Logo

علي سالم البيض: شجاعة القرار، وأخلاق الاختلاف، ودرس الهوية اليمنية

 في لحظات التحول الكبرى لا يقاس القادة فقط بما يحققونه من مكاسب آنية، بل بما يتحملونه من أثمان وهم يتخذون قرارات صعبة في زمن ملتبس، 

وفي التاريخ اليمني الحديث، يبرز علي سالم البيض بوصفه واحدا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل، لا بسبب تقلب المواقف، بل لأن قراراته كانت – في جوهرها – قرارات رجل دولة أدرك خطورة اللحظة، وتقدم إليها بجرأة، لا بهروب..

حين اتجه البيض نحو خيار الوحدة اليمنية، لم يكن ذلك قرارا سهلا ولا خطوة شعبوية، كان قائدا لدولة، وأمينا عاما لحزب أيديولوجي شديد الحساسية تجاه مفاهيم السيادة والهوية والسلطة، 

ومع ذلك، اختار أن يضع اليمن فوق الحسابات الحزبية، وأن يغامر بموقعه السياسي من أجل أفق وطني أوسع، تلك الشجاعة لا يمكن فهمها اليوم إلا إذا استحضرت ظروف ذلك الزمن:

 تشقق النظام الدولي، سقوط المعسكر الاشتراكي، وانسداد الأفق أمام دولة الجنوب اقتصاديا وسياسيا، في ذلك السياق، كانت الوحدة خيار العقل قبل أن تكون خيار العاطفة..

لكن الشجاعة لا تختبر فقط عند الاتفاق، بل تظهر أكثر عند الاختلاف، بعد انتخابات التعددية السياسية التي سبقت حرب 1994، برز حزب التجمع اليمني للإصلاح كقوة سياسية لها وزنها الشعبي، وكان من حقه – وفق منطق الديمقراطية – أن يكون جزءا من معادلة السلطة،

 هنا بدأ الخلل الحقيقي: لم يكن الخلاف على مبدأ الشراكة، بل على إدارة الشراكة، وعلى حدود النفوذ، وعلى شكل الدولة التي وعد بها اليمنيون..

في تلك المرحلة، لم يكن علي سالم البيض تابعا، ولا مجرد رقم في معادلة السلطة، اختلف بوضوح، واحتج بجرأة، وانسحب إلى عدن حين رأى من وجهة نظره أن الشراكة تنحرف عن مسارها، 

قد يخطئ المرء أو يصيب في تقييم خياراته، لكن الثابت أنه ظل صاحب قرار مستقل، لا يدار عن بعد، ولا يتنازل عن قناعاته تحت ضغط اللحظة..

حتى في ذروة حرب 1994، وما تلاها من جراح وانكسارات، بقي موقف البيض – مهما كان قاسيا – مرتبطا باليمن كهوية وتاريخ، 

وعندما اتخذ قرار الانفصال، لم يكن ذلك خروجا من اليمن، ولا دعوة لسلخ الجنوب عن عمقه الطبيعي، ولم يروج يوما لفكرة “جنوب عربي” بلا ذاكرة ولا سياق، كما تفعل اليوم بعض الأصوات التي تخلت عن هويتها طوعا، ورهنت خطابها لأجندات إقليمية، ظنا منها أن الجغرافيا يمكن أن تشترى، وأن التاريخ قابل للمحو!.

ولعل شهادة خصومه قبل حلفائه تكشف جوهر الرجل؛ فقد وصف – حتى من الرئيس الذي اختلف معه حد القطيعة – بأنه شجاع، وصاحب قرار، لا يتوارى خلف الآخرين، وهذه قيمة نادرة في زمن كثر فيه الوكلاء، وقل فيه أصحاب الإرادة المستقلة!.

إن استحضار تجربة علي سالم البيض اليوم ليس تبريرا لكل ما جرى، ولا محاولة لإعادة إنتاج الماضي، بل هو درس أخلاقي وسياسي لجيل يعيش حالة انسلاخ مقلقة عن هويته اليمنية، 

درس يقول إن الاختلاف لا يعني الخيانة، وإن الهزيمة لا تبرر الارتهان، وإن الوطن – مهما ضاق أو ظلم – يظل الإطار الأوسع للكرامة والمعنى..

في زمن الضياع، نحتاج إلى إعادة قراءة رجال الخلاف لا رجال التبعية، وإلى تعليم أبنائنا أن الهوية ليست شعارا عابرا، بل مسؤولية تاريخية، واليمن، بكل ما فيه من جراح، يظل أكبر من أن يختزل في مشاريع مؤقتة أو ولاءات مستعارة..