Logo

"البقاء مقاومة"... استراتيجية أهالي تعز للصمود أمام الحصار الحوثي

الرأي الثالث 

لا تنحصر المعركة في تعز بين القوات اليمنية والمقاومة الشعبية من جهة، وجماعة الحوثيين من جهة أخرى، في حدود الاشتباكات المسلحة، بل تتجاوزها إلى حرب خنق ممنهجة تتمثل في تشديد القيود على الطرق والإمداد، وفرض حصار مطبق من جميع الاتجاهات، مما يضع المدنيين في واجهة المعركة بوصفهم الحلقة الأضعف. 

​خلف خطوط التماس وداخل المدينة المحاصرة، يخوض السكان معركة يومية من أجل البقاء في منازلهم؛ لمواجهة شح المياه والوقود والغاز المنزلي، والارتفاع الجنوني لأسعار السلع الأساسية.

 ظروف تعيد إلى الواجهة الأزمة الإنسانية القاسية التي عاشتها تعز عامي 2015 و2016، وهي تجربة مريرة جعلت السكان أكثر تحدياً وأشد تمسكاً بخيار البقاء داخل بيوتهم رغم قسوة الحصار، وسط تأكيد مجتمعي لأهمية التماسك والتكافل في مواجهة تقلص مقومات الحياة.

معركة سكان تعز اليومية

وفي سبيل البقاء داخل منازلهم، يخوض أبناء تعز معركة يومية في مواجهة نقص المياه والوقود والغاز المنزلي وارتفاع أسعار السلع الأساسية. 

وبالنسبة لهم، لا يُختزل البقاء في التمسك بالمنازل والأحياء فحسب، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالخوف من تحول النزوح الجماعي إلى واقع دائم، وأن يؤدي تفريغ الأحياء إلى إضعاف المجتمع المحلي، وانهيار الحاضنة الشعبية للجيش والمقاومة، وتغيير موازين السيطرة على الأرض. 

ولهذا، يعتبر أبناء تعز أن البقاء داخل المدينة ورفض النزوح يمثلان شكلاً من أشكال المقاومة، التي تحمل دلالة سياسية واجتماعية تتجاوز حدود الصمود الفردي، ليعبّر عن رفض قاطع لأن يصبح الرحيل الخيار الوحيد أمام المدنيين.
 
وتتجدد هذه المخاوف مع التصعيد العسكري الذي تشهده محافظة تعز منذ سبتمبر/أيلول الماضي، وما رافقه من إغلاق لطرق الإمداد وتراجع في وصول السلع الأساسية. 

وفي هذا السياق، حذّر منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، لوران بوكيرا، في 20 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، من التدهور السريع للأوضاع الإنسانية والاقتصادية في تعز 

مشيراً في بيان إلى أن إغلاق الطرق وانعدام الأمن يعرقلان وصول الوقود والإمدادات الضرورية، وأن إنتاج المياه في المدينة انخفض إلى النصف، فيما قفزت أسعار المواد الغذائية والوقود المتاح إلى أكثر من ضعف مستوياتها السابقة.

 وتعمل جماعة الحوثي على نشر تطمينات لكل من يرغب في الخروج من تعز، إذ أعلنت الأجهزة الأمنية التابعة لها عن تسهيلات تزعم أنها تتيح للسكان مغادرة مناطق المواجهات بأسلحتهم الفردية.

وتثير هذه التطمينات، في حال ثبوت تفاصيلها وسياقاتها الميدانية، أسئلة عميقة بشأن طبيعتها وأهدافها والجهة المستفيدة منها؛

 فإخراج المدنيين من مناطقهم لا يقتصر أثره على تغيير أماكن إقامتهم فحسب، بل يتعداه ليفضي، عندما يصبح واسع النطاق أو طويل الأمد، إلى تفكيك الروابط الاجتماعية وإفراغ الأحياء من سكانها الأصليين، بما ينعكس مباشرة على توازنات السيطرة والنفوذ. 

في المقابل، يرفض السكان المحليون هذه التوجهات، ويعتبرون أنها تأتي في سياق مخطط متعمد من الحوثيين لإفراغ تعز وتغيير تركيبتها السكانية، فضلاً عن إحداث خلل في الحاضنة الشعبية الملتفة حول الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، وضرب التماسك المجتمعي داخل المدينة المحاصرة.

​مع ذلك، لا يعني التمسك بالبقاء أن جميع الأسر قادرة على تحمّل تكاليفه الخيالية، كما لا يعني النزوح بالضرورة تخلياً عن المدينة؛ 

فالأسر التي تضم أطفالاً أو مرضى أو كباراً في السن قد تجد نفسها مضطرة للمغادرة بحثاً عن الأمان أو العلاج، في حين تعجز أسر أخرى حتى عن تحمّل تكاليف الانتقال والإقامة خارج مناطقها. 

وتظهر آثار الحصار بصورة أكثر مباشرة في الاحتياجات التي لا تستطيع الأسر الاستغناء عنها. الغاز المنزلي، الذي يمثل إحدى وسائل الطهي الأساسية، بات نادراً مع انحصار بيعه في السوق السوداء ووصول سعر الأسطوانة إلى ما لا يقل عن 30 ألف ريال يمني (نحو 56 دولاراً).
 
يقول نائف الدوسر "وصل سعر أسطوانة الغاز إلى أكثر من 30 ألف ريال في السوق السوداء، ولا نحصل عليها بسهولة. 

ورغم كل هذا نحن صامدون في وجه هذه الظروف بكل ما تحمل الكلمة من معاناة".

 وفي السياق ذاته، يقول المواطن ماجد الزغروري "الحوثيون قطعوا الغاز والمشتقات النفطية... وحين ينعدم الغاز تماماً، نضطر إلى استخدام الحطب والشُّوَل (مواقد) التي تعمل بالهواء بوصفها بدائل للطهي". 

​وأمام هذه الأسعار المرتفعة، تضطر غالبية الأسر إلى استخدام الحطب بديلاً للطهي. 

وتشرح مواطنة تعرف عن نفسها بأم عبد الرحمن واقع هذه المعاناة في البيوت، قائلة: "رغم العطش وتعب الطبخ بالحطب، وارتفاع الأسعار، لن نخرج من بيوتنا ولن نترك تعز للحوثي". 

​ولا يمثل هذا التحول مجرد تغيير في وسيلة إعداد الطعام؛ إذ يضيف أعباءً جسدية ومالية على الأسر، ويزيد تعرضها للدخان ومخاطر الحروق، ولا سيما في المنازل المكتظة أو ضعيفة التهوية. كما أن الاعتماد على الحطب يطرح مخاوف صحية وبيئية مع استمرار الأزمة.

أزمة مياه مستفحلة

أما المياه، فتبدو أكثر الاحتياجات إلحاحاً. ووفق الأرقام الواردة من مصادر محلية، يصل سعر المياه سعة ستة آلاف لتر إلى نحو 90 ألف ريال (نحو 168 دولاراً)، في ظل انقطاع الإمدادات وصعوبة الوصول إلى مصادر المياه التي يعتمد عليها السكان. ويزيد من تعقيد الأزمة تراجع الوصول إلى منطقة الضباب، التي تضم آباراً يعتمد عليها سكان المدينة.

 ومع تعطل طرق الإمداد وتراجع القدرة على تشغيل منظومات ضخ المياه، تصبح الأسر أمام معادلة صعبة، فإما تقليص الاستهلاك إلى الحد الأدنى، أو دفع مبالغ تفوق قدرتها الشرائية للحصول على كميات تكفي احتياجاتها الأساسية. 

وليست هذه المخاوف منفصلة عن أزمة المياه الممتدة في تعز منذ سنوات. فقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته في ديسمبر/كانون الأول 2023، القيود المفروضة على الوصول إلى المياه والمساعدات، وأثر إغلاق الطرق ونقاط التفتيش في نقل الإمدادات إلى المدينة.

 وأشار التقرير إلى أن النزاع ألحق أضراراً بالبنية التحتية للمياه، وزاد صعوبة وصول السكان إلى الموارد المتاحة.
 
ويضاف إلى ذلك نقص المشتقات النفطية، إذ يصل سعر الدبة (الغالون) سعة 20 لتراً، وفق المعطيات المحلية، إلى نحو 50 ألف ريال (نحو 93.5 دولاراً). 

ولا يقتصر أثر ذلك على أصحاب المركبات أو العاملين في النقل، بل يمتد إلى كلفة نقل المياه والسلع، وتشغيل المولدات والمرافق الخدمية، بما يجعل نقص الوقود عاملاً مضاعفاً للأزمات الأخرى. 

وتحذر الأمم المتحدة من أن إغلاق الطرق وانقطاع الإمدادات يهددان الخدمات الصحية، وإمدادات الأكسجين والطاقة اللازمة للمستشفيات، فضلاً عن عرقلة وصول الغذاء والدواء. 

وفي بيانه الأخير، دعا منسق الشؤون الإنسانية في اليمن، لوران بوكيرا، جماعة الحوثي إلى فتح ممرات آمنة أمام السلع التجارية والمساعدات الإنسانية والطبية 

مشدداً على ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، واحترام القانون الدولي الإنساني. في المقابل، يحتاج السكان إلى دعم إنساني عاجل يراعي أوضاع الأسر الأشد فقراً، ويمنع تحول الأسعار الخيالية للاحتياجات الأساسية إلى عامل إضافي يدفعها نحو النزوح؛ 

فحين يصبح الحصول على الماء والطهي والتنقل عبئاً يفوق القدرة على الاحتمال، تتقلص خيارات البقاء حتى لدى الأسر الأكثر تمسكاً بمنازلها.

فخر العزب
صحافي يمني،