Logo

سراب الجبروت: فلسفة الحشد وذوبان الوهم

في تاريخ الأمم، ثمة لحظات فارقة تولد فيها الكيانات من رحم الفوضى، لا لترمم الشروخ، بل لتعتاش عليها. إن ظاهرة "الغوغائية المنظمة" التي تجلت في مسيرة المجلس الانتقالي الجنوبي لم تكن استثناءً تاريخياً،
 بل كانت تكراراً كلاسيكياً لمأساة السلطة حين تُبنى على أنقاض العاطفة المشبوبة، وتسكن في بروج مشيدة من وهم القوة ومال التمويل. 
لقد وُلد هذا الكيان من رحم الانتهازية، بعد أن قام على أنقاض الحراك الجنوبي السلمي واختطف تطلعات البسطاء ليحولها إلى "شركة خاصة" تخدم حاشية ضيقة، 
معتمداً في سيطرته على "الهالة" لا على "الدولة"، ومستخدماً الضجيج الإعلامي والترهيب العسكري ليخلق حالة من الخوف الجماعي، حتى ظن الناس أنه قوة لا تقهر 
 بينما كان في حقيقته "نمراً من ورق" محشواً بقش التبعية، لذا كان من المنطقي أن يذوب كالملح ويتبخر بمجرد أن حمي وطيس الحقيقة. 
إن الخطيئة الكبرى التي ارتكبها هذا الكيان هي "أدلجة الكراهية" وتكريس المناطقية المقيتة؛ فبدلاً من تقديم نموذج مدني مشرق في عدن، اختار قادة "مثلث الدوم" منطق الغنيمة، فبنوا السجون قبل المدارس، وحولوا المدينة إلى ساحة لتكديس العقارات المنهوبة، 
بينما ظل ابن عدن المثقف غريباً في داره، يرى القادمين من خلف الجبال يتطاولون في البنيان وهو لا يجد سقفاً يأويه. 
وبدلاً من استثمار الموارد الطائلة لتسيير حياة الناس، آثروا النهب وزرع العنصرية، واستخدموا جوع المهمشين لجرهم إلى الميادين مقابل فتات الموائد، ظناً منهم أن "شرعية الحناجر" تغني عن شرعية الإنجاز. 
ولكن، وكما يعلمنا المنطق، فإن "لكل فعل ردة فعل"، فقد وضعت هذه التصرفات الرعناء أبناء "المثلث" في حصار من الكراهية الشاملة؛ 
فهم اليوم يواجهون ردة فعل غاضبة من أبناء الشمال، ونبذاً من أبناء الجنوب في الشرق والوسط الذين روعتهم تلك الجيوش المدفوعة بالجهل نحو حضرموت والمهرة. 
لقد تلاشت تلك الهالة بمجرد جفاف منابع الدعم، وانكشف زيف التحالفات عند أول منعطف حقيقي؛ فرأينا كيف انفرط العقد وتشتت الرفاق، من أبو زرعة المحرمي وأحمد بن بريك والخبجي،
 إلى مطهر الشعيبي وأمين عام المجلس، الذين يمموا وجوههم شطر الرياض وارتموا في أكناف الشرعية تأميناً لمصالحهم، تاركين "عيدروس" وحيداً، منبوذاً، ومطروداً من جغرافيا الوهم التي شيدها. 
إنها دراما السقوط التي يتبخر فيها جبروت الغوغاء، ويصبح الإنسان "قتيل أفكاره" حين يعادي العقل والمنطق، ويترك خلفه شعباً تعلم الدرس جيداً: 
أن القوة التي لا تُبنى على العدل هي زبد يذهب جفاء، وأن من استعلى بجهله وتكبر بمال غيره، ليس له في ذاكرة الأوطان إلا النسيان.