السياسة والعقل في زمن ترامب: حين تقود المصالح المبادئ
في علم السياسة، لا يمكن الحديث عن الفعل السياسي دون الوقوف عند منهجه. فالتاريخ السياسي للبشرية لا يعرف، في جوهره، سوى طريقين (( منهجين)):
إما طريق العقل الذي ينطلق من مبادئ كلية يحاكم بها الوقائع،
وإما طريق التجربة التي تنطلق من الوقائع لتستخلص منها مبادئ مؤقتة.
المنهج الأول يفترض أن السياسة فعلٌ واعٍ، غايته التنظيم والتوجيه، أما الثاني فيتعامل مع السياسة بوصفها استجابة ظرفية، تتشكل تحت ضغط الحدث لا تحت هداية الفكرة.
والطبع الإنساني، وإن أمكن ملاحظته في السلوك الفردي، لا يتجلى بكامل أبعاده إلا على مسرح التاريخ؛ حيث تتقاطع المصالح، وتتصادم الغرائز، وتُختبر قدرة العقل على الضبط والتوجيه.
لذلك لم يكن غريبًا أن يسلك الكُتّاب السياسيون، في الغالب دون وعي منهجي صريح، أحد هذين الطريقين: إما الحديث عمّا يجب أن يكون، أو الاكتفاء بوصف ما كان.
غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن المنهج العقلي، رغم مخاطره، أسمى من المنهج التجريبي الصرف. فالعقل – حتى حين يخطئ – يظل أكثر ثباتًا من الانفعال، وأكثر قدرة على بناء الاستمرارية.
وفي السياسة تحديدًا، يصبح غياب العقل الكلي وصفة للفوضى، مهما بدت القرارات ناجحة على المدى القصير.
من هنا تبرز إشكالية عصر دونالد ترامب.
فسياسة ترامب لا تنطلق من رؤية فلسفية أو استراتيجية شاملة، بل من تفاعل مباشر مع الحدث. القرار يُتخذ بوصفه رد فعل، لا حلقة ضمن مشروع. التحالفات تُدار بمنطق الصفقة، لا بمنطق التوازن التاريخي. والمبادئ تُستدعى كشعارات، لا كأسس ناظمة.
إنه نموذج سياسي يقوم على التجربة الغريزية:
ما ينجح اليوم يُكرَّر، وما يثير صدمة إعلامية يُعتمد، وما يحقق مكسبًا آنيًا يُقدَّم على أي اعتبار بنيوي بعيد المدى. وبهذا المعنى، تتحول السياسة من فن إدارة المصير الجماعي إلى إدارة انطباعات ومصالح لحظية.
والنتيجة عالم أقل قابلية للتوقع، تُهدم فيه القواعد القديمة دون أن تُبنى قواعد بديلة، ويُستبدل العقل الاستراتيجي بنوع من الواقعية المتقلبة، التي قد تُربك الخصوم، لكنها في الوقت ذاته تُربك الحلفاء وتُفرغ النظام الدولي من أي معنى ثابت.
إن السؤال الحقيقي في عصر ترامب ليس ما إذا كانت هذه السياسة ناجحة أو فاشلة، بل:
هل يمكن لعالم بلا عقل ناظم، تحكمه الاستجابة بدل الرؤية، أن يحافظ على توازنه؟
* دبلوماسي وسياسي يمني