Logo

تعليم تعز... مدارس وجامعات مغلقة والطلاب يدفعون ثمن التصعيد

 ​لا تتوقف آثار التصعيد العسكري الأخير في محافظة تعز، جنوب غربي اليمن، على مناطق التماس، إذ ألقت بظلالها على جغرافية المحافظة كلها مع توقف مظاهر الحياة والخدمات العامة، وعلى رأسها قطاع التعليم.

في غضون أيام، تراوحت القرارات التعليمية في بعض مديريات محافظة تعز اليمنية بين تعليق مؤقت للدراسة واستئنافها، ثم العودة إلى إغلاق المدارس على نطاق أوسع مع تزايد وتيرة المواجهات في مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الجاري. 

وبينما هدفت هذه التدابير إلى حماية الطلاب والكوادر التعليمية، وجد تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات أنفسهم أمام أسئلة تتجاوز موعد العودة إلى مقاعد الدراسة، 

لتشمل مصير الامتحانات والمناهج والتخرج، فضلاً عن الأعباء النفسية التي تفرضها الحرب على جيل يحاول مواصلة تعليمه في ظروف استثنائية.

في مطلع أكتوبر الجاري، وبالتزامن مع تصاعد المواجهات، أعلن مكتب التربية والتعليم في تعز تعليق الدراسة بالمدارس الحكومية والأهلية يومي الرابع والخامس من أكتوبر، 

كما أقر مجلس جامعة تعز تعليق الدراسة في الكليات والمراكز الواقعة داخل المدينة من الرابع إلى الثامن من أكتوبر، حرصاً على سلامة الطلاب الذين يضطرون إلى الانتقال عبر طرق خطرة نتيجة المواجهات. 

وشمل القرار تفويض مجلس فرع الجامعة في التربة، جنوبي تعز، ومشرف مركز الحوبان، ونائب عميد كلية التربية بالمخلاف، اتخاذ القرارات المناسبة بشأن الدراسة في نطاق اختصاصاتهم وفقاً للظروف الأمنية، مع استمرار الأعمال الإدارية في الجامعة.

​لكن العودة لم تستمر طويلاً؛ ففي الخامس من أكتوبر، أعلن مكتب التربية والتعليم استئناف الدراسة في مديريات القاهرة والمظفر وصالة، مع التشديد على ضرورة اتخاذ إجراءات السلامة ومتابعة المستجدات الأمنية بصورة مستمرة. 

في 10 أكتوبر، اتسع نطاق التعليق مجدداً، وأصدر المكتب تعميماً يقضي بتعليق الدراسة في جميع مديريات المحافظة حتى إشعار آخر، مبرراً القرار بالظروف الأمنية، ومشدداً على أولوية حماية الطلاب والطالبات والكوادر التعليمية والإدارية.

 وسبق ذلك في الثامن من أكتوبر، إعلان لجنة الطوارئ في المحافظة تعليق الدراسة في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات العامة والأهلية والخاصة الواقعة في المديريات التي أصبحت تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب منح الموظفين العاملين فيها إجازة مفتوحة حفاظاً على سلامتهم.

​وتكشف هذه القرارات المتتابعة عن حجم الارتباك الذي فرضته التطورات العسكرية على العملية التعليمية، وعن صعوبة الفصل بين استمرار الدراسة ومتطلبات السلامة في محافظة تضم خطوط تماس متغيرة، وطرقاً يتعذر استخدامها بصورة آمنة.

 ​ولا يتوقف تأثير قرار التعليق على الأيام التي يغيب فيها الطلاب عن مقاعد الدراسة، بل يضع الإدارات التعليمية أمام تحديات معقدة تتعلق بتعويض الفقد التعليمي، وجدولة الاختبارات، إضافة إلى الحد من اتساع الفجوة الأكاديمية بين مناطق تستأنف الدراسة وأخرى يظل التعليم فيها معلقاً.

وتبدو مخاوف طلاب الثانوية العامة أكثر إلحاحاً؛ إذ يحرمهم الانقطاع عن الدراسة من الاستعداد الجيد للاختبارات، ويرهن فرصهم في تحصيل المعدلات المؤهلة للتعليم الجامعي. 

ويتفاقم الوضع مع انعدام الحلول البديلة نظراً لضعف البنية التحتية للإنترنت، ونقص الأجهزة اللوحية، ومحدودية القدرة المالية للأسر على توفير التعليم الخاص.
 
تقول هديل عمر، وهي طالبة في الصف الثالث الثانوي، "هذه السنة هي حصاد جهد 12 سنة دراسية، وهي تحدد مستقبلي ومساري الأكاديمي والجامعة التي سألتحق بها. 

فوجئت بتصاعد الحرب وتعليق الدراسة، وأصبحت لا أعرف كيف ستمضي هذه السنة الدراسية، ولا كيف سأخوض امتحانات الثانوية إذا استمر الوضع على هذا النحو".

ويبرز أثر تعليق الدراسة على الطلاب الجامعيين، إذ ترتبط مسيرتهم الأكاديمية بجدول زمني صارم للمحاضرات، والتدريب العملي، والاختبارات الفصلية.

 وتشتد التداعيات في التخصصات التطبيقية التي تعتمد على المختبرات والتجهيزات العملية التي يستحيل تعويضها عبر التعليم عن بُعد. 

ومع كل توقف، تتراكم الإرباكات الأكاديمية، من إعادة جدولة الفصول، وتأجيل الامتحانات، إلى تعطيل خطط التخرج والتدريب الميداني. 

ويضاف إلى كل ذلك العبء المالي الإضافي الذي يثقل كاهل المغتربين من الطلاب، الذين يجدون أنفسهم ملزمين بدفع تكاليف الإيجارات والإقامة والمواصلات حتى في أوقات التوقف المفاجئ للدراسة. 

يقول حسين علي، وهو طالب في كلية الصيدلة، "تكرر تعليق الدراسة أكثر من مرة، ما يعني تعثر تطبيق الخطة الدراسية، ونخشى أن نجد أنفسنا فجأة أمام الامتحانات دون أن نكون قد درسنا سوى أيام معدودة".

في داخل المنازل، تتحول قرارات التعليق إلى عبء يومي ثقيل على أولياء الأمور الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين حماية أبنائهم، وضمان استمرار تعليمهم، 

فإرسال الأطفال إلى المدارس وسط المخاطر الأمنية يثير الرعب، وبقاؤهم في المنازل طويلاً يزيد مخاوف تراجع مستواهم الدراسي. ​

وتلخص أم أوس هذه المعاناة قائلة "نحن أمام خيارين أحلاهما مر، إذ يستحيل أن نغامر بإرسال أطفالنا إلى المدارس في ظل التصعيد العسكري الحالي، وفي الوقت ذاته يتسبب بقاؤهم في المنازل بخلق قطيعة مع كتبهم ودراستهم، ويصيبهم بحالة من التبلد".

ويقبع المعلمون بدورهم في قلب الأزمة بين تحديات مهنية وضغوط إنسانية؛ فبينما تملي المخاطر الأمنية أولوية السلامة، يقع على عاتقهم التزام أخلاقي وأكاديمي بإكمال المناهج، وهي مهمة يستحيل إنجازها في ظل الإغلاق المستمر. 

​ومع كل استئناف للدراسة، يجد المعلمون أنفسهم مضطرين لتكثيف المقررات وضغط الجدول الدراسي على حساب المراجعة والتطبيقات العملية؛ ما يضعف القدرة الاستيعابية للطلاب، لا سيما في الصفوف المفصلية والمواد التراكمية التي تتطلب بناءً معرفياً تدريجياً.
 
يوضح معلم الثانوية عبد الباسط الصبري أن "توقف الدراسة يعوق قدرة المعلم على استكمال المقرر الدراسي، ما يدفع المعلمين عقب كل استئناف للجوء إلى حلول اضطرارية تمليها مدة الانقطاع، 

كالتجاوز عن بعض الفصول أو المواضيع، أو دمج أكثر من درس في الحصة الواحدة بهدف إنهاء المنهج، ما ينعكس سلباً على التحصيل العلمي للطلاب".

​وامتدت التداعيات إلى المؤسسات التعليمية ذاتها، إذ حوّلت جماعة الحوثيين عدداً من المدارس إلى ثكنات أو مواقع عسكرية، وفق إفادات محلية، ما أحال تلك المنشآت إلى أهداف للأعمال العسكرية، معرّضاً إياها للقصف والغارات الجوية. ​

وتتجلى أبعاد المأساة في مدرسة "الصديق" بعزلة بني عيسى في مديرية جبل حبشي، والتي تحولت إلى موقع نزاع مسلح.

​وأوردت تقارير إعلامية أسماء مدارس تعرضت للقصف خلال التصعيد الأخير، من بينها مدرسة "الزهراء" للبنات بمديرية جبل حبشي، ومدرسة "الروض" بمنطقة الربيعي في التعزية، ومدرستا "الثورة" و"الشهيد" بمديرية حيفان، إضافة إلى مدارس أخرى في المعافر. 

وتؤكد الخبيرة التربوية ميادة محمد أن "التعامل مع الفاقد التعليمي يتجاوز مجرد تمديد أيام الدراسة بشكل شكلي، 

إذ يتطلب خطة متكاملة تبدأ بحصر الدروس الأساسية غير المشروحة، وتقييم مستويات الطلاب عقب العودة، وصولاً إلى إقرار برامج علاجية تراعي الفروق الفردية بينهم. إلقاء مسؤولية تعويض المقررات على عاتق المعلمين من دون إتاحة زَمن كافٍ وموارد مساندة سيضاعف الضغوط على العملية التعليمية ويفقدها نجاعتها".

​وتضيف: "يأتي التصعيد الأخير في سياق أوسع من التحديات الممتدة التي تنخر القطاع التعليمي منذ سنوات، إذ لا يبدأ الضرر لحظة إغلاق أبواب المدارس، بل يتراكم فوق انقطاعات سابقة، وأزمات اقتصادية ومؤسسية أثرت عميقاً في انتظام العملية التعليمية وجودتها".
 
وفي 16 سبتمبر/ أيلول الماضي، أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) بإغلاق 243 مدرسة أو تعليق الدراسة فيها من جراء تجدد المواجهات، ما أثر على أكثر من 137 ألف طالب وطالبة في المناطق المتضررة، ومن بينها غربي تعز وجنوبي الحديدة ومناطق في مأرب، 

مشيرة إلى أن 3.2 ملايين طفل في سن الدراسة كانوا خارج المدارس قبل التصعيد الأخير.

​وفي تقريرها الإنساني السنوي عن اليمن لعام 2025، المنشور في السابع من إبريل/ نيسان الماضي، أوضحت "يونيسف" أن 104.616 طفلاً استفادوا من إعادة تأهيل المرافق التعليمية، 

فيما وصل الدعم التعليمي إلى 116.674 طفلاً عبر برامج التعليم النظامي وغير النظامي، من بينهم 12.058 طفلاً من المنقطعين عن الدراسة، و2.718 طفلاً أُعيد دمجهم في المدارس الحكومية.

وتسلط هذه المؤشرات الضوء على التحديات التي تواجه جودة التعليم والمهارات الأساسية لدى الأطفال، في وقت يهدد فيه التصعيد العسكري وتعليق الدراسة بتفاقم الفاقد التعليمي وتعميق الصعوبات التي يعانيها الطلاب والمعلمون على حد سواء.

وتتزايد مع استمرار تعليق الدراسة مخاوف الطلاب في تعز من تعثر الامتحانات. وبينما تظل سلامة الطلاب أولوية، تبرز الحاجة إلى توفير بدائل آمنة للتعلم، وخطط جادة لتعويض الدروس الفائتة، منعاً لتحول الانقطاع المؤقت إلى حرمان طويل الأمد من التعليم.

فخر العزب
صحافي يمني