرر العودة يجد نفسه مضطراً إلى العيش وسط أطلال خاوية تفوح منها رائحة الانتهاكات".
 
ووفق أحدث بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، الصادر في 30 سبتمبر/ أيلول الماضي، بلغ عدد النازحين من جراء التصعيد في مناطق الساحل الغربي اليمني نحو 153 ألف شخص، من بينهم أكثر من 83 ألفاً استقروا في محافظة تعز، التي باتت أكبر منطقة مستضيفة للنازحين في البلاد. 

وخلال أسبوع واحد، بين 20 و26 سبتمبر الماضي، رصدت المنظمة نزوح 11,500 شخص، وتصدرت مديريات جبل حبشي والمعافر والوازعية مناطق النزوح في تعز، بالتزامن مع نزوح أسر أخرى من الخوخة وحيس في الحديدة.

​لكن أرقام النزوح لا تكشف تفاصيل الأشياء التي تركتها تلك الأسر خلفها؛ ففي الريف اليمني، لا ينفصل البيت عن الأرض الزراعية والمواشي، بكونها مصدر رزق. 

ويصف ناشطون المشهد بأنه اقتلاع مفاجئ للأهالي من منظومة حياة كاملة؛ إذ تخرج الغالبية على عجل تاركة خلفها المواشي والمزارع والأثاث. ووثقت تقارير محلية أن النازحين من الساحل الغربي والوازعية ومقبنة والكدحة غادروا في ظروف إنسانية بالغة القسوة.

ويتزامن فقدان البيت مع خسارة الأرض ومصادر العيش، ليتحول النهب الممنهج إلى امتداد قاسٍ للنزوح؛ فالشخص الذي ترك منزله هرباً من القتال، لا يستطيع أن يطمئن إلى مصير ممتلكاته في غيابه، ولا يعرف ما إذا كان سيجدها عند عودته. 

ومع طول أمد النزوح، يصبح الحفاظ على ملكيات العقارات نفسها تحدياً كبيراً، خصوصاً في ظل غياب أو ضعف مؤسسات الدولة، وعجزها عن الوصول إلى المناطق المتضررة لحماية حقوق المواطنين.

​وتتعامل التشريعات الوطنية مع حرمة المساكن الخاصة باعتبارها خطاً أحمر لا يجوز المساس به، حتى في أشد حالات النزاعات المسلحة ضراوة، 

وتكفل القوانين اليمنية صراحة حماية الملكيات الخاصة، وتجرّم اقتحامها أو نهبها، غير أن المظلة القانونية تقف عاجزة أمام سطوة السلاح، وقسوة الأمر الواقع المفروض في مناطق القتال.

وعلى صعيد القانون الدولي الإنساني، تنص اتفاقيات جنيف وبديهيات قوانين الحرب على حظر الاعتداء على ممتلكات المدنيين أو تدميرها أو نهبها، 

ويُصنف العبث بمنازل النازحين أو استهدافها بشكل منهجي انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، وقد يرقى في بعض الحالات إلى تصنيفه جرائم حرب، أو جرائم عقاب جماعي، وكلها جرائم لا تسقط بالتقادم.
 
ويؤكد الناشط الحقوقي عزيز مهيوب، لـ"العربي الجديد"، أن "التحدي الأكبر حالياً لا يكمن في تجاهل نصوص القوانين، بل في غياب آليات الرقابة والمساءلة، والمحاسبة الفعالة على الأرض. 

فالانقسام السياسي والميداني وغياب سلطة الدولة الرادعة خلقا بيئة خصبة للإفلات من العقاب، ما يغذي استمرار هذه الانتهاكات، ويشجع المجموعات المسلحة على التمادي في نهب ما تبقى من مقدرات الأهالي من دون خوف من تبعات قانونية أو أخلاقية. 

هذا الفراغ الأمني، وغياب السلطات الرادعة يكرسان ثقافة استباحة الحقوق، ويجعلانها ممارسة معتادة تغض سلطات الأمر الواقع الطرف عنها بشكل متكرر".

​وأمام هذا الواقع القاتم، تتصاعد المطالبات بتوثيق الجرائم ميدانياً ورقمياً لحفظ حقوق الملكية، وتؤكد منظمات حقوقية أن معالجة هذا الملف تتطلب توثيق المنهوبات، وضمان عدم اتخاذ النزوح ذريعة للاستيلاء على أملاك المدنيين، وإقرار تعويضهم في حال تعرُّض ممتلكاتهم للنهب أو التدمير.

وتختزل مأساة بيوت الساحل الغربي ومناطق غربي تعز الكثير من مآسي النزوح، حيث تمتد الخسارة لتطاول الأرواح والذاكرة، لكن أي مسار مستقبلي للسلام يشمل خطة لعودة النازحين لا يقوم على الذاكرة وحدها، بل يحتاج إلى ضمانات تحمي الحقوق. 

ومهما بلغ حجم الخراب، تظل هذه البيوت المنهوبة شاهدة على حياة أصحابها، وتظل العودة الهاجس الأكبر الذي يرفض الانكسار.

فخر العزب
صحافي يمني